عاصمة الإعلام العربي

ساعد الثبيتي |

لم يكن الإعلام العربي بمنأى عن سهام النقاد والمحللين خلال السنوات الأخيرة، الذين لم يروا فيه عجزاً عن مواجهة الحرب الشعواء التي تتعرض لها المنطقة فحسب؛ بل إنه وبالأدلة القاطعة تحول إلى خنجر في خاصرة دول المنطقة التي يمثلها، وأداة في أيدي أعدائها الذين نجحوا في ضرب العرب بإعلامهم نفسه من خلال بعض القنوات العربية، التي أصبحت تشن الحروب الإعلامية على أهلها في عقر دارهم بالوكالة.


هذه النظرة السوداوية للمجتمعات العربية تجاه الإعلام العربي لم تنشأ من فراغ، بل من وقائع وأحداث كان الإعلام فيها جزءاً من المشكلة، فالعقود الماضية كانت حافلة بالمآسي التي كان الإعلام العربي موقد شرارتها، فبعض الإمبراطوريات الإعلامية العربية نشأت على دعم الجماعات المتطرفة وزعزعة استقرار دول المنطقة، ودعم ما سمي بـ «الربيع العربي» الذي عصف بدول كانت آمنة مطمئنة، بينما في المقابل لم يكن الإعلام المضاد على قدر من المسؤولية والمهنية التي تمكنه من التصدي لهذا العبث.

لقد جاء اختيار وزراء الإعلام العرب الرياض لتكون عاصمة للإعلام العربي في وقت تجني فيه المنطقة ثمار توحيد الصف في مجالات عدة – ليس من بينها الإعلام- لمواجهة التحديات، فالمملكة اليوم تقود السياسة والاقتصاد العالمي، وتشن الحرب على الإرهاب والتطرف، وتقف في وجه المد الفارسي، وتسعى إلى توحيد كلمة العرب والمسلمين تجاه قضايا الأمة وقد نجحت في ذلك، وهي لن تعجز عن توحيد أجندة الإعلام العربي لخدمة المنطقة، وتقوية الجبهة الإعلامية للوقوف في وجه الأعداء، الذين يسخّرون كل إمكاناتهم ويوجهون كل أسلحتهم المادية والمعنوية نحو المنطقة ويشعلون فتيل الفتنة بين مجتمعاتها، ويضربونهم في عقر دارهم بأدواتهم الإعلامية نفسها.

وبينما تراجعت بعض الصحف العربية والقنوات الفضائية نتيجة الظروف الاقتصادية والثورة التقنية، أحدثت بعض المبادرات الإعلامية التي تبنتها المملكة أخيراً حراكاً إعلامياً محلياً في مجال العمل الإعلامي المشترك، ومن هذه المبادرات النوعية، مبادرة مركز التواصل الحكومي، الذي هو عبارة عن مركز تواصل متزامن ومتسق مع الأجهزة الحكومية، يسعى لتحقيق استراتيجية الإعلام الداخلي للمملكة، وتعزيز الشراكة والتواصل والتناغم بين الأجهزة الحكومية، ولعل هذه المبادرة التي تم عرضها في حفل إعلان الرياض عاصمة للإعلام العربي، تكون نواة لمشروع إعلامي عربي تكاملي تحت اسم «مركز التواصل العربي»، تتوحد من خلاله الرؤى والمسؤوليات الإعلامية بما يحقق الاستدامة والاستقرار للمنطقة، ويطور من أداء الإعلام العربي ليكون مواكباً للمستجدات، ومسهماً في التصدي للحملات الإعلامية المنظمة التي تتعرض لها المنطقة.

من عهدة الراوي:

إن التحولات الإيجابية التي شهدتها المنطقة العربية على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية، كافة أسهمت في إعادة ترتيب الأوراق والتعامل مع القضايا الحاسمة بشفافية، وتكوين التحالفات لمواجهة التحديات والمخاطر التي تحدق بالمنطقة، وهي اليوم في أمس الحاجة إلى القوة الرابعة إلى جانب القوى الثلاث، السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهذه القوة الناعمة هي اليوم جزء لا يتجزأ من المعركة مع الخصوم، فلا ينبغي أن نغفل سلاح الإعلام الذي يصل مداه إلى أبعد ما يمكن الوصول إليه، فالإعلام بمختلف وسائله وأدواته من أقوى الأسلحة التي تستخدمها الشعوب.