العالم الافتراضي مرآة كونية تعكس الواقع... وتغيبه أيضاً

شريف صالح |

تكشف المرآة الأصل وتغيبه في الوقت ذاته. فهي ترى وهي أيضاً تستنسخ إلى ما لانهاية. وكثرة النسخ كفيلة بتغييب الأصل وسط متاهة الصور. وسبق للأكاديمي المصري محمود رجب أن انشغل قبل ربع قرن بـ «فلسفة المرآة» التي تتغير بتغير «الأصل» أمامها. وتتبعَ الوجود كمرايا عاكسة، فالقمر يعكس على سطحه الضوء، والشمس تنعكس شموساً على سطوح الأنهار.


لكن ماذا عن العالم الافتراضي الذي بات أضخم مرآة كونية تعكس «الواقع»... وتغيبه أيضاً؟

هذا هو السؤال الذي انشغلت به الدراما والسينما أخيراً، إذ ظهرت أفلام كثيرة تتقصى علاقة «الواقع» بـ «الافتراض» منها فيلم «تطور» و»الصف الثامن» وكذلك فيلم «بحث» للمخرج أنيش شاغانتي، وهو مخرج أميركي شاب من أصول هندية شارك أيضاً في كتابة الفيلم مع سيف أوهانيان، أما بطل الفيلم فهو ممثل أميركي من أصل كوري يدعى جون تشو. ما يعني أن الواقع بات قابلاً للتشبيك، مثلما قام العالم الافتراضي بتشبيك ملايين الشخصيات من جنسيات وقارات مختلفة.

تدور الحبكة حول اختفاء الفتاة المراهقة «مارغوت» (ميشيل لا) وقيام أبيها «ديفيد» (جون تشو) برحلة بحث عنها. حبكة تقليدية تستدعي أفلاماً كثيرة عن اختفاء ابنة وبحث الأب عنها، لعل أشهرها «سجناء» الذي لعب بطولته هيو جاكمان الأب الذي قرر مطاردة المشتبه به بنفسه. كان هذا هو التوجه في غالبية الأفلام أن يكشف الأب عن قوته كبطل خارق قادر على المطاردة والقتال دفاعاً عن كيان الأسرة. فما الذي تغير في فيلم «بحث»؟

هنا لا يملك الأب أية قوة تذكر، ولا يوجد مشتبه به، والدائرة المحدودة المحيطة بابنته لا تكاد تعرف شيئاً عما جرى لها!

وهكذا اختلفت «مهمة» الأب جذرياً بين الشريطين، ففي عصر «السوشيال ميديا» لا يحتاج الأب إلى عضلات، ولا إلى منزل مهجور لتعذيب خصمه، بل يحتاج إلى «تطبيقات» للولوج إلى عالم ابنته الافتراضي، صفحاتها في مواقع «التواصل الاجتماعي»، دردرشاتها الخاصة. ليكتشف أن ما يعرفه عن ابنته في الواقع محدود جداً، إلى درجة أنه لم يكن يعلم أنها تركت دروس الموسيقى منذ فترة رغم استمرارها في أخذ تكلفتها منه! مثلما لم يكن يعلم أنها تواعد أحدهم.

ثمة عشرات التطبيقات تقوم بتجميع وتحليل البيانات، وتتبع آثار مستخدميها على الهواتف والحواسيب. يستطيع الأب من خلالها أن يقتفي أثر ابنته عبر العالم الافتراضي، للوصول إلى آخر نقطة تفاعل، وإلى شبكة علاقاتها.

كانت الابنة اتصلت به في ساعة متأخرة بعدما نام للأسف، رغم أنه يبدو رجلاً مهووساً بالتكنولوجيا ويبقى على مدار الساعة متصلاً بالكاميرا والهاتف.

وهنا ميزة الفيلم الأساسية، أنه عالج حبكة كلاسيكية «قصة اختطاف»، باعتبارها لغزاً يكمن حله بواسطة العالم الافتراضي وليس الواقع.

