«الطريق إلى إيدا»... تشريح المجتمع الأميركي

الكاتب والناقد الأرجنتيني ريكاردو بيغلي (تويتر)
عبدالكريم الحجراوي |

لا يوجد للكاتب والناقد الأرجنتيني ريكاردو بيغليا، الذي ترجمت أعماله إلى أكثر من 30 لغة؛ سوى عملين ترجما إلى العربية: الأول «إرنستو جيفارا قارئ بلا حدود» (مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي) ترجمة وسام عبدالله، والثاني رواية «الطريق إلى إيدا» (سلسة الجوائز- للهيئة المصرية العامة للكتاب) ترجمة عبدالسلام باشا، وهي آخر رواية كتبها قبل رحيله في العام 2017م، عن عمر 76 عاماً. واللافت أن بيغليا ليس من دول العالم المتقدم، إلا أنه عنيَّ بقضايا هذا العالم الذي درّس في جامعاته لمدة 15 عاماً، وما يحيط به من ظواهر. وطوال صفحات الرواية نلحظ غياب الخصوصية للأفراد داخل هذا العالم المابعد حداثي، فالانفجار الاتصالي عن بُعد جعل الجميع تحت المراقبة، فحتى المخبرون أو المحققون الخصوصيون لم يعودوا يخرجون إلى الشارع، فكل ما يريدون البحث عنه موجود على إحدى الشاشات. وبطل الرواية يكتشف بعد مقتل «إيدا براون» أن حياته بأدق تفصيلاتها كانت تعرفها الشرطة، فحتى القاتل «مونك» نجح في جرائمه المتسلسلة نتيجة لأنه هرب إلى الطبيعة بعيداً مِن الأماكن التي غزتها التكنولوجيا. وترصد الرواية الكثير من الحركات التي تمرّدت على تغول الرأسمالي على الحياة، ورفضت القيم الأميركية التقليدية مثل «جيل البيت» وهم مجموعة من الكتّاب الذين رفضوا الاقتصاد الرأسمالي، وأقبلوا على تعاطي المخدرات، والعلاقات الجنسية الحرة، والشخصيات المتمردة مثل الجاتشو، والروائيين والكتاب الذي فضلوا العيش في حضن الطبيعة مثل العالم والروائي وليام هيدسون. «توم مونك»؛ ذلك الإرهابي الذي استمر في قتل علماء لمدة 20 عاما ولم تستطع أقوى أجهزة الشرطة والاستخبارات القبض عليه، إلا بعد وشاية أخيه، عاش منعزلاً عن العالم يحارب بمفرده ضد الرأسمالية العالمية. كان يوجه حربه إلى العلماء؛ لأنهم أدوات النظام التي يستعين بها في تدمير كل ما هو إنساني في المجتمع. وهو كان يستخدم المعلومات المتاحة في أي مكتبة معتبرة إلى حد ما، ويقرأ عبر الإنترنت تقارير الأبحاث المتاحة، وانطلاقاً من هذا يختار أهدافه. «مونك» المعجب بالفيلسوف الإنكليزي ليبنيز؛ الرياضي الذي بشّر بعالم مثالي متسق؛ يجد واقعاً متشظياً إلى أبعد حد، فيقرر إعلان الحرب على المتسببين في ذلك وهم ليسوا الساسة وإنما العلماء الذين يخترعون لهم تلك الأدوات. وهو الأمر الذي يتناوله ليوتار عند حديثه عن استخدام الدولة للعلماء وتجنيدها المبتكرين في معركة التسويق والربح. فالمعلومة في عصر ما بعد الحداثة لم تعد قيمتها تكمن في صدقها أو كذبها وإنما في قدرتها على إعلاء الناتج النهائي للنظام، وهل يمكن استخدامها أم لا، في شيء مادي حتى وإن ترتبت على ذلك أضرار جمة على البيئة، فالمهم هو المكسب. كما أن العلماء لا يترددون في تقديم العلم كمبرر الوجود الوحيد الذي بقيّ حياً عقب انهيار القيم، وهم بالتالي يعلنون ترشحهم لخلافة الكهنة. العلم لم ينتصر على الحقيقة المطلقة ولا الكهنوت ولا الساسة فهو أشد أعوانهم تخفياً، والفرق بين العلماء المستخدَمين من قبل النظام وغيرهم هو فرق توقيت، المخزون الاستراتيجي الذي لم يحن وقت استخدامه بعد. لذا كان من المنطقي عندما يريد «مونك» أن يشن حرباً على الرأسمالية أن يشنها على الفاعلين الحقيقيين المتسببين بحسب تصوره في الكوارث الإنسانية التي يعاني منها العالم.


