حرب السويس... هزيمة للمشروع الناصري؟

إبراهيم الصياد |

على رغم مرور 62 عاماً على حرب السويس المعروفة في الأدبيات العربية بـ«العدوان الثلاثي على مصر»، إلا أنها مازالت تثير جدلاً في أوساط المثقفين العرب وبخاصة المصريين منهم. هناك من يرى أن حرب السويس كانت هزيمة للمشروع الناصري، بينما يعتقد رأي ثانٍ أنها من أكبر انتصارات جمال عبدالناصر، في حين يؤكد رأي آخر أن عبدالناصر تعرض لإخفاق عسكري في البداية سرعان ما تحول إلى انتصار سياسي.


وأتصور أن الوثائق التي تمَّ الكشف عنها من أطراف الحرب نفسها، وكذلك الدراسات والبحوث والكتب التي صدرت على مدار الثلاثين سنة الأخيرة، أكدت فعلاً أن مصر تعرضت لكبوة عسكرية عندما احتلت القوات البريطانية والفرنسية مدينة بورسعيد ابتداءً من 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 1956، ولكن عبدالناصر نجح في استغلال الكبوة في إثارة العالم المتحضر ضد قوى العدوان وفضح أبعاد التواطؤ الثلاثي بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. ويعتبر الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل - وهو من المقربين لعبدالناصر - من أكثر الكتاب الذين وثَّقوا لهذه الحرب، وله الكثير من الكتب منها كتاب «خبايا السويس» وصدر بعد عشر سنوات من انتهاء الحرب، وكتاب «قصة السويس آخر المعارك في عصر العمالقة» لكن أخطرها - من وجهة نظري - «ملفات السويس»، وهو كتاب يروي دور عبدالناصر لإنهاء العدوان على مصر، ويوضح كيف أدار الرئيس المصري المعركة سياسياً على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية في شكل حوَّل الاخفاق العسكري إلى انتصار سياسي، وأهميته أنه صدر بعد وفاة جمال عبدالناصر، ويحوي الكثير من الوثائق المهمة. وهو يرى أن حروب 1956 و1967 و1973 ما هي إلا حرب واحدة مستمدة من الصراع في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن الحروب أو المواجهات العسكرية لم تكن غير البؤر الملتهبة في الصراع عبر 30 عاماً على حد وصف هيكل.

ولكن ما الذي كشفته الوثائق في شأن أبعاد المخطط الثلاثي لإسقاط عبدالناصر المعروف بـ«بروتوكول سيفر»؟

في24 تشرين الأول (أكتوبر) عام 56، وبعيداً عن أعين الإعلام وقع المتواطئون على معاهدة الحرب على مصر في ضاحية «سيفر» في باريس، وناقشوا الخطوط النهائية في خطة سرية كانت بنودها تنص على الآتي: قيام القوات الإسرائيلية بخلق حال صراع مسلح على مشارف قناة السويس، لتستغلها بريطانيا وفرنسا ذريعة للتدخل العسكري ضد مصر، وتوفر القوات الفرنسية الحماية الجوية والبحرية لإسرائيل. تصدر بريطانيا وفرنسا إنذاراً لكل من مصر وإسرائيل لوقف أعمال القتال والابتعاد عن القناة، مع قبول مصر احتلال منطقة القناة احتلالاً موقتاً، بواسطة القوات الأنغلو فرنسية، لحماية الملاحة البحرية فيها، وتقوم القوات الجوية البريطانية بتدمير المطارات والطائرات والأهداف العسكرية المصرية، وتحقق السيطرة الجوية في سماء مصر. على المستوى السياسي تدافع فرنسا عن موقف إسرائيل في الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه تبذل بريطانيا جهودها لبقاء اتصالاتها الخاصة بمساندة إسرائيل سرية.

