فقاعة الصابون

ساعد الثبيتي |

تجذبنا عادة الأشياء التي تظهر بسرعة في حياتنا وتلفت الأنظار، وقد تصل بنا أحياناً إلى درجة الإبهار، مع قناعتنا بأنها عديمة الفائدة وسريعة التلاشي، وهو ما يعرف بـ «البريق اللحظي»، وهذا البريق ليس إلا فقاعة صابون احتضنت كمية من الهواء الذي لن يبقى طويلاً داخل هذا الغشاء الرقيق.


الحديث عن فقاعة الصابون يشبه إلى حد كبير الحديث عن النجومية الزائفة التي أفرزتها اليوم مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها، فالتسويق الوهمي لأشخاص تصدروا مشهد النجومية بمواقف سطحية وسلوكيات غير مألوفة، ساعدهم في الانتشار حتى أصبحوا في عداد المؤثرين في المجتمعات على رغم غياب الإنجاز الحقيقي.

النجومية بمفهومها الصحيح أن يكون الإنسان متميزاً في مجال معين، وله من الإنجازات الحقيقية ما يدفع به إلى تجاوز الحدود الجغرافية ويحقق الانتشار ويتعدى المكان والزمان، ويكوّن قاعدة جماهيرية من المهتمين بإنجازاته الذين يجدون فيها شيئاً مختلفاً، أما النجومية الزائفة فهي ليست إلا فقاعة صابون تختفي بمجرد ملامستها جسماً صلباً.

لا شك أن الأداء المختلف والفكر النوعي يجعلان الإنسان متفرداً عن غيره في الحياة، ومتفوقاً على الآخرين في أداء مهماته وواجباته الوظيفية والاجتماعية، ومن أبرز المشكلات التي تواجه المجتمعات العربية الخلط بين المفاهيم والمصطلحات، فهناك من لا يفرق بين التميّز والنجومية، في وقت أصبح التميّز يقاس بالحضور والانتشار، من دون أي اعتبار للمتميزين الحقيقيين الذين يضيفون للحياة بأدائهم المختلف وفكرهم النوعي، بعكس المشاهير الذين صنعتهم الأضواء وتصدروا المشهد إما عن طريق الصدفة أو عن طريق مواقف وسلوكيات يومية أقل ما يقال عنها إنها غير مألوفة.

العقول المبدعة والمتميزة في مجتمعاتنا العربية لا تجد البيئة المحفزة التي تشجعها على التميز والإبداع، فالتميز شجرة لا يمكن أن تنبت إلا في الأجواء الملائمة، وأكثر ما يواجه المتميزون والمبدعون ويعيقهم عن التقدم في مجالاتهم ثقافة الإحباط، وعندما نتحدث عن الإحباط فليس هناك أكثر إحباطاً مما يحدث اليوم من تصدير للنجوم وتجاهل للمتميزين والمبدعين، فالبيئة المجتمعية المحبطة للمتميزين هي البيئة نفسها التي أسهمت في صناعة النجومية لأشخاص ألقتهم الأضواء في طريق الشهرة، وطارت بهم الركبان حتى أصبحوا أعلاماً يشار إليها على رغم سطحية منتجهم وانعدام القيمة المضافة لهم في المجتمع.

من عهدة الراوي:

من المفاهيم الخاطئة عن التميز في مجتمعاتنا ما يعتقده بعض المهووسين بالأرقام المتميزة الذين يرون أن تاريخ الميلاد أو رقم الهاتف النقال أو لوحة السيارة هي من تضفي التميز على الشخصية، والحقيقة أن هذه الأرقام لا يمكن أن تصنع شخصية مختلفة، أو تجعل من الشخص متميزاً، فالتميز الحقيقي أن تكون مختلفاً في فكرك وأدائك وشخصيتك، وأن تكون قيمة مضافة في المجتمع، أما التاريخ الوحيد الذي إن استطعت أن تجعله متميزاً فهو تاريخ وفاتك لكي لا ينساك الآخرون، فالواقع يشير إلى أن الذين يموتون ليلة العيد أو في أول يوم من العام أو الشهر هم الذين يتذكرهم أصدقاؤهم كلما مر بهم هذا التاريخ، فاحرص على أن تكون متميزاً في تاريخ وفاتك إن استطعت إلى ذلك سبيلاً.