النكبة العربية والتناقضات في التراث اليهودي

النكبة العربية (ويكيبيديا)
صلاح سالم |

لا يسهم الدين فقط في نشأة الحضارة، بل أيضاً في الحفاظ عليها مجسدة في مجتمعات ودول، وكذلك في الحفاظ على روحها لو تفككت هذه الدول عبر الاحتفاظ بالمفاهيم العقدية الأكثر تأسيسية، وكلما كانت تلك المفاهيم أكثر إنسانية وأخلاقية، أو اتسمت بطابع كونى، كانت قدرتها على الإلهام أعمق وفي حفظ الاستمرار أكبر. ولعل تجربة الشتات اليهودي، وما تمثله من انقطاع حضاري، يرجع إلى المفهوم المركزي الأكثر سلبية في تلك الديانة، أي التصور القبلي للألوهية، حيث "يهوه" إلها لبنى إسرائيل من الأسباط الإثني عشر، وليس إلها للعالمين، واليهودي، لصدفة الميلاد وليس بقوة الإيمان، شخصا مختارا من الله، على نحو أوقعها في أسر العنصرية، وحرمها من أن تكون ديانة إنسانية، ذات رسالة تبشر بها في العالمين، كما فعلت المسيحية تاليا، والإسلام أخيرا؛ ولم تتحول قط إلى نمط حضاري جذاب طيلة تاريخها الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام، فـ "الدين اليهودي" لا يناظره ما يمكن تسميته بـ "الحضارة اليهودية" رغم تكوين مملكتين سياسيتين لفترة قصيرة من العمر بداية الألف الأول قبل الميلاد، أو ممارسة نوع من الحكم الذاتي في عصر المكابيين (القوميين اليهود) في القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك قبل أن ينتهى وجودهم التاريخي المستقل بتحطم هيكلهم الثاني على يدى القائد الروماني تيتوس عام 70 م.


بل ويشي التاريخ بأن اليهود عندما كانوا يعيشون في ظل دولة مستقلة، كانوا يجدون صعوبات كبرى في حفظ عقيدتهم نقية وطاهرة، فثمة انهيارا أخلاقيا ودينيا وقع أثناء حكم يشوع الذي خلف موسى، ثم ظهر ثانية في أثناء حكم الملك سليمان وظهر بعد ذلك عدة مرات في المملكة الشمالية أو الجنوبية، خاصة تحت حكم الملوك الأغنياء والأقوياء، والتي تميزت حقبهم بالسلام والرخاء الاقتصادي، وفي كل مرة كان الشعب ينحرف إلى عبادة آلهة الشعوب المجاورة سواء كانوا من الكنعانيين أو الفلسطينيين. وفي المقابل بدا شعب اليهود أكثر تديناً وقربا لله وهو تحت حكم أجنبي، فقد كانوا يطيعون الناموس ويخافون الله بصورة واضحة وقوية، وكان أبرز من عبر عن هذا الفكر هو إرميا، أحد أنبياء اليهودية الكبار والذي وصل في تأمله لتاريخ شعبه إلى نتيجة ملخصها أن ضعف الأمة اليهودية وعدم استقلالها يقترن دائماً بقربها إلى الله، وقربه منها وأن وجود دولة يهودية مستقلة إنما هو من عمل إبليس وليس من الله، لأنهم دائماً ينحرفون عن عبادة الله.

بمجيء المسيح إلى الأرض نبيا للرحمة لا القتال رافضا أن يكون ملكا مقدسا لهم، فاتحا شريعة موسى ودين الرب للأغيار/ الأمم، مانحا الخيرية لكل المؤمنين المنتمين لإبراهيم بالروح لا الجسد، وبالعقيدة لا العرق، ومن ثم استقلال المسيحية كدين له مؤسسته وكنيسته وطقوسه، وليس مجرد فرقة يهودية، توقف إسهام اليهود في الحضارة الإنسانية كجماعة جنسية أو عرقية أو ثقافية، وإن ظل هذا الإسهام حاضرا وفعالا بشكل فردى ومن خلال جهد اليهودي باعتباره فردا قد يكون مبدعا وخلاقا كغيره من أبناء الديانات والثقافات الأخرى التي طالما عاش اليهود بين أهلها جل فترات التاريخ وخاصة في ظل الحضارتين: الغربية المسيحية، والعربية الإسلامية.

