عالمية الإسلام والعولمة الغربية... نظرة مقارنة

علي عفيفي علي غازي |

يقترب مفهوم العولمة الغربية، الذي يعود بجذوره إلى الحرب العالمية الثانية، في ظاهره من معنى العالمية الذي جاء به الإسلام، وأكده القرآن في الكثير من سوره، مثل قوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» (الأنبياء: 107)، «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا»، (سبأ: 28)، «تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً» (الفرقان: 1)، «إن هو إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين» (ص: 87،88). ويؤكد ذلك أن الإسلام دين للعالمين، وأن كل البشر في منظور الشريعة عباد لله، فالله الواحد هو رب الناس جميعًا.


ويلاحظ أن دعوة الإسلام عالمية الهدف والغاية والوسيلة، ويرتكز الخطاب القرآني على توجيه رسالة عالمية للناس جميعًا، ووصف الخالق عز وجل نفسه بأنه «رب العالمين»، وعلى هذا فإن حضارة الإسلام قد قامت على القاسم المشترك بين حضارات العالم، فقبلت الآخر وتفاعلت معه أخذًا وعطاءً، بل إن حضارة الإسلام تعاملت مع الاختلاف بين البشر باعتباره من حقائق الكون، لذلك دعا الخطاب القرآني إلى اعتبار فوارق الجنس والدين واللغة من عوامل التعارف بين البشر، واتساقًا مع نفس المبادئ، يوحد الإسلام بين البشر جميعًا رجالاً ونساءً، في جزئيات محددة: أصل الخلق والنشأة، والكرامة الإنسانية، والحقوق الإنسانية العامة، ووحدة الألوهية، وحرية الاختيار وعدم الإكراه، ووحدة القيم والمثل الإنسانية العليا.

البداية الحقيقية والعملية لدعوة الإسلام العالمية هي هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وكان أول عمل قام به في دولته الوليدة مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار كدعوة لإعلان المساواة بين البشر جميعًا فلا تمايز بينهم إلا بالتقوى دون أدنى اعتبار لأصل أو جنس أو لون. ثم كانت الخطوة المحورية التي كانت بمثابة الأساس القوي المتين لبدء الدعوة العالمية وهي إصداره صلى الله عليه وسلم للعهد النبوي المسمى «بعهد الموادعة» أو «وثيقة الموادعة» كأول دستور في الإسلام معترفًا بتعايش الأديان المختلفة جنبًا إلى جنب مع الإسلام، فالدين الإسلامي ليس قاصرًا على مدينة محددة، ولا على أمة معينة، كما أن القرآن لا يميز طائفة من البشر على غيرها، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لغني على فقير، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى والعمل، ويحكمهم جميعًا قانون واحد هو القانون الإلهي الخالد والصادر عن رب البشر جميعًا، وهو الله عز وجل.

وبهذا رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم صورة إنسانية، ووضع الإسلام بمبادئه السمحة نظامًا للتعاون والمواساة، فجمع قبائل العرب تحت لوائه وألف بين قلوبهم، وقضى على العصبية الجاهلية، وقضى على الكثير من العادات التي كانت تحط من قدر الإنسان، كالأخذ بالثأر، والزنى، ووئد البنات، والربا، ولهذا انطلق المسلمون بعقيدتهم صوب أرجاء المعمورة المختلفة تحقيقًا لقول الحق سبحانه «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» (الأنبياء: 92) وبالفعل نجحوا، في أقل من قرن، في إقامة دولة عظيمة امتدت من الهند شرقًا إلى جنوب فرنسا والأندلس غربًا، وكان مبدأ التفاضل بين الناس «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، فدخل أهالي هذه البلاد في الإسلام طواعية راضين به دينًا وحكمًا عادلاً. وهو ما يؤكد على أن الإسلام دين عالمي في مبادئه وأنظمته، ومن يدقق في جوانب الإسلام سواء كان ذلك من الأمور السياسية أو الاقتصادية أو العلاقات الدولية أو في العلاقات مع غير المسلمين أو في الجانب الأدنبي أو التربوي، يصل إلى حثيقة عالمية الإسلام وأن هذا الدين الخاتم ليس لفترة محددة ولا لشعب أو أمة واحدة، وإنما هو دين لكل زمان ومكان.

