مبادرة «100 مليون صحة» تُدشن خطة السيسي لـ «بناء الإنسان»

القاهرة – أحمد رحيم |

في مقر وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية تُكرر الإذاعة الداخلية على صحافيي وإداريي المؤسسة طلب التوجه إلى لجنة طبية تستضيفها الوكالة لفحص العاملين بها، وإجراء تحاليل للكشف عن الإصابة بفيروس سي والأمراض غير السارية (السكر وضغط الدم والسمنة). وأخلت إدارة الوكالة أحد طوابقها لهذا الهدف، حيث يتولى فريق طبي المهمة، وسط ترقب المفحوصين نتائج تحاليلهم.


وأمام مكتب صحة حي «حدائق القبة» في القاهرة يُكرر موظف عبر مُكبر صوت أمام المكتب الطلب من المواطنين التقدم لإجراء تلك الفحوص مجانا.

الحال في وكالة أنباء الشرق الأوسط وأمام مكتب صحة حدائق القبة، هو نفسه في كل المؤسسات الحكومية في العاصمة المصرية وكل مكاتبها الصحية وأيضا في غالبية مدارسها. مئات الفرق الطبية تضم آلاف الأطباء والممرضين والتقنيين يتولون مهمة فحص صحة المصريين، ضمن مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي للكشف عن الإصابات بفيروس سي والأمراض غير السارية، بين كل المصريين الذين تتخطى أعمارهم 18 عاما.

ومعدل انتشار فيروس «سي» في مصر هو الأعلى عالميا، لكنها باتت من الدول التي تملك أقوى برامج علاج الفيروسات الكبدية في العالم، إذ عالجت في غضون 4 سنوات نحو مليون ونصف المليون مُصاب.

وتُنظم مبادرة «100 مليون صحة» بالتعاون بين الحكومة المصرية ومنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي. وقُسمت فيها الجمهورية إلى 3 مراحل بدأت أولاها في تشرين الأول الماضي في 9 محافظات، والثانية انطلقت في مطلع كانون الأول في 11 محافظة بينها العاصمة، والأخيرة من المقرر أن تبدأ مطلع آذار (مارس) المقبل في 7 محافظات.

الحملة حسب وزارة الصحة المصرية تستهدف فحص 50 مليون مواطن، وهي حتى يوم الجمعة (7 كانون الأول/ ديسمبر الجاري) فحصت نحو 14 مليونا ونصف مليون مواطن، حسب الناطق باسم وزارة الصحة خالد مجاهد.

وأوضح مجاهد أنه تم فحص 140 ألف طالب في المدارس الثانوية في محافظات المرحلة الأولى، وسيتواصل الفحص في المرحلة الثانية، لافتا إلى أن الحملة في القاهرة تضم 1877 نقطة مسح ثابتة و857 نقطة مسح متحركة، ويعمل فيها أكثر من 6 آلاف من أعضاء الفرق الطبية.

تلك الحملة هي أكبر حملة طبية في مصر منذ أُطلق قبل عقود حملة للعلاج من مرض البلهارسيا، وهي تستهدف واحد من أكثر الأمراض انتشارا بين المصريين: «فيروس سي».

وتأتي الحملة ضمن خطط السيسي في ولايته الثانية، التي تعهد فيها بالتركيز على بناء الإنسان، إذ قال في مستهل إعادة انتخابه رئيسا لمصر في حزيران (يونيو) الماضي إن الولاية الثانية ستشهد تركيزا على قطاعي الصحة والتعليم، ضمن استراتيجية لـ «بناء الإنسان المصري».

وحسب الموقع الرسمي للمبادرة على الانترنت فإن هدفها تعزيز صحة المصريين من خلال إجراء مسح طبي لاكتشاف المصابين بفيروس (سي) بشتى أنحاء الجمهورية، وكذلك الكشف عن الأمراض غير السارية كالسكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة للحد من حدوث مضاعفات مستقبلية للمصابين بتلك الأمراض».

