جمال حمدان والهوية العربية الإسلامية لمصر

جمال حمدان. (تويتر)
صلاح سالم |

فى صياغته للهوية المصرية يتحدث حمدان عن الجد الفرعونى والأب العربى، عن العهد القبطي والأثر اليونانى بتكامل مدهش، إذ يدرك محقا أن كل شخصية عريقة لابد وأنها مركبة، فالطبقات الجيولوجية لا تترسب إلا فى الأزمنة السحيقة، وهكذا تكونت شخصية مصر الحضارية من طبقات ثقافية متعددة زادتها ثراء، ولا يمكن لها أن تكون مدخلا لتناقض حقيقى أو تفكك إقليمى اللهم إلا فى حالات الضعف السياسى والضياع الفكرى، فعندها فقط يتحول الاختلاف الهامشى إلى تناقض أساسى، وموارد الثراء إلى أسلحة اقتتال، فمصر العربية الإسلامية لا يمكن تخيلها بدون عنصرها القبطى وروحها الفرعونية التى تتبدى فى جل طقوس الميلاد والزواج والموت، لا يمكن تخيلها منكفئة على نفسها منقطعة عن الغرب المعاصر وهى الجسر الذى عبرت عليه الثقافة الحديثة إلى المحيط العربى. لم يتورط الرجل فى مواقف حدية تمجد المكون اليونانى/ البطلمى/ الرومانى/ الأوروبى كما فعل طه حسين، ومحمد حسنين هيكل فى شبابهما قبل أن يراجعا موقفيهما نحو الاعتدال، ناهيك عن شتى أطياف التيار العلموى من فرح أنطون وشبلى شميل ويعقوب صروف حتى سلامة موسى. ولم يبجل، فى المقابل، المكون الإسلامى النازع إلى مدح الخلافة وقدح الدولة الوطنية، على النحو الذى وقع فيه مثقفون نهضويون كرشيد رضا، بل صاغ الهوية فى دوائر منفتحة ومتسعة: عربية، إسلامية، أفريقية، عالمثالثية، تقود كل منها ، حسب خط تصاعدى، إلى الأخرى حسب ممكنات الطاقة وعناصر القدرة، انطلاقا من نواة مركزية تتمثل فى القاهرة. وهنا يتبدى الحديث عن التناقض الذى يزعمه البعض بين الهوية الوطنية لمصر، وبين دورها العربى ليس إلا افتعالا صرفا، فلا وجود لمصر قوية دون حضور وانتشار فى المجال العربى الذى يمثل ميزة مضافة إليها حين تمتلك حيويتها، ولكنه قد يصبح عبئا ثقيلا عليها إذا ما فقدتها تلك الحيوية، فمصر الدولة لن تعدو أكثر من قوة متوسطة، أما مصر الدور فقوة كبيرة بحجم التأثير والفعل. إنها مرة أخرى معادلة الموقع العالمى كعلاقة هندسية غير منظورة والموضع المحلى كإمكانية ذاتية كامنة، وهى المعادلة التى أفاض الرجل فى التحذير من اختلالها، فالموقع هنا بمثابة الفرصة والخطر، فرصة الحضور استثمارا لعناصر القوة الذاتية للموضع تحقيقا للانتشار، وخطر الانسحاق أمام القوى الكبرى التى يغريها موقع جاذب وموضع متراجع.


بدأ جمال حمدان فى تأليف شخصية مصر قبيل يونيو 1967م، وعندما وقعت الهزيمة لم يكن قد انتهى منه فقرر نشر ما كتبه على الفور ليصدر فى يوليو بين جلدتى كتاب صغير كوسيلة لبث الثقة فى نفوس المصريين الملتاعة، والتأكيد لهم على أن وطنا بهذه العراقة لا يمكن أن يُهزم، وكأنه أراد أن يردد، على طريقته المعرفية والفلسفية، صيحة عبد الناصر بأن ما حدث مجرد نكسة لن تقطع الطريق أو تنهى الآمال. وفى ذروة حرب الاستنزاف التى شهدت نوعا من الردع المصرى للعدوانية الإسرائيلية وقدرا من التكافؤ فى ميزان الصراع عاد ليصدر الطبعة المتوسطة، فى سياق التوكيد على ثقة المصريين بأنفسهم، قبل أن يعود ويصدر الموسوعة الكاملة ذات الأجزاء الأربعة فى مطلع الثمانينات، والتى يبدو لى أنه بدأ التفكير فيها والاشتغال عليها أعقاب انتصار أكتوبر وما رافقه من مشاعر اعتزاز وطنى وقومى تحدثت عن العرب كقوة سادسة فى العالم، فارتأى فيلسوف الجغرافيا أنه إزاء وطن يستحق أن يوضع له كتابا مقدسا يؤطر له، وأنه العقل الموعود لهذه المهمة، فلولا شعور كهذا ما تمكن الرجل من انجاز تلك الموسوعة.