كان الإسهام الحضاري لليهود أكثر وضوحا في السياق الإسلامي، نظرا للتسامح التقليدي الذي ساد في المجتمعات الإسلامية التي لم تعرف قط ما يسمى بـ "المسألة اليهودية" ولم يبرز فيها مفهوم "معاداة السامية"، لأنها ببساطة مجتمعات سامية لغة وعرقاً، ولقد تبدى ذلك خصوصا في الأندلس حيث عاش اليهود إحدى أفضل مراحل تاريخهم ولمع أبرز فلاسفتهم ووصل بعضهم إلى مناصب سياسية مرموقة، ولم يعانوا الاضطهاد إلا من المسيحيين عندما سقطت الأندلس حيث كانوا يذبحون ويطردون مع المسلمين ومثلهم تماماً. وكان ذلك هو الشأن نفسه في الخلافة العثمانية تقريباً، وفي العراق، والمغرب وفي مصر. بل أن ميلاد الحركة الصهيونية نفسها وتنامى حركة الاستيطان اليهودي لم تعطل تراث التسامح العربي الإسلامي معهم، والذي أخذ في التراجع فقط مع إعلان دولة إسرائيل على حساب فلسطين، وبروز عصر التحرر القومى العربي ولكنه لم يتوقف تماما، خصوصا في مصر، إذ لم ينظر لليهود فيها على أنهم إسرائيليون وصهاينة بالضرورة حتى بدأوا هم أنفسهم بإعادة تكييف هويتهم ثم الهجرة إلى إسرائيل وخاصة بعد العدوان الإسرائيلي المشترك مع بريطانيا وفرنسا على مصر.

وفي المقابل خضعت العلاقة بين اليهود والمسيحيين في السياق الحضاري الغربي لاضطراب دائم دفع بالوجود اليهودي في أوروبا المسيحية نحو العزلة، فأصبح "الجيتو" عالماً مستقلاً لليهود، وإن لم يمنعهم ذلك من تأثرهم بحركة الإصلاح البروتستانتي تأثرا إيجابياً، بدءا من طقوس العبادة حيث الوعظ سريع وجيد، إلى دخول الموسيقى والكورال إلى المجمع. كما تأسس المجمع العلمي اليهودي في برلين، وقدم كتاباً جديداً للصلاة، وبدأ التغيير من الأصولية المحافظة إلى التجديد، وغابت فكرة المخلص "المسيا" أو أسقطت، وبرزت فكرة العودة إلى الأرض المقدسة بغرض تجديد وتنقية اليهودية على طريقة إصلاح لوثر. كما أخذت حركة الإصلاح اليهودية اتجاها اجتماعياً، فحاربت الظلم الاجتماعي معتمدة على أن حركة لوثر لم تكن حركة دينية فحسب، بل حركة تجديد شاملة لكل مكونات المجتمع من سياسة واقتصاد، مع النظرة العلمية للدين والعقيدة. كما حفزت هذه الحركة فهما يهوديا إنسانيا يجعل فكرة الاختيار تضم المؤمنين به من الإنسانية ككل، وهو الفهم الذي كان النبي حزقيال قد عبر عنه باكراً، زمن النفي، بالقول إن الله سيعيدهم إليه– ليس إلى الأرض– ويجعلهم من جديد شعباً له "وأعطيهم قلباً واحداً وأجعل في داخلهم روحاً جديداً وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكى يسلكوا في فرائضي ويحفظوا أحكامي ويعملوا بها ويكونوا لي شعباً فأكون لهم إلها"ً (حزقيال، 11: 19، 20). وهكذا تصير أرض الميعاد الحقيقية لدى أصحاب هذه الحركة، كما كانت في مفهوم المسيح، هي الأرض بكاملها، والتي يدعوها الله لأن تتحول إلى ملكوته، أي إلى عائلة واحدة على اختلاف الأمم والألسنة، إذ يملك الله عليها ويوحدها بروحه أفراداً وشعوباً، كي يتحقق فيها وعده لإبراهيم، بأن تتبارك ذريته وتتحول جميع قبائل الأرض وشعوبها إلى شعب واحد لله يؤول تنوع عناصره إلى تناغم وتكامل لا إلى صراع واقتتال.

