ماجي أنور: الشغف يأخذني لعوالم وقوالب فنية عدة

ماجي أنور.
القاهرة – منى ياسين |

ماجي أنور مخرجة شابة لامعة في مجال الأفلام الوثائقية، والحديث عنها غير تقليدي فهي لم تتجاوز التاسعة والعشرين من العمر ومع ذلك تحمل على كتفيها سنوات خبرة تتجاوز نصف عمرها. لا يعرفها الكثيرون خارج الوسط الفني ومع ذلك تنساب بين حكاياها عن أعمالها أسماء عظماء الفن الذين أخرجت لهم أو عنهم. بينهم فاتن حمامة، وجميل راتب، ودريد لحام، وفريدة فهمي، وأنطوان زند وآخرين من علامات الفن عرفتهم عن قرب وأنجزت لهم، وهم بعد على قيد الحياة، أفلاماً هي أروع تكريم وتأريخ لمسيراتهم الفنية. لأفلامها روح خاصة يشبهها البعض بأفلام روبرتو روسيليني. وتمتلك رؤية مختلفة، إذ ترفض أن تعرض أفلامها في المسابقات، تمول أفلامها حتى آخر أموال تملكها، وتسعى وراء أبطالها وسط الانفجارات والقنابل، تعشق التوثيق لكنها لاتؤمن بالتصنيف وخطوتها التالية فيلم موسيقي مع المنتج الإيطالي نيكولاس غوندا.


منتجة في عمر 16 سنة

ولدت ماجي في مدينة المنصورة (دلتا مصر) أواخر ثمانينات القرن الماضي. وتلقت تعليمها في إحدى مدارسها الراقية تعليمها الذي أهلها وهي بعد ابنة 16 عاماً لدخول الجامعة وقبل ذلك أوقظ فيها شغفاً لاينطفئ بالفن السينمائي. في رحلتها لإرواء هذا الشغف أقبلت إنجي على كتابة المراجعات النقدية الفنية للأفلام ولاسيما الأجنبية. لفتت كتابتها الانتباه وحركت فيها الرغبة في إنجاز فيلم من بنات أفكارها وبالفعل أخرجت أول فيلم لها بعنوان «البواب صديقي» كانت فيه الكاتبة والمصورة والمخرجة وأيضاً المنتجة. لم ترض كثيراً عن أول تجاربها الذي يحكي عن الطبقية والتوافق والعادات المتجذرة في النفوس وفي المجتمع. لكنها جاءت تجربة ملهمة على صعيد تحديد طريقها في مجال الفن والمباديء التي ستمضي عليها في مقتبل أيامها.

لا «للسبوبة» في الفن

كانت أول المبادئ التي ترسخت في نفسها هي لا للارتزاق على حساب الفن أو ما يسمونه في الوسط الفني السبوبة. ولكي تلتزم بهذا المبدأ كان لابد لها من تأمين مصدر دخل وهي ابنة الثامنة عشرعن طريق العمل في التسويق للأعمال الأجنبية في السوق المصرية إلى جانب عملها كمخرجة ومنتجة منفذة وموزعة عبر إحدى الشركات الإقليمية العاملة في المجال. وفي الوقت نفسه طاردها حلم جديد هو تنظيم مهرجانات فنية وورش عمل للأطفال والسيدات يتعلمون فيها تذوق الفن لا كمتلقين فحسب بل كمحكمين أيضاً. من المغرب إلى المملكة العربية السعودية نظمت مهرجانات وورش عمل بل وأخرجت أول مسرحية نسائية في المملكة لقيت نجاحاً ملحوظاً كما أخرجت فيلماً وثائقياً عن صحراء أم الدود بمناسبة اختيار المدينة المنورة عاصمة للثقافة وقتها. ألهمها هذا النجاح فكرة تنظيم مهرجان للأفلام الوثائقية وظلت قابعة إلى أن تبلورت في شكل جديد.

الفاتنة صديقتي

لم يدر بخلد الفنانة الصغيرة حينها أن حلم إقامة مهرجان للأفلام الوثائقية يمكن أن يدلف من أوسع بوابة يمكن لفنان أن يحلم بها؛ بوابة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة. بدأ الأمر باتصال تليفوني بالفنانة الكبيرة واقتراح بإقامة مهرجان على اسمها في مدينة المنصورة مسقط رأسها. يعرف كل من تعامل مع السيدة فاتن حمامة أنها شديدة الحذر في التقاء من لا تعرف من الناس وأشد حذراً حين يتعلق الأمر بتاريخها الفني. ولكن يبدو أن شيئاً ما في صوت ماجي وطريقة طرحها للاقتراح لقي قبولاً عند الفنانة الكبيرة فإذا بها تحدد لها موعداً وتدعوها إلى بيتها وتستمع إلى أفكارها وترى نماذج من أعمالها لتختتم كل ذلك بموافقة ممهورة بشهادة لا تنسى: «أنت مجنونة فن لكنك شاطرة وتذكريني بنفسي». لم تكتف سيدة الشاشة بالتشجيع المعنوي فطلبت تسجيل رسالة للجمهورتعرض في افتتاح المهرجان. وتم التسجيل مشفوعاً بتحذير واضح: «ستواجهك مصاعب ومحاولات لعرقلتك ومنعك من الاستمرار فلا تستسلمي».

