في ذكرى ميلاده الـ107: كيف ردَّ المصريون على محاولة اغتيال نجيب محفوظ؟

نجيب محفوظ.
القاهرة – مصطفى طاهر |

حين شارفت تسعينات القرن الماضي على الانتصاف، كانت محاولات الجماعات التكفيرية في مصر لوضع المجتمع تحت حصار الإرهاب، تنهار؛ إذ تواصل سقوط رموزها تحت طائلة القانون، إضافة لرفض المجتمع لها، ما أصابها بالجنون. وفي ظل محاولات يائسة أخيرة، جاء يوم من أكثر الأيام سواداً في تاريخ الأدب العربي. 14 تشرين الأول (أكتوبر) 1994م، وتحديداً في عصر ذلك اليوم (الجمعة). نجيب محفوظ أول أديب عربي يتوج بجائزة نوبل في الأدب، كان يقف أمام منزله في ضاحية العجوزة، غرب القاهرة، استعداداً لركوب سيارة صديقه فتحي هاشم ليتوجها إلى اجتماع "الحرافيش" الأسبوعي. يد غادرة تمتد إلى الرقبة التي تحمل الرأس الاستثنائية، التي رسخت الهوية المصرية بمشروعها الأدبي الكبير. كان محفوظ قد خرج لركوب السيارة، واستدار فتحي هاشم ليتولى القيادة، قبل أن يسمع صرخة عالية من محفوظ. وتمثلت عناية الله في أن تكون هذه الواقعة قرب مستشفى الشرطة، حيث تم إسعاف محفوظ، وإنقاذ حياته، إلا أن الحادث ترك أثره عليه لسنوات بعدها. تاريخ الواقعة جاء مقصوداً، فذلك اليوم كان الذكرى السادسة لحصول محفوظ على نوبل، وهو ما ظنَّ التكفيريون أنه كان مكافأة للكاتب الكبير على رواية "أولاد حارتنا" التي كفروه بسببها مراراً وتكراراً. ورغم أن الأكاديمية السويدية قالت في حيثيات فوز محفوظ بنوبل "إنه في روايته غير العادية "أولاد حارتنا" التي كتبها عام 1959م تناول بحث الإنسان الدءوب عن القيم الروحية، وإنها تتضمن أنماطاً مختلفة من الأنظمة تواجه توتراً في وصف صراع الخير والشر"، إلا أن ذلك العمل الأدبي لم يكن السبب المركزي في حصد محفوظ لنوبل. كما أن "أولاد حارتنا"، ليست السبب المركزي في محاولة الإرهاب اغتياله، فقد كان منهج محفوظ ضربة قاصمة تنزل على رأس التطرف والجهل. ورغم أن محفوظ سأل متعجبا قاضي التحقيقات في الواقعة، عن سبب الاعتداء عليه، إلا أن أديب نوبل كان يدرك داخلياً سبب الطعنة، وكان يعلم بخطورة مشروعه الأدبي، على المتطرفين وصانعي الإرهاب.


التفاف المثقفين حول "عمود البيت"، كانت عنواناً للمسافات الكبيرة ما بين رقي محفوظ، وانحطاط من حاولوا قتله. اقترب الشابان من السيارة، فابتسم لهما محفوظ ومد يده بالمصافحة، كما تعود أن يفعل مع محبيه في المقهى أو على كورنيش النيل في جولات المشي المعتادة. ولكن اليد الممتدة بالسلام لم تتمكن من تفادي طعنة غادرة.

في حوار أجراه الكاتب محمد سلماوي مع المتهم الأول، محمد ناجي محمد مصطفى، نشر في مجلة "الثقافة الجديدة"، قال ناجي إن "الجماعة الإسلامية" كلفته بقتل صاحب نوبل.

وحكى الشاب لسلماوي عن رحلته مع التطرف، بعد أن كان يعمل فنياً لإصلاح الأجهزة الإلكترونية، وحصوله على الشهادة المتوسطة، ثم انجرافه في قراءة الكتب الخاصة بالجماعة الإسلامية، في طريق ما وصفه بالاتجاه إلى الله، فكانت تلك الكتب المتطرفة، التي تروج للجهالات، هي الطريق الذي لفت التكفيريين له ليضموه إلى صفوفهم.