غير أن أوضاع اليهود في أوروبا لم تتحسن جذريا اللهم مع الثورة الفرنسية، ونضج فلسفة التنوير، حيث تبدت المصالحة النهائية ممكنة بين اليهود والمسيحيين علي قاعدة الأفكار الحديثة، تجاوزا لعقدة الاختيار الموروثة من التاريخ اليهودي البعيد، ولعقدة الاضطهاد الموروثة من التاريخ القريب، أي من تجربة الشتات ومجتمع الجيتو، وهو ما كان الحال يسير إليه في القرن التاسع عشر تقريبا، عندما برزت حركة تنوير يهودي "الهاسكالاة" تغذت على فلسفة التنوير الأوروبي، ودعت اليهود إلى التخلص من طغيان الماضي الانعزالي، والإندماج في النزعات الإنسانية والليبرالية داخل مجتمعاتهم.

ولكن سرعان ما انتهى القرن التاسع بمحاولة جديدة لاستعادة اليهود حضورهم الجماعي كجنس، وحضورهم السياسي كدولة من خلال العقيدة (الصهيونية) التي أجهضت الحركة التنويرية، وتمكنت من إنشاء الدولة الإسرائيلية الاستيطانية العنصرية في تجربة نادرة علي صعيد عمليات بناء الدول استلهاما لعقيدة سابقة، تقوم على قاعدة أن سوء النية والعداء والتربص باليهودي صفات أزلية أصيلة في غير اليهود تدفعهم إلي الفتك باليهودي والتنكيل به مع أول فرصة. وبالتالي يصبح الحل هو أن يتخلى اليهودي عن موقفه المسالم وأن يتسلح بالعنف ويبادر به كنوع من الوقاية. وأن ينفصل عن المجتمعات غير اليهودية ليتجمع مع سائر اليهود في إطار خاص يحميهم. وبالتالي، وحسب الوعد التوراتي، تصير الأرض الفلسطينية هي المكان الطبيعي لتجمع اليهود، ولذا يصبح غزوها واستيطانها ثم الدفاع عنها بكل شراسة ممكنة ضد العرب، وعبر التوظيف النفعى للغرب المسيحي، هو غاية التاريخ اليهودي. وهكذا نجد الحركة الصهيونية تسلك في ضدية الحركة التنويرية إذ عمدت:

* إلى تدعيم الاستثنائية اليهودية بدلاً من السعي إلى تفتيت التناقض اليهودي مع الأغيار داخل المجتمعات الحاضنة لهم، لتصنع جيتو جديد هو الأكبر في التاريخ (إسرائيل). والمفارقة هنا أنها فرضت منطقها على التفاعل المسيحي- الإسلامي، ففي موازاة عملية إعادة الوصل بين اليهودية والمسيحية كجذر ثاني للحضارة الغربية، كانت هناك في المقابل عملية جارية هدفها الفصل وهدم الجسور القائمة بين تلك الحضارة الغربية اليهو- مسيحية، وبين نظيرتها العربية الإسلامية، حيث صارت إسرائيل نقطة الارتطام الكبرى بينهما.

