غنام غنام: أعيش في التراث وأبحث فيه عن هويتي

من أعمال غنام غنام.
القاهرة - عبدالكريم الحجراوي |

غنام غنّام؛ المولود في كفر عانة؛ قضاء يافا، في فلسطين، نزح مع أسرته إلى جرش في الأردن وهو بعمر 12 عاماً. ألَّف أخرج ومثّل العشرات من المسرحيات، وكتب القصة القصيرة، بالإضافة إلى كتابته وتمثيله في الكثير من الأعمال التلفزيونية. هو مسؤول النشر والإعلام في الهيئة العربية للمسرح في الشارقة، وعضو مؤسس في فرقة «المسرح الحر» ورابطة «مسرح بلا حدود». حاز العشرات من الجوائز في الإخراج والتأليف المسرحي، وهو مهموم بقضايا الإنسان والهوية الفلسطينية في إبداعه. يقول: «الناس تسألني: هل أنت فلسطيني أم أردني؟ نكتب على عروضك أردنية أم فلسطينية؟ فأجيبهم: إن لم تسألوني كان أفضل، وطالما سألتم فيجب أن أقول لكم إن عروضي هي في إطار مسرح القضية الفلسطينية».


هنا حوار أجرته «الحياة» مع غنام على هامش زيارة للقاهرة:

> دخلت عالم الإبداع من أبواب شتى؛ الشعر، المسرح والقصة القصيرة والدراما ودراسات نقدية وإخراج وتمثيل، فكيف جمعت بين هذه الفنون؟

- ربما يكون سبب ذلك هو الرغبة في إخراج كل ما بداخلي، ولا يناسبه أن يخرج في لون فني واحد، ففي شبابي كنت معروفاً بوصفي شاعراً، واكتشفت ذات يوم أن لغتي الشعرية تعجز عن التعبير عما يدور في نفسي، فاتجهت إلى القصة القصيرة. أغرمت بالقصة القصيرة بسبب غسان كنفاني، فقد كنت أعتبره الكاتب المثالي، وهويت التمثيل مذ كنت طفلاً. حاولتُ أن أخرج من كتابة الاسكتشات التي كنت أكتبها وأنا طالب وأقدمها في مراكز الشباب، ولم أستطع دراسة المسرح وإنما دخلت كلية مساحة الأراضي الخاصة بوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وذلك بسبب حالة الفقر التي كنا نعاني منها. في هذه الكلية التقيتُ مسرحياً كبيراً هو محمود غريب الذي كان يعمل في مسار يافا في غزة ما قبل 48، و67 في الأردن، وكان له دور كبير في توجيهي فشكلتُ فرقة للهواة مرخَّصة وأخذتُ أكتب النصوص المسرحية، وهناك قويت قدرتي في الأداء والإخراج. مسألة الكتابة البحثية لم تكن خياراً بالنسبة لي ولا إجباراً، لكني دخلتُها مِن باب الإبداع، وأرى الآن أن التشظي في الكتابة هو انعاكس للواقع الذي عشتُه.

> لكن لماذا فضَّلتَ مجال المسرح على الألوان الأدبية الأخرى؟

- وجدتُ النصَّ المسرحي أكثر رحابة من الألوان الأدبية التي كنت أمارسها. تكمن هذا الرحابة في خلق الأجواء المتعددة، فالقصة القصيرة محدودة في زمنها وأشخاصها، بينما المسرح عالمه مفتوح وأرحب لذا استهواني، مع أني كنت من أوائل مَن كتبوا «القصة القصيرة جداً»، إلا أن المسرح أصبح هو سمائي التي أحلق فيها.

> وماذا عن المزاوجة بين الإخراج والتمثيل؟

- كنتُ أخوضها بحسابات دقيقة. كثيرة هي الأعمال التي أخرجتها ولم أمثل فيها، والأعمال التي أخرجتها وليست من تأليفي قليلة. ولأني أبحث عن مضامين وأشكال جديدة في المسرح كنت أفصل نصوصي. ورغم ذلك كتبتُ نصوصاً كثيرة وأخرجها آخرون. أنا أفصل بين غنام المخرج، وغنام الكاتب، فلكل منهما أدواته، وأتعامل مع نصوصي بالقسوة نفسها التي أتعامل بها مع نصوص غيري، ولكن أحافظ في الوقت نفسه على مضامينها، لأن هذه أمانة.

