هل يمكن الأوروبيين تجاوز سلطة «الشرطي التجاري»؟

حميد الكفائي |

أثارت العقوبات الأمريكية على إيران مخاوف كثيرة، ليس فقط عند مناهضي السياسة الأمريكية مثل روسيا، بل بين حلفاء واشنطن في أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، وشركائها التجاريين الكبار كالهند والصين، وجعلتهم يسلكون طرقا مبتكرة لتجنبها، منها تأسيس نظام مالي جديد يغنيهم عن الاعتماد على النظام المالي الأمريكي الذي أصبح يستخدم سلاحا سياسيا ضد الدول المناهضة لواشنطن.


المشكلة ليست جديدة، فقد واجهها الاتحاد الأوروبي عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كوبا فاضطر للدفاع عن مصالحه عبر اصدار قانون عام 1996 لحماية الشركات الأوروبية من التشريعات الخارجية. وقد ساهم ذلك القانون في إقناع الولايات المتحدة بالتراجع عن فرض العقوبات الثانوية على الدول والشركات التي تتعامل مع كوبا. لكن أمريكا في ظل ترامب لن تتراجع عن عقوباتها على إيران بل هي متمسكة بها حتى تحقيق الأهداف المرسومة لها.

ويواجه الأوروبيون الآن مأزقا مماثلا، بل أعمق من السابق بكثير، مع تجدد العقوبات الامريكية على إيران إثر انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. العقوبات الأمريكية الجديدة هي الأشد والأقسى في التاريخ، لأنها ليست مفروضة على إيران فحسب بل على كل دولة أو شركة أو بنك أو شخص يتعامل معها.

لقد أربكت العقوبات الجديدة التجارة العالمية وجعلت دولا كالصين واليابان والهند والعراق تطلب مُهَلا من أجل إيجاد بدائل للواردات الإيرانية، خصوصا النفط والغاز. المشكلة التي لا حل قريبا لها هي اعتماد العالم بأسره على النظام المالي الأمريكي في تعاملاته التجارية، فلا تستطيع أي دولة، حتى لو كانت بعظمة الصين وروسيا والهند، أن تمارس نشاطها التجاري دون استخدام النظام المالي الأمريكي، وهو النظام المتماسك الوحيد الذي تعتمد عليه دول العالم أجمع، الموالية منها والمناهضة.

كان إصدار العملة الأوروبية الموحدة، اليورو، عام 1999، محاولة من الأوروبيين لإيجاد خيار نقدي آخر لهم، وربما للعالم، ليس بالضرورة بديلا للدولار، وإنما مساعدا له في حال حصول أي خلل في النظام المالي الأمريكي. وكانت الولايات المتحدة مساندة لبروز منطقة نقدية أخرى لأنها، على رغم المكاسب التي تحصل عليها من تسيدها على الوضع المالي العالمي، كانت تعاني أيضا من اعتماد العالم على عملتها ونظامها النقدي، لأنه يرفع من قيمة الدولار دون أن يكون الارتفاع نابعا من حركة الاقتصاد الأمريكي وتفاعلاته. كما إن ارتفاع قيمة الدولار مقابل عملات الشركاء التجاريين الآخرين، يضر بتنافسية الصادرات الأمريكية لأنه يرفع ثمنها في البلدان المستوردة لها ويجعل الدول تلجأ إلى بضائع وسلع بديلة. وطالما استفادت الصين من انخفاض قيمة عملتها الـ(يوان) وتمكنت من بيع بضائعها بأثمان معقولة في أمريكا وباقي دول العالم.

لكن اليورو لم تقترب بعد من تشكيل نظام مالي ونقدي محكم، يضاهي النظام الأمريكي، ناهيك أن يكون بديلا له، وبعد مرور عشرين عاما على انطلاق الاتحاد النقدي الأوروبي وحلول اليورو محل العملات الوطنية، مازال الاتحاد الأوروبي بعيدا عن إنتاج نظام مالي متماسك يمكنه أن يكون موازيا للنظام الأمريكي.

