«المهرجانات الشعبية» ثورة ما بعد حداثية على عالم النخبة

مهرجانات بمواضيع غير مترابطة.
القاهرة ـ عبد الكريم الحجراوي |

أدرك الغرب بعد الحرب العالمية الأولى هشاشة النموذج المعرفي المتعلق بقيم الحداثة التي ظهرت بعد انفصال المعرفة في الغرب عن السلطة الكنسية، وأصبحت مرتبطة بالإنسان والمعرفة العقلية، فبحث بعد سقوط نموذجه الحداثي عن نموذج معرفي جديد يرفض السرديات الكبرى أطلق عليه ما بعد الحداثة. ورغم ذلك؛ كما يقول أهم منظري ما بعد الحداثة؛ المصري إيهاب حسن: «»ليس ثمة ستار حديدي أو سور كسور الصين يفصل بين الحداثة وما بعد الحداثة؛ فالتاريخ يتضمن طبقات متعّدة من المعاني والتفاصيل، والثقافة تخترق الماضي والحاضر والمستقبل». وتعد ظاهرة المهرجانات الشعبية صدى لفلسفة ما بعد الحداثة رغم أننا في دول العالم الثالث لم نمر بما مر به الغرب من سياقات اجتماعية وتاريخية جعلته يتبنى تلك الفلسفة، فإننا تأثرنا بعدما أصبح العالم قرية صغيرة.


ففي أواخر القرن التاسع عشر تم عقد تميز في الغرب بين الفن الجميل أو الراقي، بين الفن الشعبي أو المنحط أو الأدنى الخاص بالعامة، وحصروا الفن الراقي في الأوبرا والمسرح، والرسم...، والفن الشعبي، خصوصاً موسيقى الرك والجاز والقصص الفولكلوري. ويذكر هنا أن مفهوم الأدب الشعبي في البلدان العربية يقصد به الفن الشعبي التراثي. فالفن الشعبي في أشهر تعريفاته لدينا هو فن مجهول المؤلف تتوارثه الأجيال ينقل عادات وتقاليد المجتمعات ويعبر عن رؤيتهم للحياة وآرائهم ومشاعرهم وعقائدهم الدينية.

بينما هو مرتبط في الغرب بأي شكل فني يستهلكه العامة. لذا يُخرج أساتذة الأدب الشعبي في العالم العربي «المهرجانات» من دائرة الأدب الشعبي. الدكتور أحمد مرسي؛ أستاذ الأدب الشعبي الشهير في جامعة القاهرة، مثلاً يؤكد ضرورة أن يدرك الناس أن هناك فرقاً بين ما هو شعبي وبين ما هو شائع، «فكل شعبي شائع، وليس كل شائع شعبي، فالغناء الشعبي دائم ومستمر ويعبر عن وجدان الناس وفلسفتهم في الحياة، ومن الضروري اهتمام الدولة والإعلام بتوضيح تلك النقطة وتسمية الأمور بتسميتها، فمن غير المقبول أن يطلق على الغناء الهابط الذي يروج إلى قيم غير نبيلة أنه شعبي».

وبذلك تخرج «المهرجانات» من دائرة الدرس في الأدب الشعبي رغم أنها نابعة من طبقات شعبية وتعبر عن همومها ومشاكلها، ورؤيتها للحياة في شكل صادق؛ سواء اختلفنا أو اتفقنا معها. ورغم ذلك لا نجد دراسة عربية واحدة سواء في علم الاجتماع أو الأدب الشعبي أو حتى الدرس الفلسفي تحاول تفكيك وتفسير سبب انتشار هذا اللون من الغناء الذي تخطى الطبقات الشعبية الفقيرة إلى طبقات أخرى. ونجده جمهوره أيضاً في الدول العربية حتى الخليجية المحافظة، يتراقصون على أنغامه الصاخبة، وأشهر المعلقين الرياضيين العرب يستعينون ببعض الكلمات التي وردت فيه في وصف بعض مجريات مباريات كرة القدم.

فالنقد الموجه إلى «المهرجانات» حيناً ينصب على موسيقاها الصاخبة وفي أكثر الأحيان على مضمونها لما بها من كلمات خارجة وتقديمها صوراً لعالم منحرف أخلاقياً تشيع فيه الجريمة والمخدرات، إلا أنه رغم ذلك لا يستطيع أن ينكر منصف أن تلك المهرجانات تتمتع بقدر من الجمال، مع الأخذ في الاعتبار أنه ليس كل ما هو جميل مفيد. وإذا كانت قيمة الفن ترجع كلية إلى اللذة التي يوفرها في تجربته، فإنه يصعب القول بأن الفن الراقي أكثر إمتاعاً من الفن الشعبي، فالمهرجانات توفر متعة ولذة لمستمعيها، وإن لم تكن توفر هذه اللذة ما كانت لتحقق هذا الذيوع. وهي كذلك تعبر عن هموم المجتمع الشعبي وسط تكلس أغاني النخبة التي تعيش في برج عاجي تسيطر عليه لوعات الغرام، ولا تتناول القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع. ومن أهم سمات الفن ما بعد الحداثي أنه يزيل الحدود الفاصلة بين ما هو نخبوي وما هو جماهيري. الفن قديماً كان حكراً على طبقة معينة تنحي ما يصدر بعيداً منها من الطبقات الشعبية.