دلائل العالمية من القرآن والسنة

تشهد الكتب السماوية السابقة على القرآن للإسلام كرسالة للإنسانية كلها، وتؤكد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، والسنة المطهرة على أن الإسلام هو دين كل الأنبياء والمرسلين، وهو يعني الاستسلام لله في أمره ونهيه على لسان الوحي، فالإسلام ليس دين فئة معينة ولا طبقة واحدة، ولا أمة بعينها، بل هو دين لكافة الناس في مشارق الأرض ومغاربها، وعلى ذلك تكون رسالته عالمية، ففيه من عناصر العالمية ما يجعله يستجيب دومًا لمتطلبات الواقع التي تتضمن متغيرات الزمان والمكان، وهو يتكيف دائمًا مع الاستمرارية الحضارية بنفس الدرجة التي يحافظ فيها على أصالة قيمه وجوهر عقيدته.

وكل نبي أو رسول قبل الإسلام، كان يأخذ العهد والميثاق على قومه إن عاش منكم أحد، إلى حين مبعث نبي آخر الزمان، فما عليكم إلا الطاعة والسمع له، فهو النبي الخاتم، وهو النبي العالمي لكل الأفراد والأمم، يقول الحق وجلى وعلى: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل» (الأعراف: 157). وكان الرسول العالمي دعوة أبيه الخليل إبراهيم عليه السلام، وبشارة أخيه عيسى عليه السلام. وتخاطب الآيات القرآنية الناس كافة، عن طريق الكلمات الشمولية العامة، التي تحمل الدلالة على عالمية القرآن الكريم، وعالمية الرسوم الخاتم صلى الله عليه وسلم، كما أن الشريعة الإسلامية جاءت لنسخ كل الشرائع التي قبلها، فالقرآن الكريم، المعجزة الخالدة ، يتجدد مع تجدد الأيام والدهور، وكم من مرة حاول فيها أعداء الإسلام أن يحرفوا ولو كلمة من القرآن، ولكن الحق سبحانه وعد بحفظ هذا القرآن: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون». (الحجر: 9).

تدل كل معجزات الأنبياء السابقين على أنها معجزة وقتية، فعصا موسى، وإبراء عيسى للأبرص، وإحياه الموتى، وتكليم سليمان للحيوانات وتسخيره للريح، كلها معجزات ذهبت مع ذهاب وقتهم، إلا أن معجزة النبي العالمي الخاتم باقية وخالدة بخلود الزمن، وبالتالي تنسخ الشريعة الإسلامية لكل ما سبقها من الشرائع، وأنها جاءت لتستكمل كل ما يحتاجه الناس في دنياهم وأخراهم، وهناك الأدلة الكافيةعلى صلاحية الإسلام لكل وقت وعصر، وقد فصلت كتب الأصول الفقية هذه المسألة، وهذه هي العالمية الحقة.

خصائص ومظاهر العالمية الإسلامية

أولا السياسية: قسم الإسلام الأرض إلى ديار الحرب، التي وضع لها ضوابط دقيقة: لا يجوز قتل الطفل، ولا الشيخ المسن ولا المرأة ولا الراهب. وديار المسلمين والتي تقوم حكومتها الإسلامية على قواعد الشورى وطاعة ولاة الأمر، وقسم الناس إلى مواطنين مسلمين يعيشون في ظل خليفة المسلمين، ومواطنين غير مسلمين يستظلون بحماية الدولة الإسلامية، وفرض عليهم «الجزية» لقاء حماية المسلمين لهم. وتمتع الجميع بالحرية الشخصية وحصلوا على حقوقهم كاملة نظير قيامهم بواجباتهم، وبالتالي عاش الجميع في سعادة وأمن وأمان.