فالأسواق المالية الأوروبية مازالت ضعيفة وغير متماسكة، والاتحاد الأوروبي غير قادر على أن يضع موازنة واحدة لكل أعضائه، إذ مازالت هناك 28 موازنة كل منها تعالج ظروفا اقتصادية، مختلفة عن باقي الأعضاء، بينما الأوضاع النقدية مازالت متفاوتة بين دول الاتحاد، فاليورو ليست عملة للجميع، ومعدلات التضخم والدورات الاقتصادية في البلدان الأوروبية مازالت مختلفة، فقد تتمتع بعض الدول بنمو اقتصادي متسارع ومعدلات بطالة منخفضة، بينما تعاني دول أخرى من الكساد والبطالة، أو يسود معدل تضخم عال هنا أو منخفض هناك.

يقول خبراء أوروبيون عقدوا مؤتمرا في جامعة لايدن الهولندية في الذكرى العشرين لانطلاق الاتحاد النقدي وحضره كاتب السطور، إن النظام المالي الأوروبي لن يتماسك ليكون بديلا أو مضاهيا للنظام المالي الأمريكي إلا بعد 50 عاما، فعشرون عاما في عرف الأنظمة المالية ليست طويلة. لقد استغرق النظام المالي الأمريكي عشرات السنين كي يتكامل، ومرت الآن مئتا عام على تأسيسه، بينما النظام المالي الأوروبي مازال يحبو في العشرين.

كيف يمكن الإوروبيين إذن أن يتجنبوا العقوبات الأمريكية ضد شركاتهم ومصارفهم؟ إنهم لا يريدون أن يتخلوا عن مصالحهم في إيران، وهم مستاؤون من أن تلعب واشنطن دور «الشرطي التجاري للعالم» حسب وصف وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لامير، لكنهم غير قادرين على الخلاص من العقوبات الأمريكية، لأنهم، كباقي دول العالم، يستخدمون النظام المالي الأمريكي الذي يمنع التعامل مع إيران. وحتى إن لجأوا إلى تفعيل قانون عام 1996، فإنهم لا يستطيعون التحكم بقرارات شركاتهم غير المستعدة للعمل خارج النظام المالي الأمريكي. هناك نظام (سويفت) الأوروبي، ومقره بروكسل، وهو نظام بسيط لا يعدو عن كونه نظاما لتبادل رسائل الضمان المالي والتوثيق، وكان الأوربيون يفكرون باستخدامه كنظام بديل يمكنهم اللجوء إليه للتعامل مع إيران، لكن إدارة (سويفت) أعلنت أنها ستلتزم بالعقوبات الأمريكية ما أحرج الاتحاد الأوروبي وجعله يبحث عن بدائل. هناك الآن فكرة تتبناها فرنسا لإنشاء ما يعرف بنظام (أس بي في) أو «وسيلة الدفع الهادفة»، وتحاول ثلاث دول أوروبية (بريطانيا وألمانيا وفرنسا) وضع هذه الآلية للتعامل مع إيران، ولكن المشكلة التي تواجهها هي عدم وجود دولة مستعدة لاستضافتها لأن معظم الدول تخشى أن تطاولها العقوبات الأمريكية. مع ذلك، يأمل لامير أن تكون هذه الآلية جاهزة بحلول نهاية العام.

الأوروبيون مازالوا مختلفين ومتفرقين، فبريطانيا على وشك مغادرة الاتحاد الأوروبي، والدول الأسكندنافية ودول أوروبا الشرقية ما زالت تستخدم عملاتها الوطنية، واليونان تعاني من أزمة مالية حادة، وليس هناك سوى ألمانيا وفرنسا تتعاونان للنهوض بهذه الكتلة الاقتصادية غير المتجانسة التي يراد لها أن تكون مستقلة وقوية. بعض دول الاتحاد ساخطة من «الهيمنة الألمانية» علما أن ألمانيا أنقذت الاتحاد من تفكك محقق مرات عدة ومازالت تدفع الأموال لإنقاذ الدول الأعضاء من أزماتها المالية.

سيبقى النظام المالي العالمي أمريكيا لنصف قرن مقبل، وعلى دول العالم أن تتقبل هذه الحقيقة وتتعامل معها لأن الخيار الآخر هو العودة إلى عهود المقايضة السلعية.

* كاتب عراقي.