وفي هذا الصدد يلاحظ أن الدكتور سعيد يقطين، دعا إلى تجاوز هذه الثنائية الفاصلة بين الأدبين الشعبي والرسمي قائلاً: «إذا تجاوزنا التصنيفات الثنائية للثقافة إلى عالمية وشعبية، وتعاملنا مع الثقافة باعتبارها نسقاً مركباً مع الأنساق الفرعية، فإننا سنلاحظ أن كل ما أدرج تحت مفهوم الثقافة الشعبية عندما نتأمله جيداً لا يختلف في كثير من مواصفاته ومتخيلاته عما يتجسَّد في الثقافة العالمية، فالإنسان الشعبي منتج بعض تجليات هذه الثقافة وإن لم يكن جزءاً من المؤسسة الرسمية». يقطين يقصد الأدب الشعبي بمعناه الأكاديمي العربي لا الغربي الذي يرى أن الفن في الحقبة ما بعد الحداثية متاح للجميع، ووصفه بالسطحي أو العميق ينطوي على نزوع نخبوي، وليس على حكم جمالي. فحقبة ما بعد الحداثة ترفض تراتبية الأذواق والثقافات، وهو ما دفع الفنان روبرت روشنبرغ إلى القول أن عالم الفن الشعبي هو عالم الفن المتسع، ويرى هويسينز كما ينقل عن الدكتور بدر مصطفى؛ أستاذ علم الجمال في جامعة القاهرة «أن البوب هو المرادف لأسلوب الحياة للجيل الحالي، الذي انقلب على السلطة وأراد التحرر من معايير المجتمع».

فالمهرجات متحررة من معايير المجتمع وثورة على الفن النخبوي، لذا هي مرفوضة مِن النخبة ومَن دار في فلكها في العالم العربي، بما أنها تهدد كونهم منتجي «الإبداع الحقيقي» الملائم لـ»ذائقة متطورة». ولكن تايغر س. روهولت يرى في كتابه «المفاهيم الأساسية في فلسفة الفن» والذي ترجمه عبده الريس، أن الفن الشعبي قد يكون أكثر تعقيداً مما تفترض النخبة. إذ إن بعض الأعمال الشعبية تتطلب تناولاً إيجابياً، وانتباهاً مركزاً، ومعرفة خلقية وتفسيراً، يحققه إلمام بخفايا الموسيقى كما في «الجاز» و»الهيب هوب» و»الروك»، وهي الفنون التي أوجدت «المهرجانات» في محيطنا العربي.

ومن النقد الموجه إلى «المهرجانات» هو أنها مجرد صرعة أو ظاهرة سرعان ما سيطويها النسيان، ليبقى الفن النخبوي. يقال أيضا عنها إنها لا تتحمل اختبار الزمن، ولا تتميز بقيمة ثابتة، خصوصاً أن ذائقة الفن الشعبي أكثر تغيراً من الذائقة المثقفة. وفي مصر؛ وُجه هذا النقد إلى فنانين شعبيين أمثال عبدالباسط حمودة وأحمد عدوية، ومنعت أغاني الأخير من البث عبر الإذاعة وأعتبر ما يقدمه «انحطاطاً فنياً، في هجمة تشبه ما تتعرض له «المهرجانات» الآن. لكن هذا اللون الفني صمد، ويعتبره البعض الآن أرقى من «المهرجانات»، فهل إذا ظهر لون جديد من الممكن أن يعتبر فن المهرجانات فناً أرقى منه؟! يجب ألا ننسى أن ظاهرة الأغاني الشعبية المتحررة موجودة منذ القدم، فأم كلثوم في بداية مشوارها غنَّت متماشية مع أغاني «الهنك والرنك» التي انتشرت آنذاك والتي كان فيها شيء من اللوعة الجنسية، كما في طقطوقتها «أنا الخلاعة والدلاعة مذهبي»، وكذلك أغنية محمد يونس القاضي مؤلف نشيد مصر الوطني لأمينة القباني وسيد درويش والتي تقول كلماتها: «وأنا مالي هي اللي قالتلي». لكن الرقيب وقتها استطاع أن يسيطر على هذه الأغاني ويحد من انتشارها.

ومن السمات المابعد حداثية في «المهرجانات» وتلك السمة تناولها مقال «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تكنولوجياً» للفيلسوف الألماني والتر بنيامين، تنطوي على تدمير ما يطلق عليه «هالة الفن». في «المهرجانات»؛ نجد أغاني أم كلثوم وغيرها من فناني «النخبة»، يعاد إنتاجها بصورة تفقدها هالتها وتنزعها من أبعادها التاريخية، ما يجعل خصوصية تلك الأعمال تهوي. وكذلك من السمات المابعد حداثية في «المهرجانات» التشظي، فمواضيعها غير مترابطة.

ولا شك أن الفن الجماهيري كما يرى والتر بنيامين «طاقة متحررة». لذا لا يمكن منعه كما تريد النخبة، وإن صلح هذا في الزمن الماضي في ظل وجود الرقيب، إلا أنه الآن في عصر التكنولوجيا وإزالة الحدود بين النخبوي والجماهيري، ودخول رأس المال في الفن، فمن الصعب منع انتشاره مهما حاولت المؤسسات الموسيقية الرسمية. طال الوقت أو قصر سيتم الاعتراف به، وسيكسب المعركة، كما هو دأب الصراع دوماً ما بين حديث وقديم.