جهود الجبرتي تشكل بداية التأريخ لمصر الحديثة

كتاب فهرس عجائب الأثار التراجم والأخبار. (تويتر)
صالح محروس محمد |

تبدأ حركة التأليف التاريخي لمصر الحديثة بعبدالرحمن الجبرتي في مخطوطته "عجائب الآثار في التراجم والأخبار". عاش الجبرتي عصر انتقال مصر من العصور الوسطى إلى العصر الحديث التي اتسمت بالاضطراب الشديد والتغير السريع والتي شملت أواخر العصر العثماني الأول وعصر الحملة الفرنسية ونحو عشرين عاماً من عصر محمد علي. فالجبرتي دوَّن في تاريخه حوادث مصر منذ سنة 1689م وكان شاهد عيان عليها منذ عام 1757م إلى عام 1821م. هذه الفترة المهمة التي تعد الحد الفاصل بين عصر الركود والهدم والتخريب وعصر النهضة والإنشاء. في مؤلفيه "عجائب الآثار" و"مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيسس"، نجد ركائز كتابة تاريخ مصر الحديث وفي مقدمها ذكر الحقائق التاريخية من دون مجاملة لحاكم أو غيره ومعالجة مشاكل المجتمع والترجمة لشخصيات ذلك العهد، ما جعل المؤرخ البريطاني توينبي يصفه بأنه مثل ثوكيديدس اليوناني الذي وقع عليه عبء كتابة حقبة من تاريخ الحضارة التي ترعرع في ربوعها وإنه بوسع مصر أن تفاخر بالجبرتي وتباهي به سائر المتحدثين بالعربية. وقال عنه الدكتور محمد أنيس إن أهم ما يميز الجبرتي دقته واستقصاؤه الحوادث وموضوعيته. ويعتبر ما كتبه الجبرتي وثيقة تاريخية مهمة في تاريخ مصر السياسي والاجتماعي كما يحمل بين جنباته صورة مفصلة عن حياة المصريين الاجتماعية. الجبرتي كان رجل دين ودُنيا ففي تناوله لسياسة الفرنسيين في مصر نجده يندد بأعمالهم المنافيه للشرع في أحيان ويمتدح بعض أعمالهم في أحيان أخرى مثل رفضهم للسخرة وتشكيلهم الديوان واهتمامهم بالقضاء وعنايتهم بالنظافة ومنعهم دفن الموتي في المدافن القريبة من المساكن. كما أبدى اعجابه بنشاطهم العلمي ورغبتهم في البحث والمعرفة وتطلعهم الزائد للعلوم فشاهد التجارب العلمية التي أجراها أمامه العلماء الفرنسيون، فقال: "لهم تطلع زائد إلى العلوم وأكثرها الرياضة ومعرفة اللغات والمنطق ويدأبون في ذلك الليل والنهار. وعندهم الآلات الفلكية الغريبة المتقنة الصنعة وآلات الارتفاعات البديعة العجيبة التركيب الغالية الثمن". كما أعرب عن دهشته مما شاهده عندما زار المجمع العلمي الفرنسي بقوله: "ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا".


وتأتي أهمية ما كتبه الجبرتي من كونه معاصراً للأحداث ومشاركاً فيها أحياناً. فقد تم تعيينه عضواً في الديوان العام الذي أنشأه الفرنسيون في القاهرة وكتب في مقدمة كتابه: "لم أقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير أو طاعة وزير أو أمير ولم أداهن فيه دولة بنفاق أو مدح أو ذم مباين للأخلاق لميل نفسي أو غرض جسماني". وظهرت موضوعيته في أنه مثلاً رغم دفاعه عن العثمانيين أعرب عن خيبة أمله في عودتهم للحكم بعد خروج الحملة الفرنسية لشعوره في بعض الأحيان أن الحكم الفرنسي خير من الحكم العثمانى. وواجه سياسات محمد على القائمة على العنف والاستبداد ووضع أدوات الإنتاج في يده. وكان انتقاده محمد على يسبب له المتاعب هو وأسرته فقال عنه: "إن طبعه الحسد والشره والطمع والتطلع إلى ما في يد الناس وأرزاقهم". كما عارض الجبرتي موقف محمد على من الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وأبدى سخطه من قيامه بإثقال كاهل المصريين بالضرائب: "جعل على كل فدان ستة قروش وسبعة وثمانية وذكر أنها للمساعدة على حروب الحجاز". وذكر أن جنود محمد علي كانوا يخطفون السمن والجبن والتبن والبيض بحجة سفرهم إلى بلاد الحجاز لدرجة أن قلَّ السمن واللحم والجبن بعد الاستيلاء على مواشي الفلاحين وأغنامهم. ورغم انتقاداته السابقة لعصر محمد علي نجده يشيد بالأعمال الجيدة له ومنها تعمير الإسكندرية إذ وصف ذلك العمل بأنه من محاسن الأفعال التي عجز السابقون عن القيام بها. كما أشاد بمحمد على عندما قام بتشجيع أحد أبناء مصر من النبهاء فذكر أن مصرياً يدعى حسين شلبي عجوه ابتكر آلة لضرب الأرز وتبييضه تدور بطريقة سهلة توفر على الناس جهدهم وطاقاتهم وعمل لها مثالاً من صفيح وقدمه لمحمد علي فأنعم عليه بالأموال وأمره أن يذهب إلى دمياط ليقيم مصنعاً تستخدم فيه هذه الآلة. ويقول عن محمد علي في موضع آخر: "له مندوحة لم تكن لغيره من ملوك هذه الأزمان فلو وفقه الله لشيء من العدالة على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير والمطاولة لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه". ويتضح أن الجبرتي لم يتجن على محمد علي بل كان منصفاً في عرضه لأعماله فذكر ماله وما عليه وهذه هي شيم المؤرخ الحقيقي الذي لا يحابي ولا ينحاز إلى أحد مهما عظم نفوذه. وربما لو عاش الجبرتي وشاهد الطور الأخير من حكم محمد علي لتغير موقفه تجاهه بخاصة أنه توقف في كتاباته عند عام 1821م ولم تكن جهود محمد على العمرانية والحضارية اتضحت بعد.

وكتب الجبرتي كتاباته بطريقة الحوليات واليوميات في إفاضة وتفاصيل ممتعة وبشكل جعل تعيين الأماكن والمواقع ظاهرة واضحة في روايته. فلا يورد حدثاً من حوادث أو الثورات والمواكب والحفلات العامة ولاسيما في القاهرة إلا قرنه بتحديد الأماكن والمواقع من الشوارع والميادين ودروب ومنازل بحيث نستطيع من خلال روايته أن نصور معالم القاهرة في عصره بشكل جلي. فصارت كتاباته أشبه بالتلال الأثرية لا تكاد تحفر فيها حتي تجد تحفة أثريه نادرة وسر من أسرار تاريخ مصر الحديث. ويرجع إلى الجبرتي الفضل في تدوين تاريخ مصر وحوادثها وتراجم رجالها في القرنيين الثاني عشر والثالث عشر الهجرييين بقدر من الحيادية والموضوعية قلما تتواجد لأحد من المؤرخين وبأسلوب بسيط ولغة تكاد تكون أقرب إلى العامية.