وذكر الموقع أن الأمراض غير المعدية هي السبب الرئيسي للوفاة في مصر، إذ تعد مسؤولة عن أكثر من 80 في المئة من إجمالي الوفيات، وتعتبر أمراض القلب، والأوعية الدموية مسؤولة عن معظم الوفيات بنسبة 46 في المئة.

ويتولى القائمون على المبادرة توجيه المصابين بفيروس «سي» إلى المراكز العلاجية المُعتمدة في مناطقهم، لتلقي العلاج بالمجان، بهدف التوصل إلى مصر خالية من فيروس سى بحلول العام 2020، كما تستهدف أيضا خفض الوفيات الناجمة عن الأمراض غير السارية. وقال عميد معهد القلب في مصر الدكتور جمال شعبان إن تلك المبادرة ستحقق أهدافا اجتماعية واقتصادية مهمة في الفترة المقبلة، لافتا إلى أن أمراض القلب تعتبر من أكثر مسببات الوفاة في مصر، فضلا عن أن علاج تلك الأمراض يُكلف موازنة الدولة وموازنة الأسر المصرية مبالغ طائلة. وأضاف: «أهمية تلك الحملة في الكشف المبكر عن تلك الأمراض وإمكانية تفادي تطورها وخطورتها. أمراض السكري وضغط الدم، يُمكن ألا يكتشفها المُصاب إلا بعد أن تكون أثرت على القلب، ومن ثم يدخل في حلقة من الأمراض، لكن الكشف المُبكر عنها عبر تلك المبادرة سيؤدي إلى تقليل أعداد مرضى القلب في السنوات المقبلة».

وأضاف شعبان أن تلك المباردة تعتبر تطبيقا عمليا لمقولة «الوقاية خير من العلاج»، مشيدا برؤية الرئيس السيسي في هذا الصدد، فمهما تكلفت تلك الحملة من مبالغ طائلة، فإنها ستوفر إنفاقا ضخما لعلاج المرضى المحتملين.

وتقوم الحكومة المصرية بالترويج للحملة عبر إعلانات تلفزيونية وفي الأثير وإعلانات الطرق، وفي الصحف والمواقع الالكترونية، فضلا عن إرسال الفرق الطبية إلى كل المؤسسات الحكومية والرسمية لفحص موظفيها. وتتعاون 14 وزارة والجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء، وهيئة الرقابة الإدارية، في تنفيذها، فضلا عن الاستعانة بقاعدة بيانات المواطنين المتاحة لدى الهيئة الوطنية للانتخابات بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستهدفين.

وقدم البنك الدولي للحكومة المصرية دعما تقنيا في تلك الحملة إلى جانب تمويل بلغ 133 مليون دولار مُخصصة لفحص المستهدفين و 129 مليون دولار أخرى لعلاج مرضى «فيروس سي».

واستدعت تلك المبادرة وما رافقها من زخم حكومي وشعبي شائعات أطلقتها قوى مناوئة للسلطات خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي، لما أظهرته من ارتفاع واضح في مستوى الرضا الشعبي، فروجت شائعات عن إلقاء النفايات الخطرة لتلك الحملة الطبية الضخمة في الشوارع، ما قد يؤدي إلى كوارث صحية.

لكن مجلس الوزراء سارع إلى نفي تلك الشائعات، وأكد أنه لا صحة على الإطلاق لإلقاء نفايات طبية خطرة تخص عمليات الفحص بشوارع أي محافظة من المحافظات على مستوى الجمهورية، موضحا أن النفايات يتم التخلص منها بطريقة آمنة طبقاً لإجراءات مكافحة العدوى وتوصيات منظمة الصحة العالمية، وكل ما يثار في هذا الشأن شائعات مغرضة تستهدف النيل من جهود الدولة في محاربة «فيروس سي». وشدد مجلس الوزراء على أن النفايات الخطرة المستخدمة في الحملة يتم التخلص منها داخل أكياس حمراء وصناديق الأمان الخاصة، التي يتم تجميعها يوميا بواسطة سيارات النفايات الخطرة التابعة لقطاع الطب الوقائي في مديرية الصحة في كل محافظة، ثم يتم إرسالها إلى شركة مختصة بالتعامل معها ومعالجتها في المحارق الخاصة بها.