هل الواسطي من الموصل؟

د. علي عفيفي علي غازي |

يهتم الخطاط العراقي يوسف ذنون، شيخ خطاطي الموصل، بمخطوط الواسطي لمقامات الحريري اهتمامًا خاصًا، إذ ألقى عنه محاضرة في مهرجان الواسطي الثامن في بغداد سنة 1988، وطبع عنه كتابًا لأول مرة في جامعة الموصل سنة 1998، صدر عن مركز دراسات الموصل بجامعة الموصل، بعنوان "الواسطي موصليًا". ونشر حديثًا ملخصًا في مجلة الدوحة القطرية، العدد 102، الصادر في أبريل 2016، بعنوان "منمنمات الواسطي، قصة الحجارة والمقامة" (ص 150-160). وألقى بحثًا عنه بنفس العنوان في المهرجان الثقافي الدولي للمنمنمات والزخرفة وفن الخط في مدينة الجزائر في أكتوبر 2009.


ومقامات الحرير ي التي خطها وصورها الواسطي سنة 634هـ/ 1237م تحتوي على 99 منمنمة، تعتبر من أنفس الآثار المصورة في المدرسة العربية للتصوير، على إختلاف العصور والمدارس، وقد وصلتنا سالمة. وقد حظي هذا المخطوط وصوره باهتمام الدارسين في الغرب والشرق، من الناحية العلمية والفنية، واهتم به دارسو الفن الاسلامي من الغربيين أمثال المستشرق الألماني ارنست كونل Ernst Kühnel (1883-1964) والمستشرق الفرنسي بلوشيه Peluche، وشيخ المستشرقين الفرنسي سلفستر دي ساسي Silvestre de Sacy (1758-1838) والمستشرق الأسباني جايا نجوس Ngos Gaya (1809-1897)، والمستشرق الألماني فريدريك روكيرت Friedrich Rückert (1788- 1866)، وغيرهم. ومن العرب الدكتور إبراهيم جمعة، والدكتور زكي محمد حسن، والدكتور حسن الباشا، والدكتور عيسى سلمان، والدكتور خالد الجادر، والفنان شاكر حسن آل سعيد، وناهدة النعيمي، والدكتور جمال محرز، والدكتور ثروت عكاشة، والفنان نوري المراوي، والدكتور ماهود أحمد محمد، والدكتور أبو الحمد محمود فرغلي، وغيرهم.

والواسطي هو يحيى بن محمود بن يحيى بن أبي الحسن ابن كوريها، سيرته مجهولة، لم تتطرق إليها المصادر العربية التي بين أيدينا، ولذلك كثرت الاجتهادات حول ترجمة حياته، ولم تتفق على نتيجة سوى أنه عراقي. أما الحريري فهو أبو محمد القاسم بن علي بن عثمان الحرامي البصري، ولد في البصرة سنة 446هـ/ 1054م، واستقر في حي "بني حرام"، فنسب إليه، وقد عرف بالذكاء والفصاحة والبلاغة. اتصل بخلفاء بغداد ووزرائهم، وعاش مقربًا من البلاط العباسي حتى وفاته في سنة 516هـ/ 1122م، وقد خلدته مقاماته الخمسين، وكان أغلبها بأسماء المدن المعروفة، مثل دمشق، صنعاء، الكوفة، سنجار، وغيرها.

والمقامة هي الخطبة أو الموعظة في القديم، انتشرت في القرن الثالث الهجري، ثم تطورت حتى شكلت قصة تربوية عند بديع الزمان الهمداني (ت 398هـ/ 1007م) ومن بعده عند الحريري، فصارت نموذجًا للأدب الرفيع، فهي حكايات أدبية تعتمد المواعظ والحكم، يرويها جوابًا للآفاق يتصف بالذكاء، ويتكلم في نثر مسجوع موغل بالتأنق والصنعة. ولقد أجمعت الدراسات، التي سبق الإشارة إليها، تقريبًا جميعها على أن الواسطي كان في طليعة الفنانين العراقيين في العصور الوسطى، وذهب البعض إلى أن بحوثهم ليس هناك عنها زيادة لمستزيد، بينما الواقع الذي تكشفه نظرة مجردة فاحصة إليها، تظهر أن هناك حاجة ماسة لإزالة الغموض عن شخصية الواسطي، وبيئته التي أوصلت به إلى هذا المستوى من الدقة في التصوير والإجادة في الخط والزخرفة، والقدرة في التعبير.

من أجل ما تقدم اقتضت الحاجة إلى دراسة جديدة بمنهج جديد للوصول إلى الجوانب الغامضة والمجهولة في حياة هذا الفنان من خلال آثاره، وهي ما يحاول الباحث في تاريخ الخط العربي يوسف ذنون، أن يثيره، وقد أسعفته خبرته في الفن والآثار والتاريخ، والمعايشة الواقعية في مدينة الموصل وما جاورها إلى وضع منهج جديد في دراسته لم يتيسر لغيره. وانطلق من خلال التعمق في دراسة الفنون الإسلامية، ومن موقف كثير من المسلمين حيال التصوير بين محرم ومكروه، فوجد أن مدينة الموصل في العهد الأتابكي (521-660هـ/ 1127-1261م)، وخاصة في عهد حاكمها بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله، الذي دام حكمه نصف قرن، وصيًا من سنة 607هـ/ 1210م إلى 630هـ/ 1232م، وحاكمًا مطلقًا من سنة 630هـ/ 1232م وحتى وفاته في سنة 657هـ/ 1258م. فقد طغى التصوير في عهده، وشمل المخطوطات العلمية والأدبية، والتحف الفنية، وخاصة التحف المعدنية، والنقود والزينة المعمارية، المصورة بالمرمر والجص مجسمة، بالإضافة إلى بقايا آثار الآشوريين والحضريين، وبمقارنة ذلك جميعًا بصور الواسطي يظهر تأثير هذه البيئة متمثلة في مختلف آثار الواسطي بتطابق عجيب.