ثانيًا الاقتصادية: وقف الإسلام موقفًا وسطًا فللفرد الحق في التملك، وللجماعة الحق في التملك وكلاهما يكمل الآخر، وبالتالي قضى النظام الاقتصادي الإسلامي على مشكلة الفقر، وذلك عندما طبقت فريضة الزكاة تطبيقًا منهجيًا عادلا، وفي المقال أرسى قواعد التفضيل في الرزق، ووضع أمورًا تقرب بين الأغنياء والفقراء كالميراث والزكاة والصداقات، واهتم بمسألة العمل والعمال، فشجع العمال على الاهتمام بأعمالهم، وحث أصحاب الأعمال على تقديم حقوقهم لهم كاملة.

ثالثًا الاجتماعية: اهتم الإسلام بالزواج الحلال ليغلق المنافذ التي تؤدي إلى الحرام، وركز على مسألة العفة والصون، ولذلك وضع قوانين دقيقة للزواج، تحت مظلة قوله تعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة» (البقرة: 228)، ووضع نظام اجتماعي تربوي واضح ودقيق، يناسب كل زمان ومكان، يقوم على التكافل والتكامل ببن الفرد والجماعة، وبين الأمة والأمم.

العولمة Globalization من المصطلحات التي شاعت في السنوات الأخيرة، للدلالة على ظاهرة جديدة، أو نظام جديد. مثل الحداثة، وما بعد الحداثة، والسوبر حداثة، وما بعد الاستعمار، وما بعد الإمبريالية، وما بعد الكولونية، والعدمية، وما بعد العدمية، والسوبر عدمية، وهو تعبير جديد على لغتنا العربية، ويعني في نظر البعض ظاهرة اقتصادية تهدف إلى الهيمنة الأمريكية، وتعني هيمنة التكنولوجيا الأمريكية على اقتصاديات العالم، وإزالة الحواجز والمسافات بين الثقافات والشعوب والأوطان بعضها البعض، وبذلك يقترب من مفهوم الثقافة الكونية أو السوق الكونية أو الأسرة الكونية.

ويرى فيها البعض الآخر دعوة إلى تحويل العالم إلى قرية كونية، خاصة في ظل ثورة الإتصالات المعاصرة. ويستخدمون للدلالة عليها مصطلح «الكوننة» اشتقاقًا من كلمة الكون. واستعمل بعضهم كلمة «الكوكبة» إشارة إلى كوكب الأرض الذي نعيش عليه. ولكن الكلمة التي ذاعت وانتشر استخدامها كمصطلح في كتابات سياسية واقتصادية عديدة في العقد الأخير هي «العولمة»، وذلك قبل أن يكتسب المصطلح دلالات استراتيجية وثقافية مهمة من خلال تطورات واقعية عديدة في العالم منذ أوائل التسعينات من القرن العشرين، في أعقاب إنهيار الإتحاد السوفيتي، واتحاد الألمانيتين، واجتياح الجيش العراقي للكويت.

ولا نجد في قواميس اللغة أو السياسة أو الاقتصاد تعريفًا لهذه الكلمة نظرًا لحداثتها، ويقيم مفهوم العولمة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل، الأقتصاد، السياسة، الثقافة، الأيديولوجيا، وبالتالي تعني: «القوى التي لا يمكن السيطرة عليها للأسواق الدولية والشركات متعدة الجنسية، التي ليس لها ولاء لأية دولة قومية، وفي نفس الوقت تعني حرية حركة السلع والخدمات والأيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنية والأقليمية، وهي نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإليكتروني والثورة المعلوماتية، من دون الإعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيمم والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم، والدخول في طور من التطور الحضاري يصبح فيه مصير الإنسانية موحدًا.

