«صناعة الاتجاه»

ساعد الثبيتي |

تتباين الجدارات القيادية التي يجب أن تتوافر في القائد من حيث الأهمية، فلكل وظيفة جدارات خاصة، عبارة عن مجموعة السمات والخصائص بعض منها فطري والجزء الأكبر منها مكتسب بالممارسة والتأهيل والتدريب. وتأتي جدارتا صناعة الاتجاه وقيادة التنفيذ على قمة هرم الجدارات التي يجب أن تتوافر في أي قائد نتوقع منه أن يحدث التأثر في المنظمة بطريقة مختلفة.


ومصطلح الجدارات ليس مصطلحا جديدا من حيث الظهور، فقد ظهر عالمياً في نهاية الخمسينات الميلادية، إلا أنه عربياً يعد من المصطلحات التي لم تستخدم بكثرة إلا خلال السنوات الأخيرة، عندما أصبحت بعض الشركات الكبرى تهتم بالجدارات التي تمكّن الموظف من تحقيق معدلات أداء متميزة وقياسية تفوق المعدلات العادية، وتبعتها بعض المؤسسات الرسمية في تحديد حد أدنى من الجدارات التي ينبغي أن تتوافر في موظفيها.

وتختلف الجدارات باختلاف المهام الوظيفية، فجدارات الموظف العادي غير الجدارات القائد المعني بقيادة دفة المنظمة والتخطيط لها استراتيجياً ومتابعة تنفيذ هذه الخطط، ولعل جدارة صناعة الاتجاه من أهم جدارات القائد الذي ينطلق في قيادته للمؤسسة من بعد نظر وتبصّر بالمستقبل، يستطيع من خلاله تحديد رسم الصورة المستقبلية وطموحات المنظمة، وتحديد الأولويات وتوجيه العاملين إلى تحقيق هذه الصورة وفق منهجية واضحة لكل فرد معه.

ولعل من أبرز المهارات التي يجب أن تتوافر في القائد اليوم القدرة على الفهم العميق لبيئة العمل الحالية بكل مكوناتها وتحديد أهداف بعيدة لمنظمته، وتحويل هذه الأهداف إلى مهام عمل ينخرط كل الفريق في تنفيذها، واستثمار الموارد والإمكانيات المتاحة كافة لتحقيق الأهداف بعيدة المدى.

وجدارة صناعة الاتجاه في التخطيط الاستراتيجي تكّمن أهميتها في جعل القائد يتمكن من تحديد نقاط القوة والضعف في منظمته، وكذلك الفرص المتاحة لها والمهددات والتحديات التي تواجهها بطريقة علمية من خلال منهجيات تحليل بيئة العمل المعروفة، ومن ثم توظيف هذه النتائج والعمل على تعزيز نقاط القوة لخفض نقاط الضعف، واستثمار الفرص المتاحة لمواجهة المهددات والتحديات التي تواجها.

إن ثقافة التخطيط الاستراتيجي في المؤسسات الحكومية يجب ألا تقتصر على المخططين الاستراتيجيين الذين تسند إليهم مهام رسم الخطط الاستراتيجية في تلك المؤسسات؛ بل ينبغي أن يتشرب جميع العاملين في المؤسسات هذه الثقافة وينخرطون فيها كونهم العنصر الأساس الذي يسهم في تحقيق النجاح، وهو عنصر الموارد البشرية. والتخطيط الاستراتيجي الصحيح ينطلق من تحليل الواقع بمنهجية علمية واستشراف للمستقبل ورسم للأهداف، وبناء المبادرات المحققة لها وينتهي بالمتابعة والتقييم.

من عهدة الراوي:

بات من الضروري الاهتمام بصناعة القادة وتأهيلهم، وهذا لم يعد خيارا لكثير من المؤسسات التي كانت ولا تزال تختار قادتها بناء على توصيات ومعايير غير ممنهجة، ولعل وزارة التعليم السعودية التي أطلقت أخيراً مشروعاً نوعياً لتأهيل قادة المستقبل وفق منهجيات علمية بدأت بالترشيح ومن ثم التأهيل تمهيدا للتمكين؛ قد استشعرت أهمية صناعة القادة المؤهلين الذين سيكونون في موقع صنع القرار خلال السنوات القادمة، وهذا البرنامج الذي شرفت بأن أكون أحد المنتمين إليه مزيج من تجارب عالمية رائدة ورؤية خاصة للوزارة تتماشى مع رؤية المملكة 2030.