هزيمة حزب الله أمام إسرائيل في حرب 2006

المثنى حمزة حجي |

يحلو لحزب الله، مخلب القط الفارسي، الادعاء أنه هزم إسرائيل في حرب تمّوز 2006، ويتخذ من ذلك مدعاة لإذلال اللبنانيين ويعتبره مبرراً لوجوده كمقاومة شرعية، وأريد هنا تفنيد هذه «الأسطورة».


تبرير حزب الله في ادعاء الانتصار هو ذاته الذي استخدمه القوميون العرب خلال الحروب مع إسرائيل، مثل نظام سورية الذي ادعى الانتصارات ضد إسرائيل بسبب تمكن القيادة القومية من البقاء على رغم الحرب وتدمير البنية التحتية العسكرية والاقتصادية للبلد، وهو ما حدث في حرب لبنان، إذ نجحت قيادات ومقاتلو حزب الله في البقاء مختبئين في أنفاق وكهوف تحت الأرض ثم أعلنت انتصارها، على رغم دمار البلد هو جزء من صناعة الوهم، لأن الانتصارات والهزائم لا تحسب بهذه الطريقة، بل إن النتيجة كانت كارثية استراتيجية على حزب الله.

نشأ حزب الله كحركة مقاومة لبنانية إبّان احتلال إسرائيل لجنوب لبنان واكتسب شرعيته كمقاومة شعبية من ثلاثة مصادر، أولها: شرعية شعبية وطنية تدعي تمثيل الشعب اللبناني في مقاومة الاحتلال، وثانيها: شرعية دولية مستمدة من قوانين الأمم المتحدة التي تعطي الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الحق في المقاومة المسلحة، وثالثها: شرعية تعاقدية تأسيسية ممثلة في اتفاق الطائف الذي سحب السلاح من جميع الميليشيات ما عدا حزب الله الذي أُعطي حق الاحتفاظ بالسلاح باعتباره مقاومة شرعية.

في الساعات الأولى للحرب، نظرت في التلفاز إلى مشهد قصف مطار بيروت وانفجارات القنابل الإسرائيلية والحُفر الصغيرة الحجم التي تركتها في الأرض، إضافة إلى سلامة مبنى المطار وكذلك استمرار الكهرباء في لبنان، قدّرت أن إسرائيل تريد التوسع جغرافياً في معاقبة حزب الله، ولكنها لا تعتزم التدمير المكثف للبنية التحتية للبنان وإلا لكان تأثير ذلك واضحاً في نوعية الأهداف التي تختارها إسرائيل وعيارات القنابل والأسلحة المستخدمة.

في المقابل اعتمد حزب الله على إطلاق آلاف الصواريخ الصغيرة من طراز كاتيوشا وجراد، وهي قصيرة المدى لا تملك دقة التصويب، ما يعتبر سلاحاً نفسياً أكثر منه سلاحاً حقيقياً، وعلى رغم ظهور صواريخ أكثر تطوراً خلال الحرب إلا أنها غير قادرة على تغيير مسار الأحداث، بل أدت إلى تصعيد إسرائيل لهجماتها الجوية ضد لبنان.

بدا لي منذ أوائل الحرب أن إسرائيل لم تمتلك معلومات محدثة عن مخازن صواريخ ومخابئ القيادة والجنود لحزب الله، ولا عن امتلاكه لصواريخ بحرية استعملها لضرب إحدى السفن الإسرائيلية، والاستمرار بهذا النمط من المعارك دل على أن قرار الحرب الإسرائيلي كان قراراً متعجلاً لم يسبقه تحديث لبنك أهداف الحزب، كما بدا الإسرئيليون في حالة تردد حول القيام بعملية برية، ولم نرَ الإبداع العسكري الإسرائيلي المعتاد، ما أكد أن فكرة الحرب قامت بطلب أميركي لإسرائيل، بدء الحرب لتحجيم حزب الله على رغم عدم جهوزيتها، وهو ما انعكس في تقرير لجنة فينوغراد في نهاية الحرب التي نصت أن «رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت تسرع في قرار الحرب»، ما نتج عنه أخطاء عسكرية.