ووقع الاتفاق كل من باتريك دين، المستشار القانوني للحكومة البريطانية، وكريستان بينو، وزير خارجية فرنسا، وديفيد بن غوريون، رئيس الوزراء ووزير دفاع إسرائيل، واستند المعتدون الى ثلاثة أسباب في تبرير عدوانهم:

أولاً القيادة المصرية لم تعترف بإسرائيل، وأن عبدالناصر يتبنى فكرة إزالتها من الوجود في أقرب وقت ممكن.

ثانياً إعلان الرئيس عبدالناصر تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، وتحويلها إلى شركة مساهمة مصرية، مع الاحتفاظ بحقوق المساهمين الدوليين فيها، بعد رفض البنك الدولي والغرب تمويل مشروع السد العالي، وهو ما اعتبرته بريطانيا - التي احتلت مصر لمدة 70 عاماً - بمثابة إعلان الحرب.

ثالثاً الدعم اللا محدود من جانب مصر للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي.

ومن خلال المبررات الثلاثة السابقة، يتبين أن كل طرف من أطراف التواطؤ الثلاثي كانت له أسبابه التي يراها، والتي تدفعه إلى الحرب ضد سلطة عبدالناصر في مصر: إسرائيل تريد تدمير تلك السلطة التي ترى في بقائها تهديداً لبقائها، نظراً لمواقفها المعلنة تجاه الوضع في فلسطين، بريطانيا تلك الامبراطورية العظمى، ترى أن الوضع الجديد في مصر كان سبباً رئيساً في كسر كبريائها، وتأليب الشعوب التي تحتلها للثورة عليها، وهو ما لعب دورا كبيرا في تقليص نفوذها، وأدى الى انهيار تلك الامبراطورية. وفسرت قرار التأميم الذي اتخذه عبدالناصر على أنه نقض لاتفاق الجلاء البريطاني عن مصر وإنهاء كامل للوجود البريطاني في تلك المنطقة الاستراتيجية من العالم. أما فرنسا، التي اشتعلت ضدها الثورة في الجزائر، فشهدت الدعم المصري الصريح والمعلن عبر إذاعة «صوت العرب»، فقد كانت تلك الإذاعة بمثابة غرفة عمليات الثورة الجزائرية من مصر!

وفي يوم 5 نوفمبر 1956، بدأت الغارات الفرنسية - البريطانية، وأحرقت القوات البريطانية حي المناخ في مدينة بورسعيد، وتناثرت الجثث في الشوارع، ثم قامت القوات الفرنسية والبريطانية بعمليات إنزال مظلي، وبرمائي والإنزال الرأسي بواسطة الهليوكوبتر البريطاني يوم 6 نوفمبر.

بعد احتلال بورسعيد والسيطرة على 35 كيلومتراً بطول القناة، كانت الدول الثلاث ماضية في تنفيذ «خطة سيفر»، حتى أوقفها موقف مصر المقاوم للعدوان وتوجيه الاتحاد السوفياتي إنذاراً شديد اللهجة إلى الدول المعتدية بالانسحاب الفوري وغير المشروط من الأراضي المصرية، إذ ذهب الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف آنذاك إلى مجلس الأمن في 5 نوفمبر 1956، وخلع حذاءه وضرب به على منصة المجلس، وقال مهدداً: «لقد عزمنا عزماً أكيداً على سحق العدوان وإعادة السلام إلى الشرق الأوسط من طريق استعمال القوة، وعلى دول العدوان الثلاثى أن تنهي عدوانها فوراً على مصر، وتسحب قواتها».

وهنا، ضغطت واشنطن على دول العدوان لتسحب قواتها، وهكذا نجح جمال عبدالناصر في تحقيق انتصار سياسي كبير عندما تغلبت الإرادة المصرية على إرادة الحرب والشر وانسحبت جحافل العدوان من بورسعيد يوم 23 كانون الأول (ديسمبر) 1956 الذي تحول إلى «عيد للنصر»؛ ليس في مصر وحدها بل في الوطن العربي كله.

* كاتب مصري