جيتة: المعنى والدلالات والعلاقة بالإسلام

(الحياة)
عبد الحميد صبحي ناصف |

للدكتور السيد العراقي دراسة هامة وجادة بعنوان «الأثر الإسلامي في ديوان جيتة» تناول فيها عدة موضوعات في أربع فصول وهي: جيتة وديوان جيتة وجيتة والدين والإسلام في نحو 270 صفحة وقائمة مصادر ومراجع هامة باللغات الألمانية والعربية، ونعتقد أن هذا العمل العلمي الهام لا بد أن يعاد نشره ويوزع بصورة أوسع من ذلك. ولعلنا سنتحدث فيما يلي على موضوع هام طالما تناوله أغلب من تحدث عن جيتة وعلاقته بالإسلام، وفي الحقيقة فإن موقف جيتة من الإسلام يحتاج إلى العديد من الدراسات النقدية لفهمه واستيعابه وتحليل أبعاده.


ويبدوا أن صلة جيتة بالقرآن حفزته إلى التفكير في الإسلام وفي سيدنا محمد (ص) على نحو فريد جعل بعض الباحثين الألمان يرون أنه قد دخل مع (محمد) (ص) ودينه في علاقة وهي بالتأكيد علاقة شخصية. ويدل على تلك العلاقة أنه في عام 1772 بعد أن قرأ ترجمة «ميجرلين» لمعاني القرآن – أول ترجمة ألمانية للقرآن – وحيث وجد أنها ترجمة لا تساير روح العصر فضلاً عن عدم نزاهتها وحيادتها وكان الرد العلمي من قبل جيتة نقداً موضوعياً للترجمة في صحيفة «النقاد العلماء الفرانكفورتية» وفي ذات الوقت وكان عمره لا يتجاوز الـ13 عاماً وضع جيتة الشاعر خطة لعمل مسرحي شعري بعنوان «محمد»، وعلى الرغم من أنه لم يستطع إتمام كتابة المسرحية إلا أن الباحثون تمكنوا من استنقاذ عدة فقرات ضئيلة منها من الضياع؛ وحين شهد جيتة عام 1814 صلاة جماعة البشكيرين المسلمين في فايمار بألمانيا فكان أن شارك فيها ثم كون علاقات شخصية مع أفراد الجماعة وتبادل الهدايا مع بعضهم وسمع من بعضهم القرآن أكثر من مرة، وتوالت مظاهر اهتمام الشاعر بالإسلام وتقديره إياه، ولم ينس جيتة فُضليات النساء ممن مجدهن الإسلام ورع من أقدارهن واختصهن في قصيدة كاملة حيث تحدث عن آسيا امرأة فرعون وزليخا امرأة العزيز ومريم وعائشة وفاطمة.. وقد استوعب الشاعر في صيغتي القصيدة أسماء كل النساء اللاتي ورد ذكرهن في أحد أحاديث نبي الإسلام (ص)، ويلاحظ أن الشاعر في إشارته إلى المتزوجات منهن استعمل كلمة Gattin وهي لفظة تدل على التقدير والتبجيل وتقابل كلمة «قرينة» في العربية بدلاً من كلمة «Frau» وهي اللفظة الشائعة وتقابل كلمة «زوجة» أو «سيدة» فهو يقول عن السيدة خديجة: [وقرينة محمد أيضاً التي هيأت له الرعاية والمجد وأوصت بأن يكون طوال أيام حياتها إله واحد وزوجة واحدة] ولا ندري: من أين استمد الشاعر فكرة أن أم المؤمنين خديجة أوصت نبي الله ألا يتزوج غيرها طوال حياتها ؟ كما يلاحظ أن الشاعر جتية في حديثه عن السيدة فاطمة وصفها بعديد من الصفات الطيبة بعضها روحي وبعضها الآخر حسي كما يلي [ثم تأتي فاطمة المحبوبة الابنة والقرنية الخالية من النقائص الملائكية ذات أطهر نفس في جسمها الذهبي كالعسل] وحين تعرض جوته لبعض الملامح الشخصية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ألتفت إليها بأسلوب شاعري مهذب [ثم عائشة أحب الزوجات إلى النبي بما فيها من مرح برئ المخلصة الشجاعة ي السراء والضراء ولكنها لم تخل من مكر شأنها شأن الكثيرات.

وكما انتقل جيتة إلى موقف المهاجرين من المسلمين الذين فروا إلى الله بدينهم وتركوا في مكة أموالهم وديارهم فحباهم أخوانهم الأنصار بعرض كريم بأن يناصفوهم كل ما لديهم من خير، وهز هذا الموقف السامي إحساس الشاعر عند جيتة فوصهم بأنهم:»المهاجرون النبلاء الذين تعيشوا مراراً من عمل أيديهم بتسليم مثالي».