فصور الشباب في مقدمة المخطوط هي صور أولاد بدر الدين لؤلؤ، لأن المقامات في ذلك العصر هي الوسيلة الشائعة في تربية أولاد الحكام. ولعل الذي جعل الواسطي يفتتح صوره بهذه الصور سنة 634هـ / 1236م بقصد الحصول على الوظيفة الشاغرة بموت مربيهم الذي ذكرت المصادر أنه توفي سنة 631هـ/ 1233م، وهو عمر بن علي بن المبارك الموصلي، وقد كان الواسطي مصورًا وخطاطًا وأديبًا، لذلك يصح أن يتقدم لمثل هذه المكانة لتميزه في جميع النواحي المطلوبة. وأما كونه واسطيًا فقد أثبتت دراسة ذنون "الواسطي موصليًا"، أن هناك ثلاثة مواقع قرب الموصل تحمل هذه التسمية، ولذلك ظهرت منها عوائل علمية اشتهرت في زمن الواسطي في مدينة الموصل، ولا تزال إحداها قرب الموصل إلى الآن بنفس الاسم الذي ذكرته المصادر.

وقام الباحث كذلك بالمقارنة بين الأبنية التي رسمها مشيدة بالحجارة والجص، وليس بالآجر، إلا في الطوابق العليا، وهذا ما يُميز أبنية الموصل عن بقية الأبنية في وسط وجنوب العراق، فإذا أضفنا إليها المرمر الذي هو خاصية من خواص العمارة الموصلية يتأكد أن الواسطي يُنسّب إلى مدينة الموصل، وهذه واضحة في كثير من صوره. أما الزخارف فإن لها مثيلًا قائمًا في الموصل حتى الوقت الحاضر، وقد أجرت الدراسة مجموعة من الزخارف لا تزال متوفرة في أكثر المباني الباقية من ذلك العهد، ومنها الدلايات وتيجان الأعمدة والشرفات والأطر المختلفة، والمساحات الزخرفية التوريقية والهندسية والمحاريب والمنابر وغيرها.

يؤكد كذلك ذنون على أن الكتابات والخطوط التي تنسب أساليبها إلى أشهر خطاط معاصر على مستوى العالم الإسلامي، وهو ياقوت الكاتب النوري الموصلي، المتوفى سنة 619هـ/ 1222م، تتشابه وخط الواسطي نسخة طبق الأصل من خطه بالنسخ، ودلل الباحث على ذلك بإجراء مقارنة بين النموذجين لياقوت والواسطي. وكذلك مقارنة العناصر الأثرية من تلك الفترة كالملابس والقناديل والتصاميم التفضيلية المختلفة، ووجد أنها تتشابه مع ما ورد في رسومات الواسطي، بل إن بعضها صور لها علاقة بالآثار الآشورية القائمة في آثار مدينة نينوى، والتي تشكل الضفة اليسرى لمدينة الموصل، ومثلها الأثار الحضرية، من مدينة الحضر التاريخية، التي سكنها الأتابكيون وفيها آثارهم. وكذلك المنمنمات والوجوه والأوضاع المتوفرة في شخوص أفراد صور مقامات الواسطي وملامحها أيضًا.

يذهب الباحث بعد ذلك إلى أن مدينة الموصل قد شهدت في العهد الأتابكي فيض من المخطوطات المصورة سواء فيها أو ما جاورها، منها مقامات الحريري، والتي أثبتت دراسات المستشرقين الصلة بينها وبين مقامات الواسطي، ومن ثم أكدها ذنون بدراسته التحليلة لمكوناتها الفنية، والتي أكد على أصولها الموصلية، التي تتشابه في عناصرها المعمارية: الأعمدة التيجانية، الدلايات، الشرفات، ووحداتها الزخرفية: الأطر التوريقية المحلاة بصور الحيوانات، وزخرفة النجمة الرباعية، والمربعات المتتابعة، والمعينات الأربعة، والخطوط والكتابات والنقوش، وغير ذلك من القناديل والملابس والأزهار والسمك وأوضاع الوجوه والعيون. فكل هذه الشواهد تثبت صلة الواسطي بمدينة الموصل، والتي برزت في رائعته مخطوط "مقامات الحريري" رسمًا وكتابة، وتدل على أن الواسطي عاش في هذه المدينة، وجاس دروبها، وذرع احيائها، وتفيأ ظلالها، وسكن مبانيها، وعكف في مساجدها، وتأمل مناظرها، وتشبعت عيناه برؤية بدائعها في العمارة والزخرفة، ودرس على يد الأفذاذ من أساتذتها، سواء في الخط أو الرسم، وما رسوماته في المقامات إلا حصيلة المشاهدات اليومية والملاحظات الحسية، والمعاناة المعاشة، التي تشكل الخزين الداخلي والمنبع لتصوره التشكيلي وخياله المجسد لنتاجاته الفنية. الخلاصة يحاول يوسف ذنون استعراض الاثباتات التي تؤكد نسبة الواسطي إلى مدينة الموصل، وهي البيئة الحاضنة للفنان التي تشكل ذاكرته الفنية، وهي تثبت أن الواسطي لا صلة له بالمواقع الأخرى في بقية أنحاء العراق.