مئات المعتقلين بعد صدامات عنيفة في باريس

تجدد العنف في باريس بين متظاهري حركة «السترات الصفر». (أ ف ب)
باريس – «الحياة» |

تجدّدت صدامات عنيفة في باريس أمس بين متظاهري حركة «السترات الصفر» الذين نصبوا متاريس وأحرقوا سيارات ورشقوا حجارة على الشرطة التي استخدمت غازاً مسيلاً للدموع وخراطيم مياه لتفريقهم، ومنعتهم من الوصول إلى قصر الإليزيه للإعراب عن استيائهم من سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون.


واعتُقل حوالى 400 شخص في بروكسيل، خلال تظاهرة نظّمتها حركة «السترات الصفر» البلجيكية وشارك فيها حوالى ألف شخص. واستخدمت الشرطة غازاً مسيلاً للدموع وخراطيم مياه لتفريق المتظاهرين.

إلى ذلك، أعلنت الحكومة الفرنسية أن حوالى 31 ألف شخص شاركوا في التظاهرات، بينهم 8 آلاف في العاصمة، علماً أن السلطات نشرت 89 ألف شرطي في أنحاء البلاد، بينهم 8 آلاف في باريس، حيث أُنزلت عشرات العربات المدرّعة للمرة الأولى منذ عقود.

وبدت باريس في غالبية شوارعها «مدينة أشباح»، إذ كان عدد السائحين ضئيلاً، وناشدت السلطات السكان البقاء في منازلهم. وأُغلقت عشرات الشوارع أمام حركة المرور ومحطات السكك الحديد، كما أُغلقت متاحف عالمية، مثل «أورسي» و«اللوفر» ومركز «بومبيدو». ووضعت متاجر كبرى في محيط جادة الشانزيليزيه ألواحاً خشبية على واجهاتها وأفرغت البضائع، خشية نهبها قبل الأعياد، كما أُزيلت مقاعد الشوارع والمواد المستخدمة في مواقع البناء، لتجنّب استخدامها بوصفها مقذوفات، وأُلغيت مباريات كرة قدم وحفلات موسيقية. وأثارت هذه الأجواء مخاوف لدى المواطنين، إذ اكتظت بهم متاجر بيع المأكولات، لتخزين أغذية على سبيل الاحتياط.

وأصدرت السفارة الأميركية تحذيراً لمواطنيها في باريس، داعية إياهم إلى «تفادي الظهور وتجنّب التجمعات»، فيما حضّت الحكومات البلجيكية والبرتغالية والتشيخية مواطنيها الذين يعتزمون التوجه إلى العاصمة الفرنسية على تأجيل سفرهم.

وجدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجومه على اتفاق باريس للمناخ، معتبراً أن تحرّك «السترات الصفر» يثبت فشله. وكتب على «تويتر»: «اتفاق باريس لا يسير على نحو جيّد بالنسبة إلى باريس. تظاهرات وشغب في أنحاء فرنسا. الناس لا يريدون دفع مبالغ ضخمة، جزء كبير منها للدول النامية (التي تُدار في شكل يثير شكوكاً)، بهدف حماية البيئة، ربما». وأضاف في إشارة إلى المحتجين: «يغنّون نريد ترامب، أعشق فرنسا».

ودخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على خط الأزمة، معتبراً أنها أثبتت أن أوروبا «فشلت في اختبار الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات». وأضاف أن الأوروبيين «الذين أثاروا كراهية ضد المهاجرين وخوفاً من الإسلام، سقطوا في هوّة حفروها»، وتابع: «ترفض تركيا في آنٍ مشاهد الفوضى التي يسبّبها المتظاهرون، والعنف المفرط في مواجهتهم».

وتطرّق إلى تسجيلات مصوّرة ظهر فيها طلاب يركعون وأيديهم فوق رؤوسهم، بعد اعتقالهم في باريس، قائلاً بسخرية: «انظروا ماذا يفعل الشرطيون التابعون للذين كانوا ينتقدون شرطيّينا!».

وأعلنت السلطات اعتقال أكثر من 700 شخص في باريس، بعضهم عثرت معهم على أقنعة ومطارق ومقاليع وحجارة يمكن استخدامها لمهاجمة الشرطة.

وارتفعت أعمدة من دخان أسود كثيف في سماء العاصمة، فيما رشق متظاهرون ملثمون حجارة على شرطيين، وأحرقوا متاريس نصبوها، من حاويات قمامة وأشجار. وشهدت جادة الشانزيليزيه صدامات عنيفة، أطلقت خلالها الشرطة غازاً مسيلاً للدموع لتفريق متظاهرين كانوا يردّدون «ماكرون تنحَّ». وأفادت معلومات بأن المحتجين أحدثوا أضراراً فادحة في الممتلكات في الجادة، فيما تجمّع مئات المتظاهرين حول قوس النصر، وأحرق بعضهم سيارات ونهبوا متاجر.

وقال سائق شاحنة شارك في الاحتجاجات: «أنا هنا من أجل ابني وعمره 15 شهراً. لا يمكنني تركه يعيش في بلد حيث يستغلّ الفقراء». وشدد آخر على أنه يشارك في «مسيرة سلمية، لا لتحطيم الأشياء»، وتابع: «نريد المساواة وأن نعيش، لا أن نحيا بالكاد».

لكن النائب بينوا بوتيري عن حزب ماكرون، تلقى رصاصة بالبريد الجمعة، أُرفقت برسالة كُتب عليها «في المرة المقبلة، ستكون بين عينيك».

وكان رئيس الوزراء إدوار فيليب ذكر أن السلطات تسعى إلى أن تمرّ الاحتجاجات «من دون عنف، كي نستطيع مواصلة الحوار الذي بدأناه، في ظل أفضل ظروف ممكنة». والتقى فيليب الجمعة وفداً من مجموعة وصفت نفسها بأنها «معتدلة» ضمن حركة «السترات الصفر»، وحضّت المواطنين على الامتناع عن الانضمام إلى التظاهرات. وقال ناطق باسمها إن رئيس الوزراء «استمع إلينا ووعد برفع مطالبنا إلى رئيس الجمهورية. ننتظر ماكرون». وأعرب عن أمله بأن يتحدث الرئيس «إلى الشعب الفرنسي مثل أب، بحبّ واحترام، وأن يتّخذ قرارات قوية».

أما وزير الداخلية كريستوف كاستانير فتحدث عن «استعداد لردّ قوي»، وناشد المحتجين السلميين عدم الوجود في المكان ذاته مع «مثيري شغب»، وزاد: «العنف ليس وسيلة جيدة لتحصل على ما تريد. الآن وقت النقاش».

ومع اتساع الاحتجاجات، لتشمل طلاباً ومزارعين، على رغم إلغاء الزيادة المقررة في الضرائب على الوقود وإبقاء أسعار الكهرباء والغاز كما هي عام 2019، يترقّب الفرنسيون خطاباً يُرجّح أن يلقيه ماكرون هذا الأسبوع، علماً أن معلومات أفادت بأنه يعتبر أن الأزمة ناجمة من جذور عميقة، مؤكداً أن العنف لن يكون عنصراً مؤثراً في القرارات التي سيتخذها.