الدراما اللبنانية تنهض من تحت الرماد

مسلسل ثورة الفلاحين
شيرزاد اليزيدي |

يمكن القول بشيء من المجازفة المخففة إن الدراما اللبنانية تستعيد عافيتها شيئاً فشيئاً، وباتت في موقع تنافسي وريادي حتى وسط الخريطة والمعترك الدراميين العربيين .


ففي الآونة الأخيرة يسطع نجم جملة مسلسلات وأعمال درامية من بلاد الأرز مثل «كارما» و «حبيبي اللدود» و «ثورة الفلاحين»... أعمال عرضت وتعرض على الشاشات اللبنانية خصوصاً، والعربية عموماً، تؤشر الى هذه الحقيقة بلا لبس اذ ثمة نتاجات مبدعة ومبهرة لدرجة يخال المشاهد نفسه أمام مسلسلات غربية وعالمية، بخاصة مع تشابه عوالم الدراما اللبنانية معنى ومبنى مع عوالم وأجواء درامات عالمية أوروبية ولاتينية غزت وتغزو الشاشات العربية وان في رداء مدبلج.

فنحن حيال أنماط عيش وتفكير وتدبير وحبكات وحكايا درامية انسانية وجمالية تعكس اختلاف لبنان وتمايزه عن المحيط، اذ ثمة تقاليد ديموقراطية ما بالمعنى العريض تتمظهر في طرائق انتظام الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والفنية التي تتمتع بهامش واسع من الحريات والانفتاح رغم كوّن البلد يعيش في منطقة متخمة بالقلاقل والأزمات الوجودية الحادة ورغم كل ما يعانيه هو ذاته من مشكلات بنيوية تتصل بطبيعة تكوينه التعددي المتضاد مع أجندات القوى الإقليمية المتضاربة والمتصادمة

فيه وعليه.

فلبنان لطالما كان مهد الصحافة والطباعة والفن في عموم المنطقة، بخاصة خلال حقب الستينات والسبعينات والى ما قبل اندلاع الحرب الأهلية - الإقليمية التي ضربت بتأثيراتها التدميرية الصناعة الثقافية والفنية والإعلامية بطبيعة الحال، ما انعكس تردياً وتراجعاً حادين في مختلف مضامير الإبداع في البلد الذي بات حينها وجوده ككيان على المحك، ناهيك عن سينماه ودراماه

وصحافته.

ولعل أكثر القطاعات الفنية تضرراً وتعطلاً بفعل هذا الواقع المؤسف كان القطاع الدرامي. فليس سراً ان دراما الأرز كانت طيلة أعوام وأعوام وحتى فترة قريبة نسبياً في حال من الموت والجمود والتخشب لجملة عوامل متداخلة جذرها الأول كما سبقت الإشارة اضطراب الوضع العام في البلد وانعدام الاستقرار السياسي والأمني فيه على وقع الانقسامات الداخلية الحادة باستطالاتها الإقليمية والخارجية.

لكن طبيعة المجتمعات التعددية والمنفتحة المالكة لتقاليد راسخة لجهة متانة البنى التحتية المؤسسة لحيواتها ودينامياتها الثقافية والفنية الحيوية تفيد أنها مهما مرت بحالات مد وجزر لكنها كما طائر الفينيق (لا تخفى هنا الخلفية الفينيقية التكوينية للبنان التاريخي) تنبعث حية من تحت الرماد نحو فضاءات الإبداع والاستئناف والتحقق.