مجالات العولمة الغربية وأدواتها

النموذج الغربي للعولمة المعاصرة يرجع إلى تسعينات القرن العشرين التي شهدت انهيار الاتحاد السوفيتي في أعقاب الحرب الباردة، وشهدت تحولات كبرى غيرت من أصول الفكر والتوجه الفكري الذي يتحكم في مسيرته، خاصة مع ظهور عبارات رنانة مثل «نهاية التاريخ»، و»صدام الحضارات»، ترتب عليها ازدياد العلاقات المتبادلة بين الأمم من تبادل للسلع والخدمات وانتقال رؤوس الأموال، وانتشار التكنولوجيا والمعلومات، فأصبحت العولمة تأخذ جوانب عدة تتمثل في حرية حركة السلع وتبادلها دون حواجز بين الدول، وتحول العالم إلى قرية كونية بفعل تيار المعلوماتية Informative وظهور نفوذ وسطوة الشركات متعددة الجنسيات Multinationals وفوق القوميات Superanationals كقوة عالمية فائقة النفوذ والقوة وتسعى من أجل الهيمنة بلا انتماءات لقومية محددة أو لدولة بعينها.

وعلى هذا اتضح أن أسباب خلق واتساع ظاهرة العولمة تمثلت في: الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، والتكتلات الاقليمية والدولية، والاتفاقية الدولية العامة للتعرفات والتجارة «الجات»، والتحالفات الاستراتيجية للشركات العملاقة، والشركات العالمية متعددة الجنسيات، وتزايد حركة التجارة والاستثمارات العالمية. ويُمكن تتبع النشأة التاريخية للعولمة الغربية، ورصد مراحل تطورها في خمس مراحل: المرحلة الجنينية أي مرحلة التكوين من بدايات القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر، لتبدأ مرحلة النشوء إلى سبعينيات القرن التاسع عشر، لتوجد مرحلة الانطلاق حتى منتصف عشرينيات القرن العشرين، لتتطور إلى مرحلة الصراع من أجل الهيمنة إلى أواخر الستينيات، ليتصاعد الوعي القومي وما واكبه من تطورات في قيم ما بعد نهاية الحرب الباردة وشيوع الأسلحة الذرية، لتبدأ المرحلة الأخيرة مرحلة عدم اليقين لتواكب الهوس التكنولوجي والثورة المعلوماتية.

وتعرف العولمة نوعين هما: عولمة الإعلام والثقافة والاتصالات، وعولمة الاقتصاد والسياسة، لتقوم بالربط بين مجالات الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، وانعكاس ذلك على الاقتصاد والسياسة في العالم، إذ إن النمو السريع في التجارة العالمية، خاصة قطاع الخدمات أدى إلى زيادة ملحوظة في حركة الرأسمال الدولي، وبات الاقتصاد يقوم على الجدارة العالية والتكنولوجيا المتقدمة، وبالتالي فإن ظاهرة العولمة ليست في مصلحة الدول الفقيرة والنامية، إذ إنها بالعولمة تهرب من الاستغلال الاستعماري الكولونيالي في الماضي لتقع في ديكتاتوريات السوق والعولمة التي تحمل شعارات التنقنية والتكنولوجيا والعلم الحديث. وتتعدد أبعاد ومجالات العولمة ما بين: الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. أما العولمة الثقافية فتعني سيطرة ثقافة الغرب على الثقافات الأخرى، وبناء ثقافة كونية شاملة للنشاطات الإنسانية المختلفة، لتظهر أخطر سلبياتها في خلط الثقافات من خلال محاولة إحلال مفاهيم الثقافة والحضارة العلمانية الغربية الحديثة محل الثقافة ومفاهيم الحضارة الإسلامية في المجالات المختلفة، أو محاولة إيجاد ثقافة واحدة سائدة ومسيطرة على العالم، بغض النظر عن المفهوم الأخلاقي أو العلمي لتلك المعايير.

