السيد المشهور!

علي القاسمي |

من المغريات التي يهتف بها الجيل الجديد ويجري لها مصطلح «الشهرة»، ولعل حلم أن يكون أحد أفراد هذا الجيل شخصاً مشهوراً هو حلم بات في المرتبة الأولى، وبرفقته تؤجّلُ أو تركل بقية الأحلام ذات الأهمية والجدوى والنفع على المدى الطويل، الشهرة عنوان فضفاض مطاطي ذهب بشريحة كبيرة إلى دوائر ضيقة وتسطيح للوعي العام وكذلك جلبٍ لتركيبة تأثير لا تسمن ولا تغني من جوع.


لا أعرف بالضبط من الذي سمح بتعبئة المجتمع بسيل مربك من الصنف الغريب الذي اقتنع الوعي الشعبي على تسميتهم بالمشاهير والسير بهم ومعهم إلى طرح هابط يؤذينا ويقدمنا بشكل لا يليق بنا ولم يكن منتظراً على الإطلاق، ولعل من أجمل العبارات التي تستحق التدقيق والتركيز والعبور الحاد في هذا الإطار تلك العبارة التي تقول «نحن مَن يصنع مِن الحمقى مشاهير»، هذا الحمق بات متفشياً وأسهمت وسائل التواصل الاجتماعي ومهرجانات التكرار ومناشط الترفيه في تعزيزه وترويجه والمضي به بوصفه شيئاً طبيعياً وامتدادا لما يطلبه المتابعون والمهتمون.

نعود لحلم الشهرة الذي أصبح رائد الإغراء والإغواء، مع هذه العودة نتساءل ما هي القيمة الحقيقية للشهرة، لا سيما إن كانت مستندة على فراغ عقلي وضجيج متواصل وحكايات تمد العابر عليها -عن طريق المصادفة- بالإحباط وخيبة الأمل، فماذا عن الذي يتعايش معها فعلياً ويجد فيها المتعة وتغيير الجو العام من دون أن يعرف أنه سيكبر يوماً وتكبر معه كرات الندم في أن أضاع شيئاً عظيماً يدعى الوقت من أجل بالون وقتي أيضاً اسمه السيد المشهور.

الشهرة التي يقاتل لأجلها جيل مهووس بها هي شهرة تعود بصاحبها ومجايلوه للوراء، وتصنع أوهام لا يستفيق منها الفرد إلا في لحظات متأخرة جداً، ولا يمكن أن نصف كائناً «ما» بكونه مشهوراً وهو يسهم في هبوط أخلاقي أو سلوكي ويروج لمفردات موجعة ويؤسس لمفاهيم مختلة ويستمر في هذا المسار من دون أن يكون ثمة ضابط أو فرز جاد لئلا نتحول في غمضة عين لطوابير من الضاربين بكل شيء عرض الحائط والذاهبين بالوعي الى صناديق المجهول.

الاعتقاد بأن الحماقة والسلوكيات المنحرفة والألفاظ المائلة هي أسس الشهرة اعتقاد يمشي في الجيل الحالي ببطء ويضعهم في خانات ضيقة وطموحات مخجلة، ويؤخرهم كثيراً عن اللحاق بزمن لا ينتظر الحمقى ولا المتمددين أمام من يسرق جيوبهم وعقولهم في أن واحد بحجة أنه ينتمي لطوابير المشاهير التي تعتبر أرخص الطوابير في وقتنا الحالي وهذا الطابور بكل صراحة وصدق بات محملاً بحمقى كثر كان رزقهم بيد أفراد جعلوا منهم شيئاً من دون أن يعرفوا أن ذلك أمر محزن مستفز وموجع.

@alialqassmi