أوروبا تعتبر الأئمة الأتراك أذرعة لأردوغان

كرم سعيد |

أعلن عدد من النواب الألمان نهاية كانون الأول (ديسمبر) الماضي؛ بدعم من المحامية الألمانية ذات الجذور التركية سيرين أطيش، توجههم لفرض ضريبة على المساجد في ألمانيا؛ أسوة بما هو مطبَّق على الكنائس. وبحسب هؤلاء النواب، فإن مشروع القانون يستهدف «تحرير الإسلام في ألمانيا من تأثير دول أجنبية وتعزيز التوجه المحلي للمساجد... ضريبة المسجد ستكون خطوة مهمة نحو ذلك». وجاء هذا التوجه في ظل تصاعد الأدوار السلبية للأئمة المتشددين في ألمانيا، وبخاصة الأتراك التابعين للاتحاد الإسلامي التركي «ديتيب». وتزامن هذا التحرك مع توجهات سلبية، وأعمال تخالف القانون يقوم بها الخطباء المتشددون بعيداً عن القانون، «ما يسهم في انتشار العنف». وتراجعت الصورة الذهنية للاتحاد بعد تورط أعضائه في فضائح تجسس في ألمانيا لمصلحة تركيا، ما دفع برلين إلى التضييق على أنشطة الإتحاد، ومشاريعه. وألغت حكومة ميركل في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي الدعم الذي كانت تقدمه لمشاريع «ديتيب». في سياق متصل، وعلى خلفية محاولات اليمين المتشدد في ألمانيا محاصرة نفوذ الأئمة الأتراك، شهد العام الماضي هجمات متكررة على منشآت تركية في برلين وشتوتغارت ومدن أخرى، وبخاصة احتراق مساجد وجمعيات ومطاعم يديرها أتراك.


وتحولت الأنظار إلى الاتحاد، بعد أن انتشرت مقاطع فيديو تصور أطفالاً في مساجد تابعة له يمثلون مشاهد لمحاربين يحملون رايات تركية، ودفع هذا «الهيئة الاتحادية لحماية الدستور» إلى فرض الرقابة الاستخباراتية على «ديتيب»، الذي تأسس في العام 1924، بهدف «الحفاظ على الإسلام في الجمهورية التركية العلمانية». لكن في عهد أردوغان تحوَّل إلى أداة سياسية لتعزيز مصالح حزب «العدالة والتنمية»، وترويج خطاب سياسي يستدعي إرث العثمانية القديمة، ومحاولة إحياء مظاهرها في ثوب جديد.

كما لم تكن حتى وقت قريب وظيفة DITIB سياسية صريحة، ولكن مع تآكل الرصيد الجماهيري للرئيس أردوغان وسط الكتل التصويتية للمهاجرين الأتراك في أوروبا، بدأت يظهر كإحدى أذرع الرئيس التركي. الاستخدام السياسي للأئمة الأتراك في أوروبا، يتجلى في ترويج خطاب سياسي يستدعي إرث الدولة العثمانية، ومحاولة إحياء مظاهرها، خصوصاً أن أردوغان يرى أن هناك عدداً من دول أوروبا تُعد امتداداً للوجود التاريخي العثماني. في هذا السياق لا يمكن النظر إلى قرار ألمانيا بفرض «ضريبة مسجد»، وكذلك إعلان فرنسا في قبل نحو عام استبعاد الأئمة القادمين من تركيا، والبحث عن آليات لتأهيل مُتخصصين في «الإسلام المُعتدل»، بعيداً من توجهات السلطة في تركيا لـ»أسلمة المجتمع». كما لا يمكن فصل مواقف الدول الأوروبية بشأن الخطباء الأتراك عن التوجه العام للاتحاد الأوروبي الذي قضى بتجميد مفاوضات عضوية تركيا منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 في ظل تماهي أردوغان مع التيارات المعادية للعلمانية.

والمخاوف الأوروبية في هذا الصدد ليست جديدة، ففي شباط (فبراير) 2015 وافق برلمان النمسا على مشروع قانون ينص على إخلاء البلاد من الأئمة الأتراك العاملين في مساجد تابعة لفرع الاتحاد الإسلامي التركي DITIB هناك، والامتناع عن استقبال أئمة جدد من تركيا. كما تفحص النمسا حالياً ملفات رفعها النائب عن حزب «الخضر» بيتر بيلز، ويتهم فيها فرع DITIB بالتجسس لصالح أنقرة. وأكد بيلز حيازته معلومات تثبت ضلوع DITIB في مراقبة عناصر من جماعة «خدمة» إضافة إلى أكراد وصحافيين معارضين. وفي العام الماضي ألقت الاستخبارات الألمانية القبض على أئمة من DITIB موالين لأردوغان، وبحوزتهم قوائم بمشتبه فيهم من أنصار غولن، تم تقديمها للسلطات التركية.

وتعد DITIB المنظمة الأكبر للجالية التركية المسلمة في أوروبا وتتبع مباشرة أنقرة، وتدير شؤون نحو 900 مسجد وجماعة دينية في ألمانيا إضافة إلى إدارة مساجد في النمسا وفرنسا وغيرها. وكانت صحيفة «دير شبيغل» الألمانية قد أكدت أخيراً، أن أردوغان يستخدم DITIB كجزء من شبكات التحكم في الأتراك المغتربين من أجل أهدافه الخاصة. ويلاحظ أن التعاطي السلبي مع الأئمة الأتراك يعود في جانب معتبر منه إلى شكوك أوروبية في الخطاب المؤدلج، فضلاً عن الحرص على ضمان تلبية متطلبات الاندماج في المُجتمعات الغربية، وضمان التنوع الثقافي بجوار الحفاظ على مبادئها العلمانية.

وفي هذا السياق، تتجه فرنسا إلى إغلاق بعض المساجد التي يديرها أتراك، وسبق أن خفضت منذ العام 2016 عدد الأئمة القادمين من تركيا بمعدل 5 موظفين سنوياً. ولم تكن الإجراءات الفرنسية في إطار مكافحة التشدد التركي لتقتصر على ما سبق، إذ علقت فرنسا مطلع العام الماضي إعلان نيات كانت وقَّعته مع تركيا في العام 2010، يتضمن زيادة تدريجية لعدد الأئمة حتى يصل إلى 151 إماماً بنهاية العام نفسه.

ويكشف الرفض الأوروبي لسلوكيات تركيا عن تراجع مضطرد في إعجاب الغرب بنموذج «العدالة والتنمية» الإسلامي، والذي ادعي وقت ولادته أن فكرة برنامجه السياسي مستلهمة من الحزب المسيحي الديموقراطي في ألمانيا، فكسب بذلك رضا واشنطن التي رأت ضرورة دعمه باعتباره تجربة تقدم «نموذجاً متوازناً».

• كاتب مصري.