لماذا 2019 عام إفريقيا؟

إبراهيم الصياد |

بعد قيام الثورة المصرية عام 1952 ألف جمال عبدالناصر كتاباً سماه "فلسفة الثورة " وكان من بين ما تحدث عنه الكتاب دوائر تحرك السياسة الخارجية المصرية في ذلك الوقت، ومنها الدائرة الإفريقية التي تعد من الدوائر الأكثر فعالية وزخماً حيث جاءت مرحلة التحرر الوطني في المنطقة العربية متناغمة مع رغبة الدول الإفريقية، خاصة الواقعة جنوب الصحراء، في الاستقلال وبالفعل شهد عقدا الخمسينات والستينات موجة تحررية أسفرت عن أفول نجم الامبراطوريات الاستعمارية التقليدية في إفريقيا.


ودشن أول تجمع إفريقي في العصر الحديث في 25 أيار (مايو) 1963 وهو منظمة الوحدة الإفريقية في القاهرة - تحول فيما بعد إلى الاتحاد الإفريقي - ومنذ ذلك الوقت حتى رحيل الرئيس عبدالناصر في عام 1970 شهدت العلاقات المصرية الإفريقية والعلاقات العربية الإفريقية بشكل عام ازدهارا في كل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والإعلامية لكن لوحظ خلال الأربعين عاما التالية حدوث تراجع في هذه العلاقات ناقشت أسبابها أقلام المحللين وتناولها كثير من الدراسات والبحوث منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: الإنشغال العربي بالحروب مع إسرائيل لم يجعل التعاون العربي الإفريقي يحتل سلم أولويات الاهتمام العربي نقول هذا رغم أن نتائج حرب السويس عام 1956 كانت عامل تفعيل للحركات التحررية في إفريقيا وساهمت في حصول عشرات الدول الإفريقية على استقلالها وفي حين لم يكل التحرك السياسي العربي في إفريقيا بعد حرب 1967 وصولاً إلى حرب 1973 حتى نفض الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي عنه عباءة القومية العربية وتحول إلى الوجهة الإفريقية في التسعينات ولكن أي دارس لهذه الفترة جيدا يكتشف أن القذافي لم يقرب بين العرب وإفريقيا بقدر ما وضع حواجز بين الجانبين نتيجة خلافاته مع كثير من نظرائه العرب في ذلك الوفت.

ثانياً: التسلل الإسرائيلي إلى إفريقيا وتغلغلها إلى مفاصل القارة منذ السبيعنات بشكل غير معلن في البداية حتى تم التمكن من الوصول إلى عمق إفريقيا جنوب الصحراء فقامت إسرائيل بفتح مجالات للتعاون الإفريقي من منطلق خطاب دعائي خبيث تم إقناع الدول الإفريقية به وهو امتلاك إسرائيل الحصري للتكنولوجيا وأسباب التقدم بينما العرب غارقون في التخلف ولن يقدموا للأفارقة غير الأقوال ولم نجد خطة عربية تفند الخطاب الدعائي الإسرائيلي!

ثالثاً: تراجع الفكر الوحدوي أمام موجات الدعوات الانعزالية والانكباب على النفس وظهر هذا التوجه بعد توقيع معاهدة الصلح مع إسرائيل عام 1979 وحدث ما يمكن تسميته شرخ في العلاقات العربية – العربية، ما جعل كثيراً من الأنظمة العربية تغلق الباب أمام الآخر ومنه بالطبع إفريقيا.

رابعاً: سوء الفهم في "سيكولوجية" التعامل بين العرب والأفارقة ربما لأن المستعمر التقليدي نجح قبل أن يرحل في غرس ثقافته في الدول الإفريقية سواء الاستعمار البريطاني أو الاستعمار الفرنسي، ما أدى إلى تسيد الثقافة الأنجلو سكسونية والثقافة الفرانكوفونية انحصرت الثقافة العربية التي تركزت في البعثات الأزهرية إلى الدول الإفريقية.

خامساً: القصور في مد جسور التواصل مع القارة وإفتقاد لغة خطاب مشتركة رغم أن مصر ارتبطت بإفريقيا ثقافياً من خلال شبكة واسعة من الإذاعات الموجهة باللغات المحلية الإفريقية مثلما ارتبطت مع باقي الدول العربية عبر أثير إذاعة صوت العرب وأنشأت صندوقاً للتنمية الإفريقية ومركزاً لتدريب الإعلاميين الأفارقة الناطقين باللغات الفرنسية والإنكليزية والعربية ونلاحظ أنه لم يتم الاستحواذ على الاهتمام الإفريقي الذي انصرف إلى الثقافات الغربية مع ثورة وسائل الاتصال الجمعي فيما لم تساير سياساتنا الإعلامية رياح التغيير هذه!

سادساً: لجوء الدول الإفريقية للغرب أو المستعمرين القدامي في عملية التنمية بالقارة وهو أمر طبيعي حيث انطبع في ذهن الأفارقة أن دول الشرق الأوسط باستثناء إسرائيل تصنف معها دولاً من العالم الثالث وبالتالي من المفترض أن تتم عمليات التنمية بمعرفة العالم المتقدم وعمق هذا التوجه الفراغ العربي.

وفي عام 1998 تعرض الرئيس المصري السابق حسني مبارك لمحاولة إغتيال فاشلة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بينما كان يشارك في قمة الاتحاد الإفريقي وبغض النظر من كان وراء هذه المحاولة كانت هذه الواقعة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير ونجم عنها إقامة حاجز مع إفريقيا وزاد حكم الإخوان في مصر الطين بلة حيث لم تكن إفريقيا ضمن حساباتهم وأتذكر أن زياراتهم الرسمية كانت لمعظم دول العالم باستثناء إفريقيا لقلة الخبرة وسوء التصرف في التعامل مع الموضوعات المتعلقة بالدول الإفريقية الدليل على ذلك المؤتمر "السري" الذي أذيع على الهواء عام 2013 عن مشكلة مصر مع إثيوبيا بشأن سد النهضة.

وبعد ثورة 30 حزيران (يونيو) في مصر وسقوط حكم الإخوان وتولي الرئيس عبدالفتاح السيسي في 2014 عادت إفريقيا إلى مقدمة أولويات الأجندة المصرية وانتشعت من جديد الدائرة الإفريقية في السياسة الخارجية المصرية وأصبح من الضروري دعم العلاقات مع الدول الإفريقية في كل المجالات سياسياً واقتصادياً وأمنياً خاصة من خلال دعم دور الإعلام العربي في إفريقيا مرة أخرى بالوصول إلى العقل الجمعي ووجدان الشعوب الإفريقية باعتبار الإعلام قوة ناعمة يمكن أن تعيد تقريب الرؤى وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون مع إفريقيا لاسيما في ميادين الاستثمار والتنمية الاقتصادية والثقافية وأتصور أن العام 2019 من المتوقع أن يكون نقطة انطلاق لمشاريع عربية في إفريقيا تسحب البساط من تحت أرجل الأطراف التي استغلت فترة الخمول العربي الإفريقي وحاولت إقصاءنا من إفريقيا ولعل رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي هذا العام فرصة سانحة لإزدهار جديد في العلاقات العربية الإفريقية.

* كاتب مصري.