أين هو الواقع أساساً؟ لا وجود له على الإطلاق. فالشريط الممتد لمئة دقيقة لا يعكس أي واقع في شكل مباشر. بل يعكس صوراً متدفقة عنه عبر كل أنواع الكاميرات والشاشات. هكذا تم تفتيت وتغييب «الواقع» باعتباره «الأصل» لمصلحة صور متشظية عنه. فالمكان فقد هويته وحضوره وثقله، مثلما تشوه الزمن الخطي التقليدي. وليس أمام المتفرج سوى صور ومقاطع فيديو للصبية المختفية تجسد لحظات من حياتها، ومقاطع أخرى لأمها التي توفت إثر مرض عضال وتركت ابنتها المراهقة في علاقة متذبذبة مع الأب. وكأن مقاطع الفيديو تلك أبقت الأموات أحياء بطريقة ما، وشهداء على ما جرى بعد رحيلهم.

وليس الواقع وحده الذي فقد سلطته، بل إن كاميرا السينما نفسها فقدت سلطتها أمام كل هذه الأنواع من الكاميرات السرية والمعلنة، بكل ما تتسم به من رداءة وضبابية واهتزاز ورؤية مشوشة، وزوايا التقاط عشوائية من أعلى وأسفل.

فالإيقاع البصري يقفز بالمتفرج من شاشة الهاتف إلى شاشة «الحاسوب» ثم كاميرا المراقبة ثم شاشات البرامج الإخبارية في التلفزيون. فهل نحن أمام «سينما» بالمعنى الكلاسيكي أم «سينما رقمية» ذات لغة مغايرة كلياً؟

مع ملاحظة أن أبطال هذه الجماليات في الحقيقة ليسوا الممثلين وإنما الأطقم الفنية والتقنية التي تدير تلك الشاشات كلها، وتعتمد على كاميرات غير سينمائية، في إنجاز فيلم في أقل من أسبوعين.

بالتأكيد هناك أفلام كثيرة لامست العالم الافتراضي بطريقتها، وبعضها اشتغل مباشرة على جماليات تلك الشاشات والكاميرات الشخصية مثل فيلم Unfriended الذي اعتمد على محادثة فيديو بين مجموعة الأصدقاء، لكن فيلم «بحث» ومن واقع التقويم النقدي والجماهيري، من أفضل الأفلام التي قدمت لنفسها صياغة رقمية مدهشة.

كان الأب في حالة لهاث متنقلاً بين الشاشات والتطبيقات وتحليل المعلومات. ورغم توجه التحقيق «الواقعي» الذي قامت به المحققة الخاصة «فيكي» (ديبرا ميسينغ) إلى إغلاق القضية واعتبار الابنة في عداد الموتى، فإن الأب كان لديه تلك الحاسة الداخلية بأنها على قيد الحياة، وأنه في سباق مع اللحظات وليس الساعات للوصول إليها وإنقاذها.

في الواقع كانت حركة الأب محدودة جداً، بينما في «العالم الافتراضي»، كانت حركته واسعة جداً، ما بين الماضي والحاضر، والتنقيب في ملفات الابنة وإجراء الاتصالات ومكالمات الفيديو.

فهل باتت ابنته الوحيدة في عداد الموتى كما يقول التحقيق «الواقعي» أو مازالت على قيد الحياة حسب حدسه ومعطياته «الافتراضية»؟

ثم ماذا سيفعل حين يكتشف أن «الاسم الوهمي» الذي كانت تتواصل معه ابنته وأعطته مالاً، هو نفسه ابن الشرطية التي تتولى التحقيق في القضية وتسعى لإغلاقها؟

هل يعني ذلك أن معطيات الواقع قابلة للتدليس والتضليل وإخفاء الحقيقة، أكثر من معطيات العالم الافتراضي؟

أياً كانت الإجابة عن الأسئلة، وبغض النظر عن مصير الابنة، فالشريط يدشن ببراعة لهزيمة الواقع وتلاشيه أمام النسخ اللانهائية للعالم الافتراضي الذي يعيد- كل يوم- تعريف الحياة والموت والأسرة والأبوة والزمن والحب.