* وإلى التحالف مع القوي المهيمنة ولو كانت عنصرية، بدلا من الاندماج في النزعات الإنسانية والليبرالية، طالما خدم ذلك مصالحها حيث هلل الكثيرون من القادة والمفكرون الصهاينة للنازية لأنهم كانوا يشاطرون هتلر الاعتقاد بتفوق (العرق) ومعارضة (اندماج) اليهود في أبناء العرق الآري وذلك لتسهيل انتقال هؤلاء إلي إسرائيل الدولة التي كانت قد صارت لديهم حلماً وشيك التحقق.

* وإلى تعمد التكرار الفج للتاريخ بدلا من استلهام خبرة التنوير الأوروبي في التعلم منه، وهو ما تبدى في مواقفها من الفلسطينيين الذين عانوا موجات متتالية للتدمير والقتل الجماعي لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وحتى عندما ولد تيار "ما بعد الصهيونية" السياسية تأسيسا على حركة "المؤرخين الجدد" الثقافية، محاولا تقديم حل إنساني للصراع المرير مع العرب عبر تسوية مع التاريخ، فإنه سرعان ما بدا مهزوماً ومستسلماً بعد ثلاثة عقود من المحاولات اليائسة، أمام نزعة يمينية محافظة، تبدت منذ السبعينات، وتنامت خصوصا في التسعينيات بفعل هجرة الروس، ونمو ظاهرة الحريديم (اليهود الأرثوذكس) بالغي التشدد، لتدفع باتجاه صهيونية جديدة/ دينية أكثر عنفا وشراسة من الصهيونية التقليدية / العلمانية، أخذت تصبغ الدولة العبرية بصبغتها، لتحيلها إلى دولة متخلفة حقا، أقل تسامحا، وأكثر دموية، محض خادم رخيص للميول العنصرية وللحركة الاستيطانية.

وهكذا تترك الصهيونية التقليدية التي أخفقت في التعلم من التاريخ بالأمس، مكانها لصهيونية جديدة تصل وقاحتها اليوم إلى حد الإنكار الكلى التاريخ، وما يعيشون داخله، ويصنعون ذاكرته، ويعود اليهود أدراجهم، أسرى لعقدهم التي تحرمهم من كل حضور جمعي فعال، عقلاني وإنساني، حتى تكاد القاعدة القديمة تتأكد: وهو أنه كلما عاش اليهودي كفرد/ إنسان، كان إضافة للحضارة، وكلما نحى إلى إعادة تشكيل وجوده الجمعي كان رمزا للعدوانية، التي لا تعدو إسرائيل أن تكون تجسيدا كاملا لها، إذ تتبدى كمولود تاريخي لقيط، أناني وسادي، تدفعه أنانيته إلى القمع، وتزيد ساديته من توقه النهم إلى مشاهدة روايته التاريخية معادة ومصورة للغير أمام عينيه في دراما إنسانية أكثر مأساوية، يزيد من تعقيدها ويعيد إنتاجها باستمرار هاجس الأمن وعقدة الخوف الذاتي التي غالباً ما تصاحب كل كائن لقيط لا يجد لنفسه صكوك نسب إلى الزمن حيث تصبح القوة، مع المبالغة في إظهارها، هي الوثيقة الرئيسية، وصك النسب الوحيد إلى صيرورة الزمن، الأمر الذي يحيل هذا الكائن اللقيط إلى ملاكم في حلبة واسعة يلاكم من فوقها الجميع، حتى في أوقات الراحة وبعد نهاية كل جولة، بل وكذلك بعد نهاية المباراة نفسها خوفاً من الهزيمة/ العدم، ولو بدا انتصاره واضحا في كل جولة سابقة، لأنه لا يثق، ولا يمكن أن يثق، لا في خصمه ولا في الحكم/ التاريخ، ولا حتى في قواعد اللعب التي تجعله محدوداً بزمن لا بد وأن ينقضي، وهكذا تتواصل مظاهر العدوانية الإسرائيلية، في تجديد مشاعر النكبة العربية.