الحكومة الفرنسية لا ترى حلولاً «بعصا سحرية»

من شغب السترات الصفر في باريس.
باريس - «الحياة» |

يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم ممثلين عن نقابات العمال واتحادات أرباب الأعمال وجمعيات المسؤولين المحليين المنتخبين، بحثاً عن تسوية لأزمة احتجاجات حركة «السترات الصفر»، بعد يوم آخر السبت من شغب وعنف ونهب وتخريب في البلاد.


وعشية إلقاء ماكرون خطاباً موجّهاً إلى مواطنيه، لـ «احتواء التحرّك» في الشارع، حذّرت الحكومة من أن لا حلول للمشكلات «بعصا سحرية»، متحدثة عن ثلاث أزمات، تطاول الجانب «الاجتماعي» و«الديموقراطية» و«أزمة أمّة» في مواجهة «انقسامات ضخمة». وطالبت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لفرنسا.

وألغت الحكومة الأسبوع الماضي زيادة كانت مقررة في الضرائب المفروضة على الوقود، وثبّتت أسعار الطاقة، في محاولة لنزع فتيل الأزمة، لكن الاحتجاجات تحوّلت تمرداً مناهضاً لسياسات ماكرون، إذ يعتبرها منتقدوه ممالئة للأثرياء. وتكرّرت السبت مشاهد عنف وشغب وتخريب ونهب، في محيط جادة الشانزيليزيه في باريس، وكذلك صدامات في مدن كبرى، مثل بوردو وتولوز ومرسيليا ونانت. وكُتب على ألواح غطت واجهة متجر قرب الشانزيليزيه: «لن تصمد إلى ما بعد عيد الميلاد يا إيمانويل».

وعلّق مالك متجرين لبيع الأثاث في باريس على الاحتجاجات، قائلاً: «يمكنك أن تتفهّم حركة السترات الصفر، ولكن ذلك ليس مقبولاً. كل شيء محطّم. اضطُرت كل المحال إلى إغلاق أبوابها وإنفاق أموال لتأمين مداخلها».

وقال وزير المال برونو لومير: «إنها كارثة على اقتصادنا. لا بدّ أن نتوقّع تباطؤاً جديداً في النموّ الاقتصادي في نهاية العام، نتيجة الاحتجاجات». وتحدث خلال تفقده متاجر قرب محطة سان لازار في باريس، عن أزمة بوجوه ثلاثة: «أزمة اجتماعية» ترتبط بالقدرة الشرائية و«أزمة ديموقراطية» مع تمثيل سياسي غير كاف و«أزمة أمّة» في مواجهة «انقسامات ضخمة».

وأعلنت وزارة الداخلية أن 136 ألف شخص شاركوا في الاحتجاجات، مشيرة إلى اعتقال 1723 شخصاً في أنحاء فرنسا، بينهم 1220 حُبسوا قيد التحقيق.

وأطلقت السلطات الفرنسية عمليات تدقيق، مع تزايد حسابات إلكترونية مزيفة على مواقع للتواصل الاجتماعي، تستهدف تضخيم حركة «السترات الصفر». وذكر مصدر أن أجهزة الاستخبارات الفرنسية حذرة جداً في مسألة التلاعب بالمعلومات، مستدركاً أن من المبكر البتّ في صحة معلومات نشرتها صحيفة «ذي تايمز» البريطانية، أفادت بأن مئات الحسابات المزيفة التي تدعمها روسيا، تسعى إلى تضخيم تلك الحركة.

وقال مصدر في قصر الإليزيه إن ماكرون يلتقي اليوم ممثلين عن نقابات العمال واتحادات أرباب الأعمال وجمعيات المسؤولين المحليين المنتخبين. وأضاف: «يريد الرئيس جمع جميع الأطراف السياسيين والمحليين والقوى الاقتصادية والاجتماعية، في ظروف عصيبة تمرّ بها البلاد، من أجل سماع صوتها واقتراحاتها، بغية تعبئتها لتنفيذ إجراء».

وأعلن الناطق باسم الحكومة بنجامين غريفو أن ماكرون «سيُصدر إعلانات مهمة»، مستدركاً: «لن تُسوّى كل مشكلات محتجي السترات الصفر بعصا سحرية». وأضاف: «عندما تشهد هذا المستوى من الاحتجاج، واضح أننا نحتاج إلى تغيير الطريقة، لكن ذلك لا يعني أننا لن نعلن إجراءات جذرية».

وقال وزير الخارجية جان إيف لودريان إن «الرئيس سيتحدث مطلع الأسبوع، وأعتقد بأن موقفه سيكون قوياً بما فيه الكفاية لاحتواء التحرّك، أو على الأقلّ ردع» مثيري الشغب. وأضاف: «أعلم، وهذا نلاحظه في دولٍ، إلى أي مدى تبدو الديموقراطية هشّة، يمكن أن تكون عندنا على هذا النحو وأدعو إلى حوار».

وحضّ ترامب على الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لفرنسا، بعدما اعتبر أن تظاهرات «السترات الصفر» تثبت فشل اتفاق باريس للمناخ. وزاد لودريان: «أقول لدونالد ترامب، والرئيس (ماكرون) قال له أيضاً: لسنا طرفاً في النقاشات الأميركية، أتركونا نعيش حياتنا حياة أمّة. لا نضع السياسة الداخلية الأميركية في حساباتنا، ونريد أن يكون ذلك بالمثل».

جاء ذلك بعدما طالب ساسة وقياديون حزبيون الرئيس بالخروج عن صمته وإعلان موقفه في شأن الاحتجاجات، علماً أن آخر خطاب موجّه إلى الشعب كان في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وقال فيه إنه لن يذعن ويبدّل سياسته بسبب «خارجين عن القانون».

واعتبر رئيس بلدية بوردو ألان جوبيه أن على ماكرون «أن يتكلّم سريعاً ويخاطب الفرنسيات والفرنسيين بخطاب قوي». وطالب رئيس كتلة نواب الوسط جان كريستوف لاغارد الرئيس بـ «اعتذار، بعدما أهان الشعب وأذلّه وأظهر شيئاً من الازدراء حياله»، وتابع: «ليس من العار أن يرتكب المرء أخطاء».

وسيقدّم نواب يساريون اليوم مذكرة لحجب الثقة عن الحكومة، يُفترض أن تُناقَش الأربعاء أو الخميس، لكنها لا تحظى بأي فرصة لإقرارها.