فى سياق المواجهة مع إسرائيل والصهيونية أخرج كتابه "اليهود.. أنثروبولوجيا" ليكشف فيه عن واقع التعددية الشديد فى جذور اليهود المعاصرين بما ينفى عنهم إحدى مزاعمهم التأسيسية التى تقول بوحدة الأصل، اصطناعا لتاريخ كلى لشعب يهودى متصور، نقى ومتجانس، يعلو على التواريخ الفرعية لحضورهم فى جل المجتمعات والحضارات. لقد أحال اليهود الديانة اليهودية إلى نزعة عرقية، وهو ما سعى حمدان إلى تحديه مؤكدا على أن اليهودية ليست عرقا بل دينا، يمكن أن يمتد فى مجتمعات عديدة حتى من دون أن يقصد أهله التبشير به. وهنا يلاحظ، محقا، كيف أن محاولة اصطناع ذلك التاريخ الموهوم، بما يتبعه من استخدام دعائى لترويجه أو استخدام العنف لفرضه، إنما يقود إلى قدر استثنائى من العدوانية على النحو المشهود. وفى الكتاب نفسه يقدم لنا حمدان ملاحظة بليغة عن طبيعة التحالف بين الأصولية الإنجيلية فى الولايات المتحدة وبين الصهيونية اليهودية تفسر لنا التحالف الشيطانى الأمريكى ـ الإسرائيلى على حساب الحق العربى خصوصا فى فلسطين، وهو ضعف الجسد اليهودى فى عالمنا المعاصر، إذ لا يعدو عددهم خمسة عشر مليونا فيما العالم، وقتما كتب الرجل، خمسة مليارات من البشر، يشكل المسلمون مليارا منهم بنسبة 20 % قابلة للزيادة، ما يعنى على صعيد الصراع الحضارى أن المسلمين يمكن أن يكونوا طرفا مناوئا للغرب بحكم الكتلة العددية وأيضا سابق التجربة التاريخية حيث قاد المسلمون العالم لأربعة قرون من الزمان، حاصروا خلالها الغرب واحتلوا أجزاء من أرضه الحالية، فيما يتعذر على اليهود أن يلعبوا سوى دورا وظيفيا فى خدمة المشروع الغربى. وفى ظنى أنها ملاحظة ثاقبة تتجذر فى وعى الغرب بذاته، إذ يرى نفسه ربيبا حضاريا لمكونين أساسيين: اليونانى ـ الرومانى على صعيد الفلسفة والقانون، واليهودى ـ المسيحى على صعيد الاعتقاد الدينى، وهو الأمر الذى مكنه من امتصاص اليهودية وكتابها المقدس نفسه (التوراة) باعتباره محض عهد قديم، كل وظيفته أن يمهد للعهد الجديد المسيحى (الإنجيل).

