نصر الله الطرازي عاشق مصر والأزهر

الدكتور نصر الله الطرازي (فيسبوك)
صلاح حسن رشيد |

هناك أناس اختارهم الله تعالى بعنايته ورعايته كي ينشروا دينه؛ ويسيحوا في الأرض مهاجرين إلى الله؛ رسلاً مبشرين وهادين؛ حاملين مشاعل الهداية والإحسان والتسامح والمحبة؛ فأينما كانوا أضاءت مشاعلهم؛ فقبس الناس منها النور والحبور.


ومن هؤلاء سماحة العلاّمة مبشر الطرازي الحسيني، وولده النجيب الدكتور نصر الله الطرازي؛ ففي كل بلد لهم آيات، وفي كل وطن لهم بركات، وفي كل بقعة لهم الذكر الحسن. في العام 1950م؛ عندما وطئت قدما العلاّمة نصر الله الطرازي (1922-2002) أرض مصر العامرة بالفن، والعلم، والحضارة، والاستنارة؛ أدرك ساعتها أنها البلد الأمين على مشروعاته، وأنها موئل الإشعاع لما يحمله من مشاعل النهضة، والوسطية، والتجديد؛ فألقى بين يديها قلبه وكيانه، وأسلم على راحتيها عقله وأركانه؛ فاتخذها له أماً رؤوماً؛ وجد فيها ضالته التي لن تتحقق آماله العظام، وأشواقه العرفانية، وطموحاته النورانية إلا فيها؛ فكان ما كان مما لست أذكره من صفحات مجده الأدبي، وسطوعه الفكري، وبنيانه صرح الدراسات الشرقية في قلب القاهرة.

على أن من يطالع سيرة حياته يدهش الإدهاش كله؛ إذ كيف لأعجمي عرف العربية لغة القواميس والمعاجم؛ أن يصير عربي الهوى واللسان والسليقة، وتنصاع له انصياعها العجيب الحبيب الرغيب؟ فلا لحن، ولا عجمة، ولا لغو، ولا تثريب عليه؛ فقد أضحى من شيوخ العربية الكبار وسدنتها الأبرار، كما هو من جهابذة اللغات: الفارسية، والتركية، والأردية، والأوزبكية، والباشتو، والجغتائية، والفرنسية، والإنكليزية، والروسية. إننا نعرف من الأسماء الرنانة ما فيه الإعجاب والإطناب؛ لكننا لم نلمس فيهم خشوع العالِم، وتقوى الباحث، وإنسانية الأديب وانفتاحه؛ بمقدار ما وجدناه في الطرازي؛ الذي أحال بيته القاهري إلى جامعة تربوية، قبل أن يجد فيه الحجيج جامعة العلم الحقيقي، والسلوك القويم. فمنذ صغره؛ ونصر الله الطرازي تملأ جوانب نفسه فكرة الاعتدال وعدم الغلو؛ فراح يترجمها عن طريق الانخراط في الدروس الأزهرية المتفتحة على شتى المذاهب، والأفكار، والرؤى؛ فدرس تعدد الآراء، وتعمق في اختلافات المجتهدين الدائرة حول الإباحة والتيسير؛ لذلك وجدناه يتشرب روح الأزهر السمحة المتسامحة؛ فينفحها في أبنائه، وتلامذته، ومريديه، من أبناء وطنه الأم في جمهوريات وسط آسيا الإسلامية؛ فابتعث منهم البعوث، واستقدم منهم الأفواج للدراسة في الأزهر الشريف؛ لكي يبتني صرح الوسطية في بلاده؛ فكانت الجماعات تترى، والأنوار تتهادى.

ومن نفحاته الميمونة؛ أنه درَّس في الجامعات المصرية، وأقام بنيان مدرسته الكبرى في الدراسات الشرقية عبر تلامذته؛ فعلَّمهم فن تحقيق المخطوطات الشرقية وفهرستها؛ الذي هو فارسها الأول، وأشربهم روح الوحدة الثقافية الجامعة بين المسلمين.

ولَكَم ترتبط الأماكن بالعظماء، وتتحول من مجرد جماد إلى ما يشبه الكائن الحي؛ فهي تصبح خلقاً آخر؛ لارتباطها بمن حولها، وحنينها إليه؛ وهذا ما يصدق على نصر الله الطرازي؛ إذ أسبغ على دار الكتب المصرية، التي بدأ العمل فيها .. روحه، ونشاطه، وهالته الشفيفة؛ فخلال سنوات قلائل أجرى عليها من التعديل، والتطوير ما جعلها خلية نحل لا تعرف الكلل: تبويباً، وفهرسة، وتنظيماً، وأرشفة. وعندما وجد نفائس المخطوطات الفارسية، والتركية، التي لا تقدر بثمن مهملة على الأضابير، وفي الطوامير؛ سارع بانتشالها؛ فأخرج أكثر من ثلاثة وعشرين ألف مخطوط إلى النور؛ وهو جهد تعجز عنه الجامعات؛ فكيف قام به الطرازي؟! ومن أين له بالقوة، والوقت؟

لذلك؛ استحق أن تكرمه مصر؛ بأن منحته الجنسية المصرية في عام 1964؛ تقديراً لجهوده العلمية والثقافية في خدمة مصر في المحافل الدولية.

وأقول مزهواً يإنجازات الطرازي متسائلاً: لماذا كان الطرازي نسيجاً وحده في هذا الباب؟ فلولا الطرازي لما خرجت المخطوطات الشرقية من العدم، ولولاه لظلت عفاريت النسيان، وأشباح الإهمال، وخفافيش التراب، وميكروبات الرطوبة تقيم موائدها الدائمة على أنقاض هذه المخطوطات النفيسة. ولنا أن نتساءل ما وسعنا التساؤل: تُرى هل حقق الطرازي ما طمح إليه؟ وهل قنع بما ظفر به من سمعة علمية مدوية؛ بفضل مهارته، وهجرته الناجعة إلى مصر؟ فالذي وقر في ضميري، وملأ جوانحي ثقة واطمئناناً؛ أن الطرازي حقق مشروعه الفكري: تحقيقاً، وتأليفاً، وترجمة، وتوثيقاً، وأرشفة، وتدريساً؛ فرأى قامته تقارب قامات أجداده الأعاجم من علماء وسط آسيا الموسوعيين، من أمثال: سيبويه، والبخاري، ومسلم، والجاحظ، والفارابي، وابن سينا، والزمخشري، والجويني، والغزالي، وابن النفيس، والخوارزمي، وغيرهم من الثقات. فلا جرم؛ أنه كان صورة واقعية معاصرة لكل هؤلاء؛ لذلك فلم نكن نظن، أو نقوى على مجرد التصديق؛ أن نرى رجلاً في القرن العشرين من الأعاجم يحاكي سير السابقين الباهرة، وأن تترى أعماله الزاهيات؛ فتضخ فينا روائع الفن، ونفائس العلم، وصحائف المخطوط.