تراث منطقة القابل بسلطنة عُمَان العلمي والحضاري

عصام السعيد |

صدر حديثا من منشورات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، للباحثة العمانية المتميزة «بهيه بنت سعيد بن جمعه العذوبية»، وقد تناول الكتاب الناحية السياسية والحضارية لمنطقة القابل التي تعد أحد أهم المناطق التي تقع في شرقية عمان، والتي تشكل المنطقة الممتدة من شكل أولاد عرفة ببلدة الواصل في ولاية بدية إلى قلعة الصغّير بسفالة ولاية إبراء ملتقية مع بلدان قبيلة المساكرة في الشمال وبلدان قبيلة الحبوس في الغرب، وتمتاز بتضاريس متنوعة رملية وجبلية وصحراوية وزراعية، وتضمّ عدد من القرى من أبرزها المركز الرئيسي الذي أطلقت المنطقة نسبة إليه وهي بلدة القابل وبلدان المضيرب وعز والدريز والنبأ وفلج مسعود ورياض الدمة، ومن أهم القبائل التي تقطنها قبائل الحرث بفروعها المتعددة من البراونة والسمرات والخناجرة والغيوث والمسارير والموالك والمحارمة وأولاد عرفة والرشاشدة والدغشة والصقور وعيال بو السعود وأولاد الحضري، كما تقطنها قبائل أخرى مثل الطوالع وأولاد عذوب وبني نعمان والحجريون وآل وهيبة والسعديون وبني غنيم وبني كعب والعوامر وغيرهم. وقد اختلف في سبب تسميتها بالقابل؛ ففي روايات أنّها سميت نسبة إلى فلج القابل إذ أنّه لما أقبل بجريانه سمي القابل، وربما تيمنا بالقابل في الظاهرة والتي كانت مقرا لأجداد الشيخ صالح بن عيسى الحارثي مؤسس الفلج عام 1171هـ/1758م. أو لأنها أول ما يقابلك عند الخروج من جبال الحجر الشرقي فموضعها في مكان منبسط، أو لكونها مركزا لمشيخة الحرث فيتقابل فيها الناس ويقبلون إليها، وربما لمقابلتها الجهات الأربع إذ ترى من مكان بعيد من كافة الجهات وعلى الرغم من حدودها الواضحة بين بدية والمضيبي وإبراء إلا أنّ مرجعية قبائل الحبوس وآل وهيبة والحجريين كانت تعود إلى المشيخة في القابل.


على الرغم من أنّ منطقة القابل لعبت دورا سياسيا مهما في تاريخ عمان الحديث إلا أنّ دورها الحضاري لا يقل أهمية عنه حيث كانت قبلة لعدد كبير من العلماء وتواجدت بها عدد من المدارس والمنشآت الحضارية والتي يمكن إبرازها في الآتي:

1-المدارس العلمية:

1- مدرسة الشيخ سعيد بن علي الصقري

وقد أسس هذه المدرسة الشيخ سعيد بن علي الصقري الذي ولد في إبراء في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، عاصر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي والإمام عزان بن قيس ومحمد بن سلّيم الغاربي ومحمد بن يوسف أطفيش الذي كان يطلب منه طباعة الكتب التي ألفها على نفقته ومن أهم علمائها الشيخ صالح بن علي الحارثي.

2- مدرسة الشيخ صالح بن علي الحارثي

وقد تأسست بعد عام 1871م وقد اختلف مقرها فتارة في مسجد الشيخ صالح بالقابل وتارة بالسبلة التي كانت إحدى قاعات تدريسه للعلوم الفقهية أو بالقرب من حصن البلدة وقد درس فيها شتى العلوم الشرعية كالتفسير والحديث وأصول الفقه وأصول الدين والنحو والمعاني والبيان والمنطق ومن أبرز علمائها الشيخ العلامة نورالدين السالمي والشيخ عيسى بن صالح الحارثي.