المفاجأة أن أكبر هذه المصاعب جاءت من السيدة فاتن حمامة نفسها. فقد اسلمت الروح بعد أيام قلائل من تسجيل الرسالة الصوتية.

«لم تعد فاتن حمامة بالنسبة لي مجرد فنانة كبيرة أعد مهرجاناً باسمها، أصبحت صديقتي وملهمتي وأحد أسباب استمراري. ومن هنا مثل رحيلها صدمة قوية لم أتعاف منها سنةً كاملة. أما ما أبقاني أعمل على المهرجان فهو شعوري بالتزام خاص نحوها. كنت أريدها أن تفخر بي وساعدني زوجها الدكتور محمد عبد الوهاب كثيراً».

تقول ماجي وهي تتذكر رحلة تحول الرسالة الصوتية قليلة الكلمات إلى فيلم وثائقي عن الفنانة الراحلة تسابقت جموع الفنانين الكبار على المشاركة فيه ليخرج الفيلم باسم «الفاتنة» ويصير أيقونة المهرجان ويعرض في مهرجانات دولية بينها «كان» وفي بلدان أوروبية عدة بينها السويد ويكون بداية سلسلة أعمال تأريخ وتوثيق وتكريم لكبار الفنانين تحمل عنوان «كلاسيكيات» يشاركها فيها الإنتاج الفنان هشام سليم الذي أخذ على عاتقه مهمة مساندة حلمها.

جميل راتب : نذاكر معاً

حين فكرت ماجي أنور في خطوتها التالية داعب خيالها فيلم عن الفنان الكبير جميل راتب. وعندما عرضت عليه الأمر وافق مرحباً وكان شرطه الوحيد أن يذاكرا معاً «ناقشنا كثيراً وأطلعني على الكثير من الأسرار والصور واكتمل الفيلم وعرض في دار الأوبرا المصرية حيث تم تكريم الفنان الكبير وحقق الفيلم تأثيراً قوياً».

الإشادات التي حصدها فيلما الفاتنة والجميل لفتت انتباه فنانين كبار لكنها فتحت شهية ماجي للمزيد، فحدثت الفنان هشام سليم عن فكرة فيلم عن الفنان السوري دريد لحام وتمت الاتصالات اللازمة وسافرت إلى سوريا في وسط أجواء الحرب ودوي القنابل. «كانت القنابل تدوي وأنا أهاتف هشام سليم عبر الهاتف وهو يصرخ عودي يا مجنونة. رغم الظروف غير المواتية تم التصوير بنجاح واستضافتني الفنانة سلاف الفواخرجي وقامت بالتعليق على الفيلم وفكرت في السفر مباشرة إلى لبنان ولقاء السيدة فيروز لكن الظروف حالات دون ذلك».

تعود ماجي أنور بالذاكرة إلى يوم عرض فيلم دريد لحام في مهرجان الإسكندرية السينمائي والضغط العصبي والنفسي الذي واجهته في انتظار معرفة رد فعل الجمهور الغفير الذي حضر لمشاهدة الفيلم. «رفض الفنان دريد لحام رؤية الفيلم قبل أن يراه الجمهور وكان هذا الأمر مقلقاً لي لأبعد الحدود. جلست في القاعة بجواره هو وزوجته السيدة هالة ويدي كالثلج من الخوف والتوتر. كلما نظرت في اتجاه وقعت عيناي على وجه أحد كبراء الفن مثل سميحة أيوب أو المخرج محمد عبد العزيز، أو الناقدة ماجدة موريس أزددت رعباً حتى انتهى الفيلم وارتفع التصفيق وسمعت لحام يقول: أحببت حالي في الفيلم أكثر من حالي في الواقع».

أنطوان زند والمافيولا

كان لماجي أنور حلم آخر هو تأسيس متحف للفن السينمائي على غرار مدينة السينما في إيطاليا. وحين اختارت أقدم موزعي الأفلام في مصر أنطوان زند بطلاً لفيلمها الوثائقي التالي لم تكن تعرف أن الفيلم سينتهي وقد تحقق جزء من حلمها، إذ أهداها زند أول مافيولا (آلة عرض) استخدمت في الاستديوهات المصرية لأكثر من خمسين سنة، وبدورها أهدتها لمتحف السينما في مصر.