والعولمة السياسية تتحدى الدول القومية لتفتح حدودها لنوع جديد من التنافس الحر، حيث تنطوي على تفتيت الحدود الوطنية واضعاف السلطة الوطنية وقدرتها على تطبيق القوانين الوطنية داخل تلك الحدود، وعلى التحكم في تدفقات وانسياب رؤوس الأموال، وسعي الدول القومية لامتلاك الأسلحة النووية لتتحول إلى قوى عظمى لها دور خطير في ملعب العالم السياسي، وبهذا تهدف العولمة في مفهومها السياسي إلى فرض الهيمنة الغربية الأوروبية أو من الولايات المتحدة الأمريكية بهدف حماية مصالحها الاقتصادية.

وفي مفهومها الاقتصادي ترتكز على هدفين: الأول الإبداع والتطوير والتجديد في داخل النظام الرأسمالي بهدف تحقيق نمط نموذجي بالقوة الاقتصادية والعسكرية والحضارية والسياسية يتميز بها عن أي نظم أخرى يمكن أن تنافسه، والثاني دعم الهيمنة الخارجية من أجل تحقيق الهدف الأول، وبهذا تهدف العولمة إلى تدمير كل الأبعاد المحلية للأسواق الاقتصادية لتصبح سوقًا عالمية، ومن ثم فالعولمة لها أثار اقتصادية سلبية على قيم وسلوكيات الفرد والمجتمع.

أما العولمة الاجتماعية فقد ساد الاغتراب والفردية والمادية والاستهلاك الترفي، الأمر الذي جعل الدولة في إطار العولمة مضطرة إلى تقليص برنامج الرعاية الاجتماعية وبخاصة دعم غير القادرين وإلغاء التأمين على الطبقة الدنيا والأفراد الأكثر تعرضًا للمخاطر، مما ينجم عنه تخلخل النسيج الاجتماعي، ومن ثم فإن العولمة تؤصل فكرة ارتباط الإنسان لا بالدولة القومية والمجتمع الوطني، بل بالعالم أجمع، وتدفع به إلى الخروج والإنطلاق إلى آفاق العالم الكوني، الأمر الذي يؤكد على أن العولمة الاجتماعية تهدف إلى سحق الهوية الشخصية الوطنية وإعادة تشكيلها في قالب هوية وشخصية عالمية يفقد فيها الفرد جذوره ويتخلى عن ولائه وانتمائه وقيمه وأخلاقه لقيم وأخلاقيات الدول المسيطرة المتمثلة في أمريكا ودول أوروبا.

يعبر مصطلح العولمة عن تطورين هامين هما: التحديث Modernity، والاعتماد المتبادل Inter-dependence، ويرتكز مفهوم العولمة على التقدم الهائل في التكنولوجيا والمعلوماتية، بالإضافة إلى الروابط المتزايدة على كافة الأصعدة على الساحة الدولية المعاصرة، وبناء على ذلك، فالمفهوم يحتوي على مساحة من التناقض بين وجهة النظر الليبرالية الداعية للاحتفال بالاعتماد المتبادل بين الدول، مقابل وجهة النظر الراديكالية التي لا ترى في ذلك إلا مزيدًا من السيطرة العالمية للرأسمالية والنظام الاقتصادي المرتكز على حرية السوق. ومفهوم العولمة تاريخيًا لا يتجزأ عن التطور العام للنظام الرأسمالي، حيث تعد العولمة حلقة من حلقات تطوره التي بدأت مع ظهور الدولة القومية في القرن الثامن عشر، وهيمنة القوى الأوروبية على أنحاء كثيرة من العالم مع المد الاستعماري، بين رأس المال والتكنولوجيا والثقافة، ومؤخرًا ظهر الاهتمام بمفهوم العولمة في الفكر والنظرية، وفي الخطاب السياسي الدولي.