3- مدرسة العلامة نور الدين السالمي

وقد تولى الشيخ نور الدين بعد انتقاله إلى القابل عام 1890م مهمة التدريس والتأليف إلى جانب شيخه صالح بن علي ومن أهم العلوم التي كانت تدرس في مدرسته تفسير القرآن والحديث والنحو والصرف والمعاني والبيان والفقه وقد تتلمذ على يديه في القابل ما لا يقل عن خمسين عالما أبرزهم الشيخ عيسى بن صالح الحارثي والإمام سالم بن راشد الخروصي الذي تولى حكم الإمامة في عام 1913م، والإمام محمد بن عبدالله الخليلي الذي تولى حكم الإمامة في عمان عام 1920م بعد مقتل الإمام سالم بن راشد الخروصي.

4- مدرسة الشيخ عيسى بن صالح الحارثي

لم تكن لهذه المدرسة موقع محدد إلا أن أغلب حلقات التدريس تقام في مسجد الشيخ صالح الذي يقع قرب الحصن كما درست فيها شتى العلوم الفقهية والشرعية والنحوية . ومن أبرز مرتاديها الشيخ حمد بن سليمان الحارثي والشيخ محمد بن عيسى الحارثي.

2- المنشآت الحضارية:

القلاع والحصون والأبراج حيث تمتاز القابل باحتوائها على عدد كبير من التحصينات الدفاعية والآثار التاريخية والتي تبلغ 69 معلما أثريا وتاريخيا مما يشير إلى دورها العسكري البارز والذي لعبته في القرنين التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين وفيما يلي نبذه لأهم التحصينات والآثار التاريخية فيها:

1- القلاع والحصون:

1- حصن القابل: ويقع في الجزء الجنوبي الغربي من بلدة القابل بني على فترات زمنية مختلفة بدأت منذ عام 1171هـ /1758م وهي الفترة التي تم فيها تأسيس فلج القابل وبناء المسجد وانتهت في عهد الشيخ عيسى بن صالح ويعد مقر إقامة شيوخ الحرث والحصن يتكون من عدة أقسام القسم الشرقي وكان مقر إقامة الشيخ إبراهيم بن عيسى والشيخ صالح بن عيسى والقسم الأوسط والذي كان مقر إقامة الشيخ محمد بن عيسى ثم انتقل إلى أبناءه من بعده والقسم الغربي للشيخ ناصر بن عيسى وانتقل إلى أبناءه وقد أضاف إليه الشيخ أحمد بن محمد الحارثي بعض المباني والملحقات والسور في منتصف القرن العشرين.

2- قلعة الخناجرة: تقع في الجهة الغربية من سوق المضيرب تتكون من قسمين وتضم برجاً مرتفعاً بعض الشيء، بني الجدار الخارجي للقلعة على شكل أسطوانة ضخمة يصل ارتفاعها إلى خمسة عشر متراً ويوجد في القلعة عدد من العقود ممتدة ومرتبطة مع بعضها البعض ومدعومة بعمود يرتفع إلى الطابق الأول ويوجد في أعلى بوابة الطابق الأول ردهة سرية يتم الوصول إليها عن طريق بوابة ضيقة.

2- الأبراج والأسوار

تميزت القابل بوجود عدد كبير من الأبراج الدفاعية وقد اشتهرت المضيرب بها بصورة خاصة ومن أشهر الأبراج الدفاعية في القابل:

1- بيت البرج: ويقع في المضيرب والذي أسسه محمد بن عيسى الحارثي في عصر الإمام أحمد بن سعيد وأعيد ترميمه عام 1379هـ/1977م يمتاز بارتفاعه.

2- أبراج آل سعود: وتقع في الجهة الشرقية من المضيرب وهي عبارة عن برجين تتبع أولاد بو السعود الحرث أسست من الحجارة الكبيرة يقع البرج الأول الذي يطلق عليه برج البوسعود الغربي في الجانب الأيسر ويعد أكبر أبراجها حيث تصل مساحته إلى ثلاثين مترا ومحاط بسور يبلغ طوله خمسة عشر مترا وسمكه متر واحد إلا أنه تهدم بينما بقي البرج في حالة ممتازة ويوجد به مدفع لا يزال في حالة جيدة والبرج الأخر أصغر حجما ويقع في الجانب الأيمن ويطلق عليه برج البوسعود الشرقي.

3- برج جبل الدريز: وهو أعلى برج في منطقة القابل بناه سعيد بن علي البرواني في عصر السلطان فيصل بن تركي ويتكون من طابقين ويقع في غرب الدريز ويترآى للناظر من مسافة 15كم وقد بني لأغراض دفاعية من أموال قعد الفلج.

