السلطة والمجتمع والفرد في التجربة الإسلامية

(تويتر)
خالد عزب |

دأب كثيرون على دراسة التاريخ الإسلامي بوصفه تأريخاً للسلطة. من هنا نرى تاريخ الدول هو الحاكم في الكتابة التاريخية عند المسلمين، فتارة نرى الدولة الأموية وأخرى العباسية... الخ. لكننا ننسى المجتمع الذي تحكمه هذه الدول والأفراد الذين يكونون هذا المجتمع.


هذه التعمية ليست إلا محاولة لقراءة المشهد التاريخي كما رواه مؤرخو السلطة، لكن حتى هذه الروايات عبر العصور حملت في داخلها رؤى أخرى نقرأها عبر السطور أو في مضمون السطور. هذا ما يجعلني استحضر مشاهد إخضاع الجمهور للسلطة أياً كانت، فقد كان هناك من يبرر هذا، وهؤلاء هم الفقهاء العامون مع السلطة، فنرى كتابات السياسة الشرعية تتحول إلى أداة لنصيحة الملوك ورسم طرق الحكم حتى عند من اعتبرهم البعض متمردين كابن تيمية وابن القيم الجوزية، فنحن لدينا حاكم ورعية، ثنائية نراها مستمرة عبر العصور، ولا نرى من يتحدث عن واجبات الحاكم تجاه الرعية وقصور دوره تجاهها إلا على استحياء شديد.

سلطة الخضوع هنا نشأت من اضطرابات القرن الأول الهجري الذي يعده البعض العصر الذهبي للإسلام، فالصراع الذي أدى لمقتل عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب، ثم صراع الأمويين مع الزيديين العوام، كل هذا استنزف المسلمين، مما انعكس سلباً على رؤية علماء السياسة الشرعية لفكرة السلم المجتمعي، إذ صار حفظ دماء المسلمين عندهم مقدماً على كل شيء، فبات الجميع يرى أن لا فائدة من الصراع مع السلطة الحاكمة لأجل حكم عادل أو حقوق. هذا كله قاد إلى وجود مسافة بين السلطة والمجتمع والأفراد.

فهنا المجتمع بهذه المسافة يأخذ من حصة الدولة وظائف يراها ضرورية بالنسبة له، فالرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم، وظائف قام بها المجتمع بعيداً عن الدولة. هنا المجتمع يبنى مؤسسة الوقف وينمى عبر العصور آليات هذه المؤسسة، التي شيدت منشآت التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وأوجد في المقابل منشآت اقتصادية أو أراضي ذات ريع يمول عائدها دور هذه المنشآت.

لذا فنظرة هذه المجتمعات للسلطة أنها أداة للحماية والأمن بصورة أساسية، وإن كانت هذه الأداة تسبب الأذى للمجتمع حين تحاول إجباره على شيء ما، أو حين يحدث صراع بين فرقائها على نحو ما كان يحدث في القاهرة خلال العصر العثماني.

لذا فالمجتمع لم يكن يعنيه من يحكم المماليك أو العثمانيين أو الفاطميين أو السلاجقة أو غيرهم، وإن حدث صدام، كان المجتمع يحاصر مقر الحكم، أو يعزل الوالي كما حدث في مصر في العصر العثماني، بل حتى في مدينة كرشيد في مصر سجل الأهالي فساد وإليها وعزلوه.

هنا نقف عند مقولات البعض التي تصل لحد المثالية مما يخلق عالم افتراضي غير واقعي في مخيلة الكثيرين، فكما كانت الدولة فاسدة متجبرة، كان المجتمع به فساد، فنحن أمام مجتمعات بشرية بها الصالح والطالح، ونرى هذا في نقد ابن الحاج في كتابه المدخل لكل من ممارسات السلطة وفساد المجتمع، وكذلك السبكي، معيد النعم ومبيد النقم، وغيرهم كثيرون، أي أنه كان هناك من يراجع الجميع ليقيم العدل والمساواة اللذين هما الهدف الأسمى للإسلام.