سؤال التَّجديد في الأفق المعاصر

محمَّد حلمي عبدالوهَّاب |

تعود المقولة الشَّهيرة: «إصلاحُ الإسلام يعني: نهايةَ الإسلام»، إلى اللورد كرومر (1841- 1917)؛ القنصل البريطاني العام في مصر، حيث أطلقها خلال العام 1880م. لكنَّ المنافحين الإيديولوجيين عن الإسلام- شأنَهم في ذلك شأن الإسلاميين التَّقليديين في العالم الإسلاميِّ أو في الغرب على حدٍّ سواء - سوف يعلنون لا ريب اتّفاقهم مع هذه الـمقولة؛ لأنَّ الإسلام بالنِّسبة لهم- ولأغلبية المسلمين في ما يؤكِّد لؤي المدهون- يعدُّ دينًا كاملًا، لا يحتاج إلى الإصْلاح والتَّجديد.


ضمن هذا السّياق؛ تتفاوت الرُّؤى المتعلِّقة بمن يقوم بمهمَّة الإصلاح والتَّجديد: هل هم القادةُ الدِّينيون الذين يتعيَّن عليهم النُّهوض بهذا الإصلاح من أجل إنقاذ الدِّين؟- كما يعبِّر عن هذا الاتجاه رضوان السَّيد عندما يتحدَّث عن «صوْن الدِّين في أزمنة التَّغيير»، مُعوِّلا في ذلك على الأزهر وشيخه بصفة خاصة من أجل النُّهوض بأعباء الإصلاح والتَّجديد. وبحسبه؛ فإنَّ الخلاص من رُهاب الإسلام السِّياسي وأوهامه، يكون من خلال الإدارة الصَّالحة للشَّأن العام، واستعادة المؤسَّسات الدِّينية للمرجعية في الشَّأن الدِّيني لإنجاز المهمَّات التي لا يستطيع القيام به غيرُها؛ وهي: التَّقليد المتجدِّد والمنفتح، والتَّعليم الدِّيني، والفتوى، والإرشاد العام- أم هم القادة السِّياسيون وصُنَّاع القرار؟! وهل يقتصر أمر الإصلاح والتَّجديد على رموز المؤسَّسات الدِّينية فقط؛ بحكم أنَّهم المعنيون بهذا الأمر؛ فضلا عن أنَّهم أهل الخبرة والعلم؟ أم أنه يحتاج إلى تضافُر رُؤى مختلفة من حيث المرجعيات الفكرية بحكم أنَّ أمر الإصلاح اليوم أصبح في حكم أولويّة الأولويّات؟!

يكاد يتَّفق الجميع إذن على مُبرِّرات وضرُورات الإصلاح والتَّجديد؛ لكنهم رغم ذلك يتفاوتون- تبعًا لاختلاف المرجعيات الدِّينية والسِّياسية والفكرية- فيما يتعلَّق بأمرين رئيسين: أولهما: مَنْ يقوم بمهمَّة الإصلاح والتَّجديد؟! ثانيهما: ما هي طبيعة المجالات، أو الحقول المعرفية، التي من المقرَّر أن تطالها عملياتُ الإصلاح والتَّجديد؟! وفي الواقع يستمدُّ الإصلاحُ الدّينيُّ مشروعيّته التَّاريخية من إمكانية قطْعِه الطَّريق على مخاطر النّهايات المأساوية التي أَفْضَتْ- ضِمْنَ ما أفْضَتْ- إلى خلْق جماعات داعش وما يشابهها، ومن ثمَّ تكييفُ الإسلام مع رُوح العصْر، وإعْلاء القيم الإنسانية الكونية المشتركة، والاتفاق بشأن مجموعة من المعايير والقيم والضَّوابط الأساسية لفقه تدبير الاختلاف ومبادئ العيْش الـمشترك في العالـم المعولَم، الذي تتشابك فيه مصائر البشرية: وجودًا وعدمًا، إلى درجة أنَّ سؤال الحكومة الإقليمية، والحكومة العالمية، أو «الكونفدرالية العالـمية» - كما يسميها الفيلسوف والأنتروبولوجي ادغار موران (1921- ) Edgar Morin - أصبح اليوم سؤالا مشروعا لمواجهة تحديات يتوقَّف على رفعها بقاءُ الـحضارة؛ بل وربما بقاء النَّوع البشريِّ نفسه! وما بين دعاوى اختطاف الإسلام من جانب، والدَّعوة إلى الإصلاح الدِّيني من جانب آخر، يكاد يغيب سؤال المسؤولية عن مجمل النِّقاشات الفكرية التي تتناول هذا الموضوع، أو ذاك بحيث يتراوح الحديث ما بين: الدَّعوة إلى التَّجديد، والدَّعوة إلى القطيعة الـمعرفية مع التُّراث الدّيني كليَّة. وما بين الدَّعوة للانتقال من اللامعقول الدّيني إلى المعقول الدِّيني من جهة، وبين وسم الدِّين كلية بالخرافة أو العقل المستقيل من جهة أخرى، تتعثَّر محاولات الإصلاح والتَّجديد بحيث تذهب الجهود المبذولة سدى، لتدور في حلقة مفرغة من دون أن تخلّف نتيجة تُذكر؛ بل على العكس من ذلك تزداد حدَّة الردَّات الفكرية جيلاً بعد جيل بحيث تبدو مقولات روَّاد الإصلاح والتَّجديد؛ كجمال الدّين الأفغاني ومحمَّد عبده- نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين - أكثر حداثة مما عليه مقولات المتصدّرين للإفتاء والتفكير الآن!