4- سور المضيرب: ويضم العديد من الأبراج الدفاعية كما به عدد من الفتحات المخصصة لإطلاق النار وعادة ما تكون عليه حراسة كبيرة فكان يصل إلى دروازة كشام، وهي بوابة محصنة وتعتبر البوابة الوحيدة المتبقية في المضيرب يمكن من خلالها التحكم في الدخول إلى المضيرب من الناحية الشمالية وتأخذ شكل برج مستطيل يوجد في أعلاه عدد من المرامي للبنادق ومرمى مخصص للمدفع كما يحتوي السقف على شرفه، إلا أن أجزاء كبيرة منه قد تهدمت في الوقت الحاضر.

5- سور الغلاجي: ويقع في الجانب الغربي من الغلاجي بناه سعيد بن جميع المسروري عام 1324هـ/ 1906م وكان يصل إلى بوابات الغلاجي التي بنيت كمداخل لقرية الغلاجي عام 1332هـ/ 1913م وقد تهدمت أجزاء كبيرة منه في الوقت الحاضر.

3- المساجد والسبل والبيوت الأثرية

كما تعددت المساجد والسبل والبيوت الأثرية في منطقة القابل ومن أهمها:

المساجد:

لقد لعبت المساجد في القابل دوراً كبيراً كمركز سياسي وتعليمي فاختلفت في زخارفها وأساليب بناءها فبني بعضها بجهود فردية بينما بني البعض الآخر بناءً على اتفاق مشترك بين عدد من الفخائذ لتخصيص موقع معين كمكان للصلاة ومن أبرز هذه المساجد:

1- مسجد الشيخ صالح: ويوجد في القابل بناه الشيخ صالح بن عيسى الحارثي سنة 1171هـ/ 1758م وكان مبني من الجص والحجارة وقد اشتهر بكونه مسجد الشيخ صالح بن علي ويمتاز بوجود رواقان وعمودان بالداخل وثلاثة أقواس كما يمتاز محرابه بوجود نقوش وكتابات وقد أرخ تاريخ بناء المسجد فيه .وقد أعيد ترميمه حديثا من قبل وزارة التراث والثقافة.

2- مسجد العلامة نور الدين السالمي: ويطلق عليه المسجد «العَلوْي» ويقع في وسط القابل قرب فلج القابل وكان مبني من الجص والحجارة إلا أنه أعيد بناءه حديثا على الطراز المعماري الحديث.

3- مسجد الحساب: ويقع في الجهة الشرقية من سوق المضيرب سمي بهذا الاسم لان الناس اعتادوا حساب حركة النجوم منه لمعرفة حصصهم من الفلج، لا يعرف تاريخ بنائه إلا أنه أعيد بنائه من قبل سليم بن هاشل الخنجري والد الشاعر جمعة والذي كان بارعا في فن العمارة عام 1319هـ/ 1901م.

4- مسجد العريق: ويقع في المضيرب بني بناءا على وصية السلطان برغش بن سعيد الذي أوصى بألف قرش لبناء مسجد ومدرسة في عمان فنفذ وصيته الشيخ عبدالله بن سليمان الحارثي الذي كان يترأس الجمعية العربية بزنجبار والذي كلف أخاه حمد العمل على تنفيذ هذه الوصية فتم ذلك عام 1344هـ/ 1926م وبني من الحجر.

5- مسجد الشريعة: ويقع بقرية الغلاجي ويمر أمامه الفلج وهو متوسط الحجم وبه عمودان وقوسان ورواقان، إضافة إلى صرح خارجي وهو مبني بالطين والحصى.

السبل:

تعد السبل واجهة نبض الحياة الاجتماعية في عمان وكلمة السبلة مشتقة من المجلس العام والتي تعد ملتقى لأفراح وأحزان الناس كما كانت مركزا لإدارة شؤون الحرب واشتهرت في منطقة القابل عدد كبير منها ومن أبرزها:

1- سبلة النغال: ومشتق اسمها من نخلة النغال بداخلها ويطلق عليها سبلة الخناجرة وسبلة الرأي لكونها مقرا لرأي ومشورة قبائل الحرث في المضيرب وتقع في السوق القديم ويرتادها جميع أهالي المضيرب.