لم يقرأ فتحي أياً من أعمال نجيب محفوظ، وقام بمحاولة الاغتيال، لأنه ينفذ أوامر أمير الجماعة، والتي أصدرها، بناء على فتاوى "عمر عبد الرحمن". يأتي كتاب "سلماوي" الصادر تحت عنوان "في حضرة نجيب محفوظ"، من أفضل ما صدر ووثق لتلك المحاولة التي تصلح للاحتفال بها عيدا للجهل.

لم يكن غريبا أن يكون رد الشاب الجاهل على محمد سلماوي بأن محفوظ سامحه على جريمته، بأن الأمر لا يعنيه ولا يغير من الأمر شيئا، وقال نصا: لقد هاجم نجيب محفوظ الإسلام في كتبه، لذا أهدر دمه، وقد شرفتني الجماعة بأن عهدت إلي بتنفيذ الحكم فيه، فأطعتُ الأمر! وإذا كان الجهل على هذا الإصرار عام 95، فإن التنوير كان يملك رجالا يدافعون عنه بنفس الإصرار عام 59، حين بدأت "الأهرام" نشر رواية "أولاد حارتنا" على حلقات، فقامت الدنيا قبل الانتهاء من نشر الرواية، تطالب بمحاكمة محفوظ ووقف النشر، ولم يرضخ الأستاذ الكبير "محمد حسنين هيكل" رئيس تحرير الأهرام في ذلك الوقت، وقام بنشر الرواية كاملة، قبل أن تنشرها دار الآداب اللبنانية في بيروت. الشيخ محمد الغزالي، الذي هاجم "أولاد حارتنا" وقت صدورها، وقدم تقريرا ضدها للرئيس عبد الناصر في الخمسينات، كان له موقف رائع في التسعينات، عندما زار محفوظ في المستشفى، وقال إنه ضد محاولة الاغتيال بكل تأكيد، فالإسلام دين السماحة والعقل والتفكير، كما هاجم الشيخ الغزالي كلا من الشيخ كشك والشيخ عمر عبدالرحمن، ووصف الغزالي عمرعبد الرحمن، بأنه إنسان مريض.

حجم تأثيرات محاولة الاغتيال لم يتوقف على محفوظ، أو حتى على الوسط الثقافي أو المجتمع المصري فقط، بل امتد إلى النيابة وجهات التحقيق نفسها، فإذا كان المستشار أشرف العشماوي كان قاضيا للتحقيقات في القضية وقتها، فقد تحول القاضى إلى روائي شهير حاليا، له من الإنتاجات الأدبية عدة روايات، أشرف العمشاوي تذكر وقائع التحقيقات قبل ما يقرب من ربع قرن قائلا، وقت الجريمة لم أكن أعرف بعد أبعاد وملابسات الحادث، وبالتالي لم يدر بخلدي على الإطلاق أنني سأكون أحد محققيه الذي سيسمع أقوال نجيب محفوظ باعتباره المجني عليه، لم تكن رواية "أولاد حارتنا" حديثة الصدور حتى نضعها على قائمة الدوافع لارتكاب الجريمة، فغرقت في حيرة مع زملائي بالنيابة حتى ظن بعضنا أن مرتكب الحادث شخص مخبول ممن يهوون الشهرة على الطريقة الأميركية، ويوم لقائي مع محفوظ كان قد مر على محاولة الاغتيال بضعة أسابيع، ظللت أتحدث معه في أمور عادية، وبدا لي أنه مسرور لعدم استجوابه، كان يكفي أن ألقي سؤالاً بسيطاً أو أفتح موضوعاً عاماً ليفضفض بتلقائية، تركت له المساحة ليتكلم وحده، فنحن في حضرة الأستاذ، وكان مجمل حديثه يدور حول قلقه على حال مجتمع ينزلق نحو هاوية التخلف والرجعية، طال الحديث وتشعب، فى النهاية كان لابد من إجراء التحقيق وسماع أقواله لكن وقتها أخبرني الطبيب أن بقائي أكثر من ساعة معه يرهقه، فغادرت كما أتيت بأوراق بيضاء لم أدوّن فيها حرفاً.