من أين تبدأ مسيرة الإصلاح والتَّجديد إذن؟! يبدأ الإصلاح- أولاً وأخيراً- من إصلاح مناهج التَّعليم الدّيني التي لا تزال تنطوي على خطابات ومقولات: التَّكفير والإقصاء، والعنف الرَّمزي، والنَّظرة الدُّونية لكلّ مُخالف في: النوع، والدّين، والعِرْق. ويكفي أن يراجع المرء أبواب: الجهاد، والردَّة، والـجزية، وقتل تارك الصلاة، ووصف المخالفين للأشاعرة والماتريدية- بوصفهم الممثِّلين الوحيدين لأهل السنَّة والجماعة- بالضَّلال ...إلخ؛ ليُدرك ذلك الفِصَام النَّكد الذي يسود تلك المناهج، ويُباعد في ما بينها وبين روح العصر الحديث. فكثير من مقرَّرات التَّعليم الدّيني مشحونة بالـجدل وإثارة الأحقاد، وإقناع الدارسين بأنَّهم أصبحوا حرَّاسا وبوّابين للجنة!

في القاهرة اجتمع ما يقرب من ست مئة عالـم، وباحث، وفقيه، ورجال دول ودين، برئاسة شيخ الأزهر- رئيس مجلس حكماء المسلمين- لحضور مؤتمر: الحرية والمواطنة.. التنوُّع والتَّكامل، والذي عُقد في الفترة من 28 شباط (فبراير) إلى 1 آذار (مارس) 2017، بمشاركة أكثر من خمسين دولة. وفي كلمته- التي اتَّسمتْ بغلبة الطَّابع الدِّفاعي- قال شيخ الأزهر: «إنَّ المتأمِّل المنصف في ظاهرة الإسلاموفوبيا لا تُخطئُ عيناهُ هذه التَّفرقة اللامنطقية؛ أو هذا الكيلَ بمِكْيَالَين، بين المحاكمة العالمية للإسلام من جانب، وللمسيحية واليهودية من جانب آخر، رُغم اشتراك الكلِّ في عريضةِ اتّهام واحدة وقضيةٍ واحدة؛ هي قضية العنف والإرهاب الدِّيني. فبينما مرَّ التطرُّف المسيحي واليهودي برْدًا وسلامًا على الغرب دون أن تُدنَّس صورةُ هذين الدِّينيْن الالهييْن؛ إذا بشقيقهما الثالث يُحْبَسُ وحدَهُ في قفص الاتهام، وتجري إدانتُه وتشويه صورتهِ حتَّى هذه اللحظة. نعم! لقد مرَّتْ بسلامٍ أبشعُ صور العنف المسيحيّ واليهوديّ في فصْلٍ تامٍ بين الدّين والإرهاب؛ ومنها على سبيل المثال: اعتداءات مايكل براي بالمتفجّرات على مصحَّات الإجهاض، وتفجير في تيموثي ماكْفي للمبنى الحكومي بأوكلاهوما، وديفيد كوريش، وما تسبَّب عن بيانه الدّيني من أحداث في ولاية تكساس، دعْ عنك الصِّراع الدّيني في أيرلندة الشَّمالية، وتورُّط بعض الـمؤسَّسات الدّينية في إبادة واغتصاب ما يزيد على مئتي وخمسين ألفًا من مسلمي ومسلمات البوسنة».

