فصول من تاريخ الألبان في مصر

القاهرة - محمد عويس |

في منتصف القرن العشرين احتلت الجالية الألبانية المرتبة الخامسة في مصر من حيث العدد والوضع الاقتصادي ضمن الجاليات الأجنبية العديدة التي كانت موجودة في مصر قبل أن تنحسر بالتدريج ولا يبقى منها سوى الأفراد والآثار والذكريات.


وبمقارنتها مع الجاليات الأخرى فقد تميز الوجود الألباني في مصر بالاستمرارية في الدول الأخيرة التي حكمت مصر: المملوكية والعثمانية وأسرة محمد علي. مع ما يميز ذلك الوجود من وجود سلاطين وولاة وحكام ألبان ترك بعضهم بصمته في تاريخ مصر مثل محمد علي باشا.

ويشير محمد الأرناؤوط في كتابه (الجالية المخفية: فصول من تاريخ الألبان في مصر- محمد الأرناؤوط- دار الشروق) إلى أنه رغم الاستمرارية في توافد الألبان على مصر. الذي ازداد بشكل واضح في القرن التاسع عشر بعد وصول محمد علي باشا للحكم. فإن الموجات الأولى كانت تتكون غالبيتها من المتطوعين للخدمة العسكرية ومن المسلمين ولذلك غابت في ساحات القتال في مصر والجزيرة العربية وبلاد الشام واختلطت بالزواج مع المجتمع المحلي. أما الموجات اللاحقة فقد جاءت مصر في النصف الثاني للقرن التاسع عشر من ألبانيا الجنوبية ذات الغالبية الأرثوذكسية في الفترة التي كانت فيها النهضة القومية الألبانية تتجلى في الأفكار والجمعيات والصحافة المطالبة باستقلال ذاتي أو كامل للألبان عن الحكم العثماني.

ومن هنا تحولت مصر إلى مركز مهم من مراكز النهضة القومية الألبانية التي توجت باستقلال ألبانيا في 1912 حيث برزت فيها الأفكار الداعية إلى التوحد بين الألبان على أساس اللغة والثقافة وليس على أساس الدين. وإلى التحرر من الحكم العثماني وصدرت فيها الكتب الرائدة في اللغة الألبانية. كما برزت فيها مجموعة من الأدباء الذين حظي بعضهم بمكانة مهمة على صعيد الأدب الألباني. وقد شاركت شخصيات ألبانية من مصر في الحكومة الألبانية الأولى وفي مؤسسات الدولة إلا أن استمرار الحرب البلقانية 1912/1913 واندلاع الحرب العالمية الأولى جعلا ألبانيا ميدانا للقتال بين الجيوش ومجالا لأطماع الدول المجاورة التي تمثلت في معاهدة لندن السرية 1915 مما كان له الأثر في عدم استقرار الدولة الوليدة وترتب على ذلك أن أصبحت الحركة بين مصر وألبانيا في اتجاهين حيث عادت شخصيات معروفة إلى ألبانيا بعد الاستقلال بينما استمرت أعداد من الألبان في الوفود إلى مصر والاستقرار فيها.

ويضيف الأرناؤوط أن الأمير فؤاد كان من أهم المرشحين لعرش ألبانيا 1912/1913 وحظي بدعم كبير وهو ما كان مناسباً لاستعراض ما يعنيه أن يكون أمير من سلالة محمد علي باشا على رأس الدولة الألبانية المستقلة. إلا أن معارضة فيينا له بسبب علاقته بإيطاليا أدت إلى اختيار النبيل الألماني (ولهلم فون فيد). وأدت الظروف فيما بعد إلى أن يصبح فؤاد سلطانا على مصر في 1917. وملكا بعد استقلالها في 1922 حيث شهدت فترة حكمه حتى 1936 توطيد العلاقات بين مصر وألبانيا ووصول الجالية الألبانية إلى ذروتها في ذلك العام. كما تميز عهد ابنه الملك فاروق 1936/ 1952 باستمرار الصلة الخاصة مع ألبان مصر بعد دعوته ملك ألبانيا أحمد زوغو للإقامة في مصر بعد احتلال إيطاليا ألبانيا في 1939. كما توطدت علاقتهما الشخصية وجمعتهما النقاشات السياسية خاصة قبل وبعد حرب فلسطين 1948 إلا أن الملك زوغو لم يتوان عن التعبير عن عدم ارتياحه لحكم الملك فاروق وكذلك توجيه أنظاره إلى بعض المشاكل وتقديم بعض النصائح له وحتى تحذيره من قيام الجيش ضده إلا أن ذلك لم يفد بشيء. وقامت ثورة 23 تموز (يوليو)1952 وطالت الجاليات الأجنبية في مصر بخاصة الجالية الألبانية والتي كانت قوية الصلة بالملك فاروق وتقلصت في سنوات الخمسينات وستينيات القرن الماضي نتيجة للتمصير والتأميم والتوجه الاشتراكي الجديد

في مصر حينذاك.

ويجب الإشارة إلى أن حجم الكتاب وعدد صفحاته (215) لا يتناسب وتاريخ ألبان مصر وإسهامهم في الحياة السياسية والثقافية الألبانية. وكذا دورهم في إنشاء ألبانيا المستقلة خلال 1912/ 1913 أيضاً عنوان الكتاب ينبئ بأن هناك فصولاً أخرى تستحق أن تضاف إلى الكتاب في طبعة أخرى تكشف جوانب الجالية المخفية وتناول دورهم السياسي والثقافي والاقتصادي في مصر.