وفى كتابه المهم "العالم الإسلامى المعاصر" يقوم حمدان بتوصيف حركة الإسلام عبر تاريخه الطويل، والطرق الذى انتشر بها، مؤكدا أن دخول الاستعمار جاء سداً أمام انتشاره، حيث أثقل خطوته وإن لم يشل حركته. وعلى سبيل المثال، فإن التبشير الاستعماري في أفريقيا تم على حساب الاحتياطي الكامن بالقوة للإسلام. وفي الهند عمق الاستعمار، عن عمد، الصراع الديني بين المسلمين والهندوس، حيث أدى التعصب الجديد إلى وقف زحف الإسلام في شبه القارة. كما رسم حمدان أشكال الانتشار الإسلامى فى المجتمعات التى وصلها، مميزا بين ست حلقات جيولوجية تتباين درجة التركيز فيما بينها، بدءا من الحلقة الصلبة أو النواة المركزية فى القلب العربى حيث ترتبط اللغة العربية بالطبعة الأكثر نقاء من الإسلام، وينتهى بالحلقة الأكثر هشاشة على تخوم الصين وفى سهول التركستان، حيث تختفى العربية إلا على سبيل آداء الطقوس، وتقل درجة نقاء الإسلام. وفيما بينهما تتوالى حلقات أربع تقل كثافة الإسلام فيها تدريجيا مرورا من حلقة الشرق الأدنى التى تلتف حول الإقليم العربى فى إيران الفارسية شيعية المذهب، وتركيا الطورانية السنية ولكن دون اللغة العربية، ثم شبه القارة الهندية حيث الباكستان الغربية، والشرقية / بنجلاديش تمثلان الكتلة الصلبة لهذه الحلقة بدرجاء نقاء أقل ودون اللغة العربية أيضا، ثم الحلقة الإندونيسية حول جزر الملايو، ونظيرتها الحلقة الإفريقية جنوب الصحراء، حيث درجة نقاء الإسلام أقل وغياب اللغة العربية مؤكد اللهم سوى فى بعض الجيوب الإفريقية، التى أفضت حرجة التجارة إلى نقل العربية مع الإسلام إليها. وهنا يكشف حمدان عن فهم عميق لمدى تعقد الظاهرة الإسلامية، حيث الامتداد الجغرافي الهائل، وكثافة التاريخ المختلفة، وتباين المصالح إلى درجة التناقض أحيانا مع تباين الأقاليم الإستراتيجية بالقدر الذى يجعل فكرة الجامعة الإسلامية محض خيال تاريخى، ويضع فكرة الكومنولث الإسلامى حدا أقصى للطموح على هذا الصعيد، مثلما يمنح فكرة الدولة الوطنية قيمة جوهرية وشحنة واقعية، وإن لم يصرح الرجل بهذا مباشرة.

أما الكتاب الأثير لدى شخصيا، وأود أن أختم به الحديث هنا، فهو كتاب "إستراتيجية الاستعمار والتحرير" الذى يفوق على وجه الحقيقة كتاب بول كيندى "صعود وسقوط القوى العظمى" من حيث المنهجية والتكثيف وشمول الرؤية، غير أن الأخير شاع فى العالم كله لمجرد أن مؤلفه أمريكى، فيما بقى الأول شبه مغمور لأن مؤلفه مصرى يكتب بالعربية. يرصد حمدان فى هذا المؤلف جل أشكال السيطرة وكافة استراتيجيات الاستعمار منذ العصور الباكرة حتى الاستعمار الأوروبى الحديث. وعلى سبيل المثال فقط توقف الرجل عند الإمبراطورية الرومانية التى ورثت سالفتها المقدونية وأحالت العالم المعمور آنذاك إلى ما يشبه مستعمرة كبرى ولكنها سقطت أمام ما يسميه قوة الاستبس الأسيوى حيث حشائش السافانا لا تسمح سوى بالرعى، الأمر الذى لعب دورا خطيرا في دفع برابرة التيوتون والجرمان، ثم القوط والوندال والفرانك للإغارة عليى الإمبراطورية الواسعة في القرنين الرابع والخامس، وخلق جزر منعزلة داخلها حتى تفتت من داخلها ما أدى فى النهاية إلى سقوطها. كما توقف عند الحملات الصليبية باعتبارها حروبا اقتصادية تغذت على مساعدة كبار تجار وأوليجاركية المدن الإيطالية: البندقية وجنوا وبيزا، وانتهت أقرب شئ إلى حرب القراصنة التى تستهدف النهب والسلب. أما دعوى الدفاع عن المسيحيين في الأراضي المقدسة وحماية الحجاج من اضطهاد حكم السلاجقة المسلمين حينذاك فهو حجة ملفقة ومنطق تبرير لا أكثر، بل إنه يعتبر تلك الحروب بمثابة حلقة الوصل بين الاستعمار الجزئي القديم الذى باشرته أثينا وروما وبين الاستعمار الحديث الذى ستخرج إليه أوروبا بأسرها في المستقبل.

أما الإمبراطورية العثمانية فلا تتميز لديه عن نظيرتها الرومانية، إذ يلاحظ أن العثمانية توسعت في أوروبا قبل أن تتوسع في آسيا وإفريقيا، وأسقطت الدولة البيزنطية قبل أن تدخل إلى الدول العربية الإسلامية، مما يؤكد على تفكير استراتيجي نفعى، حيث أعطتها فتوحاتها الأوروبية قاعدة أرضية ضخمة لقوة سياسية ومادية وعسكرية قبل أن تبدأ الاتجاه جنوباً نحو الشرق العربى، ولولا تلك القاعدة ما تمكنت من اكتساح منطقتنا بهذه السهولة أو تلك السرعة.. فليرحم الله العلامة جمال حمدان الذى مر هذا العام ربع قرن على رحيله فى 17 ابريل 2003م، وتسعون عاما على مولده فى 4 فبراير 1928م.