2- سبلة المحارمة: وتقع في الجهة الغربية من سوق المضيرب وتأخذ شكل مربع وبجانبها برج وفناء بداخله سلم وغرفة ويغطي الجص أعلى النوافذ ويوجد في المدخل باب جلب من شرق أفريقيا ونقل من ميناء صور إلى المضيرب على شكل قطع متعددة عليه لوحة تذكارية منحوت عليها « في العام 1308هجري الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين» ويعلو الباب قوس فارسي مع فتحة صغيرة تسمى الكوة، أما الغرفة الرئيسية فتنقسم إلى قسمين من خلال أعمدة ضخمة وعقود فيما بني السقف من جذوع النخيل ويحتوي على تصميم هندسي، أما الدرج فيحتوي على رمل وردي ناعم وتوجد غرفة للزوار في الجانب الشمالي منها والتي يتم الدخول إليها من خلال باب يقع في وسطها.

البيوت الأثرية

كما اشتهرت المنطقة بعدد من المنازل ذات الطابع السكني العسكري وتتمثل في:

1- بيت سعيد بن محمد الطشش: بناه سعيد بن محمد المحرمي في الطرف الجنوبي من سوق المضيرب وهو مبني من الجص والحصى على النمط السكني الحربي ويتكون من ثلاثة طوابق، ويعود بنائه إلى ما قبل عام 1306هـ/ 1889م ويضم البيت ثلاثة بروج صغيرة ومستطيلة الشكل ويحتوي على فتحات خصص بعضها للتهوية والبعض الآخر للدفاع كما يحتوي على بوابة خشبية منحوتة ويمتاز الطابق الأول فيه بوجود غرفة رئيسية يوجد بها تهوية وضوء كاف يدخلان من نافذتين ويحتوي الجدار فيها على عدد من الرفوف والروازن، ويضم البيت كذلك بئر كانت تزود المنزل بالماء في حالة الحصار هذا فضلا عن غرفة سفلية كانت تستخدم كسجن.

2- بيت أولاد علي بن طالب: بناه حمود بن علي بن طالب يطل على سوق المضيرب من الجهة الشرقية وهو مكون من طابقين سكني حربي، ويحتوي على برج صغير وفناء واسع وبه مدخلين أحدهما يقود إلى منزل الرجال والأخر إلى المكان المخصص للنساء كما يضم بهو كبير مغطى بعقود مزينة بمداخل ومفتوح على عدد من الغرف كما يضم مداخل خاصة تقود إلى فرضه الفلج وتوجد به غرفة للصلاة في أعلى الفلج وحاليا حول إلى متحف أطلق عليه بيت التراث والثقافة يضم عدد كبير من الأثريات والكتب والمخطوطات.

3- بيت سعيد بن علي الدغيشي: وهو بيت سكني عسكري من طابقين، بني حوالي عام 1326هـ/ 1908م في المضيرب بناه علي بن سعيد الدغيشي، وهو مبني من الجص والحصى ويقع في الجنوب من بيت التراث والثقافة.

4- بيت سعيد بن جميع المسروري: وهو بيت سكني عسكري أوقفه صاحبه للمتعلمين قام ببناء الطابق الأرضي حوالي عام 1337هـ/ 1918م ثم قام ابنه محمد باستكمال بناء الطابق الأول عام 1349هـ/ 1930م ويمتاز المنزل بالزخارف التي تزين السقف والنوافذ.

5- بيت ريا: ويقع في الجنوب الشرقي من عز ورثته ريا بنت محمد بن سلام من زوجها الشيخ سعيد بن علي الصقري وهو عبارة عن غرفة واحدة عند مدخل الباب تتكون من طابقين مبنية من الجص والحصى حوالي عام 1276هـ/ 1860م.

6- بيت هلال بن عامر الحارثي: بناه محسن بن عامر أخ هلال بن عامر من الأموال التي كان يرسلها له من زنجبار ويتكون من طابقين بني على النمط السكني الحربي من الجص والحجارة عام 1306هـ/ 1888م في عصر السلطان فيصل بن تركي ويقع في الجهة الشرقية من عز ويتكون الطابق الأرضي من أربع غرف أحدها خارج المبنى وغرفتين وصالة في الطابق الأول ويقال بأن هذا البيت كان يرى من بدية.