ثورة «مونك» ضد العلم؛ «الكل يؤمن اليوم بالعلم، بشكل غامض يؤمنون أن الرياضيات والصناعة هما مصدر الرخاء والازدهار الماديين، هذا هو الدين الحديث»... «أيها السادة هدفنا السياسي يجب أن يكون المعرفة العلمية؛ على بنية هذه المعرفة تستند السلطة. سنصبح متمردين مثل بروميثيوس ورجال حقيقيين للأفعال عندما نكون قادرين على إلقاء قنابلنا الحارقة على الرياضيات والعلم». فالعلماء هم مَن ينتهكون الأخلاق باسم التقدم والعلم، هم يضفون الشرعية على عنف أي نظام باسم التقدم التكنولوجي والتجارب البيولوجية والحربية، بحسب القاتل المتسلسل. ومن جانب آخر عندما تم القبض على «مونك» بعد أبلغ عنه أخوه، تظهر ردود فعل متابينه حول ما فعله. فالحكومة تصفه بالإرهابي، ولكن هناك جماعات وحركات تصفه بالبطل، جاءوا من أماكن شتى من أجل مساندته، وانخرطوا في مسيرات مِن المثاليين القدامى، أبناء هيبيز، مدخني ماريغوانا، مدافعين عن الحيوانات، أنصار البيئة، نشطاء السلام، مناهضي العنصرية، نسويين، شعراء غير معروفين، حرفيين، مدافعين عن حقوق الإنسان، مدافعين عن الأقليات، موجة من المتمردين، ماركسيين فوضويين، ضد الحروب، ضد المفاعلات النووية...إلخ. فكل أصحاب القضايا الخاسرة والهزائم، فعل «توماس مونك» ما تمنوا أن يفعلوه هم.

في عصر ما بعد الحداثة من الصعب الحكم في شكل أخلاقي نهائي أو بعدالة بين الأطراف المتنازعة، فالسلطة في الرواية تصر على أنها تحتكر خطاب الحقيقة والحق، فهي تصور كل من يخرج عن النظام على أنه مجنون، مصاب بمرض عقلي، كي يتم التعامل مع أفكاره السياسية كهذيان، بينما مؤيدوه يطالبون بمحاكمة سياسية لا جنائية؛ «لا يمكن أن تأكل كعكته وتحتفظ بها في الوقت ذاته». كذا كوكب الأرض «الذي يفسده العلماء»، فما يفعله «مونك» له رجاحته، لدى المتعاطفين معه. فالمتظاهر الذي رفع لافتة «مونك يرسم الطريق» كان أول المتظاهرين الذين سحلتهم الشرطة. فما فعله «مونك» يهدد النظام الرأسمالي، فيما الفوضويون كانوا يعتبرونه سجين حرب، رهينة للرأسمالية. وفي الرواية؛ الطبيعة والحديث عنها يحتل حيزاً كبيراً، بما فيها من طيور وحيوانات، بالإضافة إلى قصص المستضعفين من الأفارقة أو المكسيكيين الذين يعانون مِن العنصرية. كما تظهر الرواية المجتمع الأميركي متعدد الثقافات والأعراق، والتشظي الموجود داخله في الفن والعمارة والموسيقى، وفي موت الحكايات أو الإيدلوجيات الكبرى، وتدهور القيم والإرهاب الذي أنتجه العالم الغربي. «مونك» لا يغتال الشخصيات السياسية، لأن ذلك يشكل جزءا ًمن الأهداف التقليدية للعنف الثوري، ولم يعد يدهش أحداً.

وهو لم يستهدف معبداً أو كنيسة لأن ذلك الغِل سيوصف على أنه كُره ديني، وأيضاً الاعتداء الإجرامي على مطعم أو مسرح سيفسر على أنه حقد رجل من دون عمل، أو فعل ساخط يريد الانتقام من المجتمع. «مونك» إرهابي أميركي؛ شخص جيد التعليم، مثقف أكاديمي، يأخذ قرار التخلي عن ممتلكاته ويرحل للحياة في غابة، بأناقة وبساطة راهب. وبناء على خبراته وتأملاته يقرر البرهنة على أن التمرد ممكن، أن رجلاً واحداً يمكنه وضع «إف بي آي» في حرج. كما أن عالم ما بعد الحداثة جعل الناس يحيون حياة العزلة والفردية، وقضى في صورة ما على التواصل الاجتماعي المباشر، وجعل بإمكان فرد واحد أن يقوم بعمليات إرهابية ضخمة من دون مساعدة من الآخرين، فكل شيء متاح.

وتكشف هذه الرواية أيضاً عن «ديموقراطية أدبية»، ففيها أجزاء تنتمي إلى النقد الأدبي وأخرى توثيقية، وفلسفية، وأحياناً سيرية، وهناك كذلك إحالات كثيرة إلى كتّاب آخرين، أما الجانب البوليسي فلا يظهر في الإثارة والتشويق لمعرفة القاتل بقدر ما يظهر في السؤال عن الأسباب التي أدت إلى هذه الجريمة.

قدّم عبدالسلام باشا ترجمة ناضجة لهذه الرواية الزاخرة بعوالم أدبية وواقعية متداخلة، بالإضافة إلى نقله لحيرة الكاتب تجاه اللغة... اللغة التي تشغل مكانة كبيرة في الفلسفة الما بعد حداثية حتى أنها لم تعد مصدراً يقينياً للتعبير عن العالم الخارجي، وتتغير معانيها حسب كل سياق تبعاً للخلفية المشتركة للمتشاركين في الحوار أو الخطاب.