ضيف العشماوي: عدت لمكتبي وأجّلت التحقيق لبعد غد، وفي اليوم المحدد ذهبت بصحبة محقق وزميل آخر، كنت قررت ألا أسأله بنفسي وطلبت ذلك من رؤسائي، تولى زميلي رئيس النيابة مهمة سؤال محفوظ عن متهمين لم يرهم الأستاذ ولا يعرفهم ولا حتى يريد تذكر ملابسات الحادث برمته، و تفرغت أنا لمراقبته وتأمل تعبيرات وجهه، ما بين التأثر والانفعال والحزن والمرارة وعمق النظرة والقراءة لحادث رأى أنه بداية لإرهاب قادم لا نهاية قريبة له إذا ما خفتت شمس التنوير.

الحادث المؤسف تسبب في توحد الصف الثقافي المصري خلف أديب نوبل، وفي الوقت الذي كان محفوظ يقاتل من أجل حياته داخل غرفة العمليات بمستشفى الشرطة بالعجوزة، والفترة التي قضاها بعد ذلك في المستشفى، كان الوسط الثقافي بإنتاجاته يعبر عن حالة الغضب من محاولة الاعتداء على أديب نوبل، فقدمت مجلة "الهلال" أعرق المجلات العربية، ملفا خاصا، تضمن قصصا تخيلية للجريمة، وقدم عرضا كاملا لمشروع محفوظ، والأسباب التي تقود إلى اصطدامه بالتكفيريين.

5 ساعات كاملة قضاها محفوظ في غرفة العمليات بين الحياة والموت، بعدما تسببت الطعنة في قطع شريان رئيسي للنجيب، وخرجت السيدة عطية الله إبراهيم، زوجة ابن الجمالية، لتطلب من مُحبيه الدعاء، كشفت الصحافة وقتها الخطة الرئيسة للاغتيال، كما جاءت في الاعترافات، كان مقررا أن تذهب مجموعة إلى بيت نجيب محفوظ، على أنهم من المعجبين بكتاباته، ويُحضرون معهم ورد وشيكولاتة، ثم يحاولون أن يفعلوا فعلتهم، ولكن عندما طرقوا الباب، قالت لهم الزوجة إنه غير موجود، وإنه لا يُقابل أحدًا في بيته، وأخبرتهم إنهم بإمكانهم مقابلته غدًا في ندوته بالتحرير.

قضت المحكمة العسكرية في تلك القضية بإعدام محمد ناجي محمد مصطفى، ومحمد خضر أبو الفرج المحلاوي، والحكم على عمرو محمد إبراهيم، حسين علي بكر، بالسجن المشدد، وبالأشغال الشاقة لمدة سبع سنوات على ياسر أبو عطية، والثاني عشر عبد الحميد محمد أبو زيد، وبالسجن خمس سنوات على المتهم السادس علي جمعة علي، وبالسجن ثلاثة سنوات على كل من المتهم الثامن مصطفى عبد الباقي، والتاسع أحمد حسن أحمد، والثالث عشر محمد معوض عبد الرحمن، والخامس عشر فيصل شحاتة محمد، كما قضت ببراءة كل من المتهم السابع عبد الناصر جمعة علي، والرابع عشر علي حسن سباق، والسادس عشر صلاح محمد محروس.

بعد تلك المحاولة البائسة لاغتيال ابن الجمالية، توقف نجيب محفوظ عن عادة المشي على النيل يوميا بسبب الظروف الصحية، ولكن المصريين لم يتوقفوا عن السير في نهر نجيب محفوظ، وواصل الوسط الثقافي المصري طريقه في مقاومة جماعات التكفير وإبعاد فكرهم عن قلب المجتمع المصري، ومازال 14 أكتوبر، يوما للاحتفال بذكرى حصد أول أديب عربي جائزة نوبل، طاغيا على ذكرى أليمة حاولت فيها يد جاهلة إيقاف النهر عن السريان في مجراه.