وعلى الرغم من عولمة رأس المال فإن الهوية تتجه نحو المحلية، وظهور كيانات موحدة، فإختفاء الحدود بين شطري ألمانيا، والسير نحو الوحدة الأوروبية، واكبه تفتت يوغوسلافيا، وإحياء الروح الانفصالية في أفريقيا وآسيا. وعلى صعيد عمليات الاتصال بين أرجاء المعمورة، فإن تكنولوجيا الاتصال قد قللت إلى حد كبير من تأثير المسافات بين الدول، وزادت من التفاعل بين الأشخاص والثقافات، فيما يعرف بحوار الحضارات، وأدت إلى تكوين ثقافة عالمية جديدة يستغربها الذين اعتادوا على ثنائية «الذات والآخر»، فهناك دعوة للاندماج تبرز في مدارس الفن والفلسفة، وحوارات على كافة الأصعدة الحضارية والدينية. ويركز المتوجسون من العولمة على الروح الاستهلاكية العالية التي تواكب هذه المرحلة، والتي تتضح فيما يُسمى ثورة التطلعات، وانتشار النمط الاستهلاكي الترفي بين الأغنياء، أو الحلم به وتمنيه بين الفقراء.

وعلى الرغم من انتشار مفهوم العولمة، فإن العالم يفتقر إلى وجود وعي عالمي وإدراك الأفراد لهويتهم الكونية أكثر من الهويات المحلية. فواقعيًا، لا زالت الهويات المحلية تتصارع مع تلك الهوية العالمية التي تهيمن عليها القوى الكبرى اقتصاديًا ونموذجًا حياتيًا، فعلى سبيل المثال بينما تتحد الدول في وحدات إقليمية كبيرة فإن التواصل بينها مفتقد، وبينما تتسارع العولمة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية سعيًا وراء تقليل فوارق المسافة، تخلق السياسة العديد من الفجوات بين الدول، وتعبر هذه السلوكيات عن جدلية إدراك الإنسان لدوره ككائن اجتماعي من ناحية، وكفرد يتصارع عالميًا سعيًا وراء مكانة خاصة.

ويرى بعض الباحثين أن الإشكالية في العلاقة بين العالمي والمحلي تتفاقم حين تحاول القوى العالمية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية أن تُعطي الطابع العالمي لما هو محلي لديها من أجل تحقيق مصالحها الخاصة، ويرجع انتشار هذا النموذج الأمريكي إلى امتلاك الولايات المتحدة لمنافذ إعلامية عالمية عديدة.

تبدو الاختلافات جلية بين عالمية الإسلام، ومفهوم «العولمة» المعاصر، فبينما تقوم الأولى على رد العالمية لعالمية الجنس البشري والقيم المطلقة، وتحترم خصوصيته وتفرد الشعوب والثقافات المحلية، ترتكز الثانية على عملية «نفي» و»استبعاد» ثقافات الأمم والشعوب، ومحاولة فرض ثقافة واحدة لدول تمتلك القوة المادية، وتهدف لتحقيق مكاسب السوق لا منافع البشر، فالدين الإسلامي لم يكن قاصرًا على العرب وحدهم، ولا على مدينة محددة، ولا أمة معينة، بل جاء الإسلام للناس كافة، والدولة العالمية أو المجتمع الإسلامي الموحد مجتمع عالمي بمعنى أنه مجتمع غير عنصري ولا قومي، ولا قائم على الحدود الجغرافية، بل مجتمع مفتوح لكل بني الإنسان، بلا تفرقة لجنس أو لغة.

وقد أستطاعت الأمة الإسلامية، عندما امتدت خلافتها وترامت أطرافها، أن تقدم للإنسانية نموذجًا للعولمة، يختلف عن النموذج الغربي المعاصر، فقد ساد الإسلام معظم أرجاء العالم في العصور الوسطى بمبادئه من الأخوة في الشعائر، والتآلف في القلوب، وتختلف معايير التماييز في الإسلام كل الاختلاف عن العولمة التي تدعو إليها أمريكا من خلال المنظمات الدولية، فلا تفاضل حسب الأوضاع الاجتماعية أو الاقتصادية أو الجنسية بل بحسب التقوى وحدها، مستنكرًا بذلك كل أشكال التمييز العنصري التي تدعو إليها الاتفاقيات الدولية الموقعة مؤخرًا كاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المحدة وعرضتها للتوقيع والتصديق والانضمام بقرارها 34/180 بتاريخ 18 ديسمبر 1979، واتفاقية حقوق الطفل، والإعلان العالمي لبقاء الطفل وحمايته ونمائه، الصادر عن اليونسيف منظمة الأمم المتحدة للطفولة، فقد اشتملت مبادئ الإسلام رعاية الجار، والرأفة باليتيم والطفل، واطعام المسكين، وإكرام الضيف، واحترام حقوق الغير، وهي مبادئ تفتقده العولمة الغربية المعاصرة.