> هل عملك إدارياً في الهيئة العربية للمسرح يتنافى مع الإبداع؟

- مِن نافل القول أن أقول لك أن الجانب الإداري ليس اختياراً، فأنا أشكر كل الحكومات التي رفضت توظيفي، فمنذ 79 وحتى عام 1990 مُنعتُ من السفر ولم أكن أملك بطاقة هوية، فحرمتُ من حلم أن أكون موظفاً، لذا كنتُ حراً في عملي، وهذا أعطاني نوعاً من الاستقلال. الوظيفة الحالية أشغلها منذ خمس سنوات، في إطار مشروع يحقق أماني المسرحيين العرب أطلقه حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي. وهو لو استثمر الأموال المنفقة في هذا المشروع في البنايات والأسواق لربح أكثر مادياً، لكنه يسعى لبناء الإنسان مؤمناً بضرورة المسرح ما بقيت الحياة.

> ماذا يمثل مشروع «الهيئة العربية للمسرح» لك؟

- عندما أطلق المشروع في العام 2008 كنتُ واحداً ممَّن شاركوا في صوغه، وفي 2011 كان عليَّ أن أنتصر إدارياً لهذا الحلم. كنت في وضع فني مريح في الأردن، ولكني قبلت بهذه الوظيفة غير التقليدية، وفي 10 سنوات أنجزت الهيئة الكثير، مع أمينها العام الفنان إسماعيل عبدالله.

> يلاحظ في إبداعك المسرحي ولع بالقصص الشعبي والمزواجة بين السيرة وألف ليلة خصوصاً، مثل نصوصك «كأنك يا أبوزيد»، «معروف الإسكافي»، «عنتر زمانه»، فلماذا آثرت هذا الوجهة؟

- أعيش في التراث والتراث يعيش فيَّ، وأبحث فيه عن هويتي. أنا ابن حارة البيادر في أريحا. أريحا هي أقدم مكان استوطنه الإنسان، بمعنى أنه خرج من الكهوف وبنى البيوت وعمل في المزارع في أريحا المدينة التي درج على ترابها المسيح. أريحا خليط ممن جاء بهم إبراهيم باشا أثناء غرزه للشام من مصريين وسودان وأفارقه واستطونوا وصاروا فلسطينيين مثلنا، وهؤلاء لهم طبائع فنية عجيبة والفن غير عادي، ففي طفولتي كنت شغوفاً بالأعراس وطقوسها الفنية، وفنون الفرجة. وحين غادرت أريحا؛ التقيت زميلي وصديقي وأستاذي جبريل الشيخ وهو مولع بالتراث ويقرأه قراءة ودودة، ومن ثم جعلني أحب القوالب التراثية.

> بدايتك في المسرح الاحترافي كانت مع تراث؟

- لا، في عام 1992 حضرت عرضاً ألمانياً، وتفاعلت معه بشدة، وتساءلت عن سبب إعجابي الشديد به رغم أني لا أعرف الألمانية، لأكتشف أنه يشبه أحد العروض التي كانت تقدم في الأعراس في أريحا، فعدت إلى الأردن واستعدت التراث في مسرحي.

> ماذا تعني بالقراءة الودودة للتراث؟

- كنت أقرأ كتاب الدكتور مصطفى ناصر «نحن والتراث»، فوجدت تعبيراً عبقرياً: «يجب علينا أن نقرأ التراث قراءة ودودة لا مستعلية ولا مستعدية، لأنك إن استعليت عليه رفضَك وإن استعديته تمنَّع، وأما إذا قرأته قراءة ودودة فسيبدي لك كل مفاتنه». اكتشفت في هذه الجملة الخارطة الجينية للتعامل مع التراث وليس التراث فقط بل مع العالم بأسره من جمادات وبشر وشجر.