الميزة الأساسية لحزب الله أو أية حركة مقاومة نابعة من قدرتها على الاحتفاظ بالمبادرة في استنزاف العدو في سلسلة هجمات محدودة تستهدف أفراده ومعداته في أي وقت تختاره المقاومة ولا يتوقعه العدو الذي سيجد نفسه معرضاً لاستنزاف دائم، ما يُجبره على التنازل عن احتلال الأرض وهو ما يُعتبَر انتصارا لهدف المقاومة بتحرير الأرض وهزيمة لقوة الاحتلال الذي تعتبر خسارتها لأهدافها باستمرار الاحتلال هزيمة.

ادعاء حدوث انتصار يعتمد على قدرة الجيش على تحقيق الهدف السياسي من الحرب من عدمه، وهدف نصر الله من تحرير الرهائن واستكمال مسيرة المقاومة ضد اسرائيل فشلت، بل بالعكس، إذا نظرنا إلى نتائج حرب 2006 نجد أن حزب الله ليس فقط لم ينتصر في الحرب كما يحاول إيهامنا، بل انتهى بكارثة فقد بسببها مبرر وجوده وشرعيته كمقاومة، وتحول إلى مجرد ميليشيا عصائبية مسلحة للأسباب التالية:

أولاً: أن اتفاق وقف إطلاق النار والقرار الدولي 1701 ونتائجه الكارثية على الأرض هو فرض انسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني وانتشار الجيش اللبناني، وكذاك قوة إضافية من اليونيفيل من 15 ألف جندي للفصل بين مناطق حزب الله والحدود الإسرائيلية اللبنانية، والتي أدت لخسارته الأكبر كمقاومة وهو (فقدان المبادرة) بالاشتباك مع العدو، فالحزب أصبح غير قادر على أي اشتباك ولو محدود مع القوات الإسرائيلية ولا حتى الاقتراب من الحدود، ما سحب العنصر الأهم لدى أي مقاومة شعبية.

ثانياً: انسحاب إسرائيل السابق من جنوب لبنان «أنهى» الشرعية التي تمسك بها الحزب كقوة تحرير، فلم تعد هناك أرض محتلة ليلعب حزب الله دور المقاومة.

ثالثاً: الثمن الباهظ الذي دفعه لبنان نتيجة لهذه الحرب، رفع بشكل هائل المعارضة الشعبية لانفراد الحزب الإرهابي بقرار الحرب من دون استشارة بقية اللبنانيين، إضافة لاعتراض الشعب اللبناني على الولاءات العابرة للحدود والتي كبدت لبنان هذه الأثمان العالية قادت لكارثة لحزب الله وهي «فقدان الدعم الشعبي»، وأصبح لا يستطيع الاعتماد إلا على كتلته الطائفية التي أصبحت تجد نفسها في عداء مع بقية اللبنانيين غير الراغبين في الاستمرار في دفع ثمن حروب حزب الله المقدسة وصواريخه الموجهة «إلاهياً» كما يدعي، ولا الإقليم العربي الذي يرفض رأس الجسر الفارسي في المنطقة العربية. رابعاً: «فشل تحرير» الأراضي المحتلة وهي مزارع شبعا التي يدّعي أنها أرض لبنانية وهي في الواقع سورية ادعى نظام الأسد تبعيتها للبنان للتهرب من مواجهة إسرائيل ولمحاولة استمرار إيجاد شرعية بديلة لحزب الله بحجة أن هناك أراضي لبنانية مازالت ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي.

الواقع أن إسرائيل هي التي حققت أهدافها السياسية كاملة من الحرب، إذ سحبت من حزب الله مبرر وجوده الرئيس كحركة مقاومة، ونزعت منه كل من ورقة الحدود والشرعية والمبادرة والدعم الشعبي، ما يجعل إسرائيل هي المنتصر الحقيقي في الحرب، فلا أعتقد أن الإسرائيليين الذين أثبتوا فعالية عسكرية في الماضي توقعوا تدمير حزب مختبئ في كهوف وجحور تحت الأرض عبر القصف الجوي فقط ومن دون عمليات برية واسعة، بالتالي لا يمكن أن يكون تدمير حزب الله عسكرياً هو هدف إسرائيل من الحرب.

النتيجة الحقيقية لحرب 2006 كانت كارثة على حزب الله، ما يفسّر سعي الحزب لنزع قناع المقاومة الإسلامية ليظهر وجهه الحقيقي كقوة إرهابية طائفية تمثّل عميلاً إيرانياً، وهو دوره الحقيقي كما تبين للجميع.

* باحث في الشؤون السياسية.

الأكثر قراءة في الرأي