وللأسف الشَّديد؛ فإنَّ الاكتفاء بالتَّخندُق في خانة ردُود الأفعال، لا الأفعال الأصيلة، يقف بالأمور عند حدِّها الأدنى، ويحول - في الوقت نفسه - دون الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى الفعل الأصيل. وهكذا يواجهة الأزهر خاصة - والـمؤسَّسات الدّينية عامَّة - تحدّيًا مزدوجًا، أو معركة مفتوحة على جبهتين: فالـمتشدِّدون والتَّكفيريون يتهمونه بالعلْمَنَة ومولاة السلطة التي تحكم بغير ما أنزل اللّه. والعلمانيون يتهمونه بالتَّكفير، وإقصاء الآخر، ويتذرَّعون برفض شيخ الأزهر تكفيرَ داعش... إلخ!

وفي المحصلة؛ فإنَّ ما يحتاجه الأزهر بصورة ملحّة اليوم- وكذلك المؤسَّسات الإسلامية الكبرى في المجالين: السنِّي والشِّيعي على حد سواء-؛ هو أن يأخذ بزمام المبادرة للقيام بعملية تنقية وتنقيح وإصلاح موسَّعة لكلِّ مناهج التَّعليم الدّيني، والانفتاح على الخطابات الفكرية الأخرى؛ بُغية تعظيم الإفادة من وجهات النَّظر الخارجية، ودراسة الإسلام بجوانبه المُختلفة: تاريخًا وثقافة وحضارة، تشريعًا وقانونًا وعقيدة، من زاوية علوم ومناهج البحث التَّاريخي واللساني، والانتقال من القراءة الحرفية النَّصية إلى قراءات أكثر عمقًا وملاءمةً لروح الأديان.

لكنَّ الرَّهان على إصلاح مؤسَّسات المجال الدّيني من الدَّاخل يبدو للبعض رهانًا خاسرًا؛ خاصة أولئك الذين يعوِّلون على إكْراهات الإصلاح الدِّيني بضغط من صنَّاع القرار السِّياسي، على الرغم من أنَّ التَّجربة التَّاريخية تفيد أنَّ إصلاحًا كهذا يظلُّ خاضعًا في المقام الأول والأخير لمزاج وسلطة الحاكم، بحيث يبقى رهينًا لحسابات الرِّبح والخسارة السِّياسية؛ وليس استجابة واعية لدواعٍ فكرية، أو انعكاسًا لخيارات استراتيجية بعيدة المدى. والحال، أنَّ مردَّ تلك القناعة - لدى المعوِّلين على الإصلاح الدِّيني استجابة لقرار سياسي- إنما تعود إلى مقارنة الأوضاع ما بين التَّجربتين: العربية الإسلامية من جهة، وتجربة الإصلاح الدِّيني إبَّان عصر النَّهضة الأوربية من جهة أخرى، من دون أن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الفروق الكائنة بين التَّجربتين: نشأةً وسيرورةً، مصائِرَ ومآلًا.

على أنَّ ضرورة الالتفات إلى جانب الخصوصية في التجربة العربية الإسلامية يجب ألا تُستخدم بوصفها مُدعاة للتهرُّب من نداءات الإصلاح والتّجديد؛ على نحو ما يتمّ التذرُّع بذلك في المجالين: الدِّيني والسِّياسي على حدٍّ سواء؛ وإنَّما نروم من وراء ذلك التَّأكيد على أنَّ عدم مراعاة تلك الفوارق من شأنه أن يؤثِّر سلبًا في المقابل على نتائج تلك المحاولات، ممَّا يعني مزيدًا من الجهود المبذولة من دون أن تحقِّق شيئًا يُذكَر!