> لماذا اتجهت إلى مسرح الفرجة؟

-منذ بداية عملي المسرحي وأنا أصنع مسرح الحلقة ولم يكن وقتها من باب الفرجة، ثم اكتشفت أن الحلقة تحقق حالة من التلقي غير عادية، كما تتيح عدالة التلقي بانعدام الصفوف، كما أن الجمهور يحب هذا الشكل، فماذا عليك أن تفعل بعد ذلك سوى أن تغرق في هذا الموضوع.

> ما القانون الذي اتبعته في بناء مسرحك الفرجوي؟

- لم أتبع منهجاً أو قانوناً محدداً، فأنا معلمي الأساسي وأقول ذلك منذ عام 1993، هو القرآن الكريم، فهو واحد من أهم الكتب الإنسانية على الإطلاق، وأهم كتب التراث الإسلامي. القرآن الكريم ملك الاختزال وملك الإطناب، وملك التقديم والتأخير، وملك القطع والوصل، وملك الإشارة الحيية والذكية. تفهمه العامة ويبحر فيه الخاصّة. كتاب معجزته اللغة ومع ذلك الأميون يفهمونه. فكيف لي أن أقدم كل ذلك؟ كيف يمكن أن تأتي للمتفرج بمشهد صعب، ثم تريحه بعدها بمشهد بديع؟ أستاذي في البناء هو القرآن الكريم كل الحداثيين لم يصلوا إلى ما وصل إليه إعجاز القرآن في البناء الخطابي. ودائماً أراهن على الوجدان الواعي لا العقل الواعي؛ لأن تركيبتنا العربية وجدانية لا عقلية. الخطاب العاقل يدخل لدينا من باب القلب، وهذا تركيب ثقافي حضاري لا يجب أن ننكره، لذا لكل شعب ما يفضله في فنه، فالهنود يحبون الرقص مثلاً.

> كيف ترى القضية الفلسطينية داخل الإبداع الأدبي العربي منذ النكبة إلى الآن؟

- أعتقد أني كنت محظوظاً عندما قدمت عرضي «سأموت في المنفى»، فقد لخصت فيه حياتي، وأجبت فيها على سؤال هويتي، فلسطين منحتني هوية أفخر بها، بلد تحوَّلت أيقونة؛ حالة إنسانية عامة، فكل مثقف في العالم فلسطيني حتى تتحرر فلسطين، ويجب فهم كل دقائق هذه القضية حتى نستطيع التعبير عنها، نعبر عنها كما عبَّر محمود درويش، وكل ما يحدث في وطننا العربي من أزمات الآن هزات ارتدادية للجرح الفلسطيني، فلسطين هي هوية ثقافية أحيت هذا الوطن. ما يبقي هذا الوطن هو الإبداع الثقافي، وعندما يكتب مبدع عن فلسطين مشهداً يجب أن يتعاطف معه العالم كله.

> هل على المؤلف المسرحي أن يكون تابعاً للحدث السياسي والاجتماعي؟

- هو نتاج للحدث ومتأثر بالواقع، لكن عليه أن يخلق الواقع الذي يريده، فالمسرح الحقيقي هو استئناف على الواقع، فلو خضع للواقع لتحول إلى مادة استهلاكية، فالمؤلف المسرحي الحق استئناف إيجابي على أحداث واقعه، فهو دائماً يبحث عن عالم أكثر حرية وشعب أكثر وعياً.

> تنتصر أعمالك للمهمشين والفقراء... ما هو دافعك إلى ذلك ؟

- انتصاري للكادحين والفلاحين والفقراء والمهمشين هو موقف سياسي أيديولوجي بالإضافة إلى أنني أنتمي إليهم.

> هل ترى أن ذهاب المسرح العربي إلى النموذج الغربي أبعده عن صبغته الخاصة؟

- المسارات المسرحية تسع الجميع، وهذا التأثر بالغرب، وهو نوع من تأثر المغلوب بالغالب، المهزوم بالمنتصر، والجاهل العارف، وعدم الإدراك بأن ما هو نافع لديه ليس بالضرورة نافعاً عندي، ويجب أن يراعي الفوارق، والتجارب القشرية تتساقط؛ «وما يظل في الوادي إلا أحجاره»، المهم أن يعي المسرحي ماذا يريد وكيف يسوس المشهد، وفي النهاية لكل شخص حرية الاختيار.