ولم تجبر عالمية الإسلام أحد على اعتناقها، فتتضمن دعوة للسلام وحسن الجوار والمعاملة الطيبة واحترام الحقوق والمواثيق ونبذ العدون إلا في حالة الدفاع ورد الاعتداء على الأمة الإسلامية، فمن يعتدي على دين الله أو المسلمين أوجب الإسلام رد عدوانه كسبب للحروب لا للإستعمار والهيمنة. ولكن هناك في الواقع فرق كبير بين مضمون العالمية الذي جاء به الإسلام، ومضمون العولمة التي يدعو إليها اليوم الغرب عامة، وأمريكا خاصة، فالعالمية في الإسلام تقوم على أساس تكريم بني آدم جميعًا «ولقد كرمنا بني آدم» (الإسراء: 70)، فقد استخلفهم الله في الأرض، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض على أساس المساواة بين الناس فـي أصل الكرامة الإنسانية، وفي أصل التكليف والمسؤولية، وأنهم جميعًا شركاء في العبودية لله تعالى، وفي البنوّة لآدم، كما قال الرسول الكريم أمام الجموع الحاشدة في حجة الوداع: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا أسود على أبيض، إلاّ بالتقوى...». وهو بهذا يؤكد ما قرره القـرآن الكريم في خطابه للناس كافة: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (الحجرات: 13). ولكن القرآن في هذه الآية التي تقرر المساواة العامة بين البشر، لا يلغي خصوصيات الشعوب فهو يعترف بأن الله تعالى جعلهم «شعوبًا وقبائل» ليتعارفوا.

أما العولمة في معناها العالمي اليوم فإنها تعني فرض هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية من الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، وخصوصًا عالم الشرق، والعالم الثالث، وبالأخص العالم الإسلامي، إنها لا تعني معاملة الأخ لأخيه كما يريد الإسلام، ولا معاملة الند للند كما يريد الأحرار والشرفاء في كل العالم، بل تعني معاملة السادة للعبيد والعمالقة للأقزام والمستكبرين للمستضعفين. العولمة في أجلى صورها اليوم تعني «تغريب العالم» أو بعبارة أخرى «أمركة العالم». إنها اسم مهذب للاستعمار الجديد الذي خلع أرديته القديمة، وترك أساليبه القديمة ليمارس عهدًا جديدًا من الهيمنة تحت مظلة هذا العنوان اللطيف «العولمة»، إنها تعني فرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وأي دولة تتمرد، لابد أن تؤدب بالحصار أو التهديد العسكري أو الضرب المباشر، وكذلك تعني فرض السياسات الاقتصادية التي تريدها أمريكا عن طريق المنظمات العالمية التي تتحكم فيها إلى حد كبير، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وغيرها، كما تعني فرض ثقافتها الخاصة التي تقوم على فلسفة المادية والنفعية، وتبرير الحرية إلى حد الإباحية، وتستخدم أجهزة الأمم المتحدة لتمرير ذلك في المؤتمرات العالمية، وتدفع الشعوب إلى الموافقة على ذلك بسياط التخويف والتهديد، أو ببوارق الوعود والإغراء.

وقضية الاعتراف بالخصوصيات في غاية الأهمية، حتى لا يطغى بعض الناس على بعض، ويحاولوا محو هويتهم بغير رضاهم؛ بل نجد الإسلام يعترف باختلاف الأمم، وحق كل أمة في البقاء .