أيضاً نشير إلى اهتمام بأمر بعض الحيوانات المحفوظة كان لها شأن في القصص الإسلامي حيث نوه بذكرها ووصفها ضمن من يدخلون الجنة وهي: حمار المسيح، وذئب أهبان بن أوس الأسلمي؛ وقطمير كلب أهل الكهف، وهرة أبي هريرة.

ويلاحظ أنه على المستوى العلمي (الأكاديمي) مدح جيتة في المسلمين عموماً وفي علمائهم انتهاجهم مناهج علمية دقيقة تحمل قدراً كبيراً من الثقة في المادة العلمية، فقد ذكر فيهم منهج تأصيل المعلومة بذكر مصادرها أو مرجعها. كما لفت نظره أن المنهج الجدلي لعلماء المسلمين كان يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة من خلال الشك الذي يؤدي إلى اليقين. لكن هذا الشك ليس متصلباً بل أنه إنه يدفع العقل إلى الفحص والتبيين اللذين يوصلان إلى اليقين وهو الهدف الذي يجد الإنسان فيه راحة تامة.

كما لم يغب عن فطنة الشاعر جيتة وجود عدة ظواهر علمية في التراث الإسلامي فقد تبدوا سلبية من الوهلة الأولى ولكن بالبحث والدراسة تكشف عما بها من دلالات إيجابية تؤكد ثراء ذلك التراث وحيويته. وفي تعرضه لقضية «الإسلام والسيف» تناولها تناولاً عاقلاً من منطلق أن السيف قد يكون في إحدى الحالات إحدى الضرورات الملحة ومن هنا أقتبس عن أحد المستشرقين «يعقوب جوليوس» قوله «إن عقيدة الٌسلام قد دعت سكان الجزيرة العربية جميعاً إلى إتباع محمد بوصفه نبي الله ورسوله الذي كان عليه أن ينشر ويثبت دين الله الحق على الأرض بقوة السلاح بعد النذر المتوالية والوعد والوعيد في الفترات الأولى حتى يكون الإمام الأكبر والمرجع في الأمور الروحية والزعيم الأعلى في الأمور الدنيوية كذلك». ولعل هذا ما يفسر لنا السر في أن الشاعر في خطة مسرحيته التي سبق له أن وضعها عن النبي (ص) كان يريد أن يظهره في صورة قائد حربي يجد نفسه مضطراً أن يلجأ في حروبه إلى وسائل دنيوية كي يصل منها إلى أهداف طيبة»

وبالإضافة لتقدير جيتة للإسلام. تقديره للغة العربية. فقد اهتم بالعربية وآدابها سواء في ديوانه أو في غيره من أعمال وتتجلى أهم مظاهر اهتمامه بهما في عدة شواهد:

(1) اختياره ممدداً وفيراً من الكلمات العربية وتعبيراتها واستعمالها في معانيها العربية مثل: عنوان الديوان وواضح من عناوين كتب الديوان أنه نقلها عن الفارسية وكتبها لاتينية إلا أن غالبية معانيها لم تتغير عن العربية وهي كتاب: المغنى، العشق، التفكير، الحكمة، الساقي، الأمثال، الفرس، الخلد بالإضافة إلى ثلاثة كتب تحمل أسماء أشخاص هي: كتاب حافظ وكتاب تيمور وكتاب سيلكا (زليخا).

(2) اقتباسه أحد الأشكال العروضية المستمدة من الشعر العربي وإضافته إلى نظام عروض الشعر الألماني وهو ما أطلق عليه «مقطع الغزل Chazal Sarophen Form «، وواضح أيضاً أنه أخذه من الفارسية.

(3) اهتمامه بالشعر العربي والمعلقات العربية، ويبدوا أن بداية تلك الصلة لم تتأخر عن عام 1783 حيث كتب في كتب في 14 نوفمبر من نفس العام إلى صديقه «كارل فون كينبل» أنه قرأ تلك المعلقات في ترجمة إنجليزية لويليام جونس وأنه أعجب بها ويعتزم ترجمتها، وقد ثبت أنه قام بترجمة أجزاء من معلقة امرئ قيس إلى الألمانية عن ترجمة جونس الإنجليزية وفيما بين عامي 18- 1819 استطاع أن يعمق فهمه للشعر العربي عموماً وللمعلقات على وجه الخصوص حيث اختصرها بفصل مستقل في الديوان تحت عنوان «العرب» عرف فيه بالمعلقات؛ كما تحدث عن بعض الشعراء المسلمين مثل المتنبي.. وآخرون.. ولكي نقدر لجيته شجاعته في إعلان كل هذا الحشد من الأفكار الحافلة بتجليه جوهر الإسلام وتفسير حقائقه علينا أن نتذكر أن الغرب لم يكن قد تخلص – ي حينه – من آرائه السابقة غير المنصفة عن الشرق والإسلام إلا من الدراسات اللغوية وما يتصل بها.. ومن هنا تأتي أهمية دراسة السيد العراقي عن هذا الشاعر الألماني «جيتة صديق العرب».