«القيصرية» تنقل التعامل الاقتصادي والاجتماعي لزوار «بيت الخير»

سوق القيصرية في مهرجان الجنادرية. (الحياة)
الدمام – محمد الشهراني |

تمثل سوق القيصرية في «بيت الخير» في المهرجان الوطني للتراث والثقافة «الجنادرية 33»، نقطة جذب للزوار الذين يستمتعون بمتابعة الحرفيين في دكاكين القيصرية. وتقدم السوق، التي شيدت بالتصاميم المعمارية والشكل الهندسي للسوق في محافظة الاحساء، نبذة عن الحركة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.


القيصرية إحدى أشهر الأسواق التاريخية الأثرية الخالدة على مستوى منطقة الخليج العربي، وتقع وسط مدينة الهفوف، ويعود تاريخ بنائها إلى حوالى عام 1238هـ، وتضم 422 محلاً، غالبيتها دكاكين صغيرة مُستأجرة من التُجَّار والأهالي، وهي عبارة عن صفوف من المحال تقع في ممرات مغلقة ومسقوفة.

وذكر كتاب «سوق القيصرية» للمهندس عبدالله الشايب مدير فرع جمعية علوم العمران في الأحساء، وأحد المهتمين في التراث، أن السوق موجودة منذ حوالى ستة قرون مع تاريخ وجود الاستيطان حوله، ومن ثمَّ إنشاء الهفوف، إلا أنها من المؤكد أن هذه السوق كانت قائمة في القرن التاسع عشر، إذ ذكره الرحالة في مذكراتهم، وتوجد وثائق تدل على ذلك.

ويتكون القيصرية من مجموعة دكاكين صغيرة ومتقابلة، وفيه رواق خارجي للمواد الغذائية، كما يباع عند البدو ثياب مخاطة يدوياً، ويضم السوق «الحواويج» والعطارين الذين يبيعون أدوات العطارة، والأدوية الشعبية والتُراثية القديمة، وكان يمثل أهمية كبرى لدى كبار السِّن وأهل الحشمة الذين لا يلبسون ثيابا إلا تلك المخاطة باليد، أمَّا بعضهم الآخر فكان يشتري ثيابا مخاطة بالماكينة التي جلبت إلى الأحساء في الخمسينات.

أمَّا هيئة الدكاكين في القيصرية فهي عبارة عن محال وأبواب من ثلاثة قطع، قطعتان يجلس عليها صاحب الدكان، وقسم مُتدلِّي إلى الأسفل، والقسم الثالث فيرفع إلى أعلى وتوضع خشبة لها في الباب محل في الحائط. وتسمى أبواب القيصرية «كبنك» وتتألف من ثلاث قطع، قطعتان يجلس عليها صاحب الدكان، ويضع فيها (القِّفَّة) المصنوعة من جريد النخل، ويضع فيها الأرز، والقهوة، وهذا النوع من الأبواب كانت تتميز به قيصرية الأحساء عن بقية القيصريات المنتشرة في الخليج.

وتشكل القيصرية إرثاً تقليديا للثقافة بوجود الحرف المهنية ومنتجاتها، وتعتبر بيئة عمرانية تسويقية لضخامة المبنى وتشعباته وطوله المُمتد من الجنوب حتى الشمال، كما يمثل نموذجا فريدا على مستوى الجزيرة العربية من حيث التصميم المعماري. ويتضح من خلال البناء قِمَّة الدقة في استخدام المواد كأسقف الكندل، والتي كانت تزهو بألوانها من الباسجير ووقايتها ضد العوامل الجوية والعثَّة مما جعلها تُقاوم وتطول.

وتتميز ممرات القيصرية بارتفاعها لتشكل ارتياحا للمرتادين والاستفادة من ذلك للتهوية والإضاءة الطبيعية. وطابعه المعماري محلِّي مُميَّز سواء في تشكيلة الأسقُف المُلَّونة أو الأبواب المستخدمة ذات الانكسارات (أعلى وأسفل) ليعرض ويعلق عليها البضاعة أو تلك الأبواب إلى تشرع الجانبين واستخدام المسامير المقببة، وتشكل القيصرية نموذجا فريداً في تخطيط وتصميم الأسواق على مستوى الجزيرة العربية.

وتختلف وتتنوع البضاعة المعروضة في السوق، إذ توجد الصناعات التقليدية: البشوت، والعبايات، والصناعات النحاسية، إلى جانب المنتجات الحديثة، ومنها: المواد الغذائية، والأحذية، والعطور، والملابس، والأقمشة، والساعات، ومحال الصرافة تحت سقف واحد.

ويرى الشايب أن القيصرية شكَّلت إرثاً اجتماعياً بتوارث الباعة والحرفيين فيها، وأعطت نموذجاً للتواصل الاجتماعي من طريق التقارب في المحال، ولذلك مثل السوق مكانة كبيرة في نفوس الأحسائيين خصوصاً، وأهل الخليج بشكل عامة.