أرقام.. وما أدراك ما الأرقام!

علي القاسمي |

أكتب اليوم بخيبة أمل، ففي الأرقام ما يثير ويؤثر ويؤكد في الوقت ذاته أن هناك أخطاء تنمو وتتورم لتضعنا إزاء منعطفات حادة كـ «نصل»، وتجعلنا في حاجة ماسة للحلول والتفكير والحراك الجاد نحو ألا نتثاءب ونتجاهل مثل هذه الأرقام ونذوب في وهم أنها مجرد أرقام عادية وطبيعية وليت أني سأتوقف عند رقم مثل هذا إنما أخشى أن أتوقف يوماً بعد يوم عند أرقام تكشف عنها المتغيرات الاجتماعية والحكايات الناشئة هنا وهناك وتصبح ثمة سلسلة عن الأرقام وما أدراك ما الأرقام. الرقم الرئيس الذي سأمضي في الحديث عنه هو الرقم الذي يتحدث عن ثلاثة آلاف صك طلاق خلال شهر واحد تمثل نسبة 81 في المئة منها لسعوديين ومن دون بحث في مزيد من التفاصيل الرقمية والجغرافية، إلا أن هذه النسبة مخيفة وتحوي رقماً مربكاً يدل أن الوعي الأسري لدينا على المحك وأن هناك من يعمل بجهل أو عن سوء نية لتغذية العقول بشيء من الخيالات والحياة المهيأة من كل الجوانب، الحياة المغلفة بالورود والمغريات والمحاطة بالأحلام أكثر من أي شيء آخر، بل إن أزمة المقارنات الاجتماعية وعبث وسائل التواصل والتطلع للمظاهر المخادعة والكاذبة ألقت بظلالها في المجمل لتكوين مشاريع أسرية فاشلة وتعامل متراخٍ ومحبط مع كل فكرة لتكوين أسرة وحياة زوجية تتمتع بقدر مطمئن من الاستقرار.


ابتعدنا تماماً عن الواقعية وسحبنا بعض الحمقى والحمقاوات في مربعات ودوائر التواصل الاجتماعي إلى حكايات الثراء والرفاهية ومظاهر البريق الاجتماعي والزيف المصاحب، فما أعتقده من باب أولى أن ظهور مثل هذا الرقم نذير وجع وشؤم وتهديد حقيقي لمستقبل كثير من الجيل المتعطش لحياة أفضل واستقرار منشود، وليس هذا الاستقرار بالصعب ولا المستحيل متى ما كان الوعي على ما يرام والقناعة حاضرة كما يليق بعقلاء، لا كما يروج الجهلاء والماضون بنا لفتنة المقارنات والنظر بحماس وشغف لما يعيشه الآخرون والقناعة في أن الحياة ليست إلا سفراً وسوقاً وتصويراً وتشويشاً على الذين يعيشون في دفء وهدوء وراحة وأمان.

يقع بلا شك عبء أول على وزارتي العدل والعمل والشؤون الاجتماعية، كي تؤكد الأولى ما أفصحت عنه هذه الأرقام وتفتح الملف بكل صراحة، وتتحدث الثانية عن خطة عملها في احتواء وضبط هذا الانفلات، إذ يظل الطلاق بهذه النسبة ظاهرة تستدعي التوقف والتأمل والعمل والعلاج، ومواجهة الواقع والعمل الجاد على تكثيف الجهود وإيجاد الحلول لتخفيف حدة الرقم وما يصاحبه هي بلا شك خير من التعامل ببرود وتمرير الرقم بشيء من الشفقة والصمت.

المؤسسات الرسمية المعنية بالشأن الاجتماعي لا يجب أن تكون بمنأى عن هذه الفوضى الأسرية، ولعل من المهم جداً وأظنها خطوة حاسمة أيضاً في هذا الملف أن يُلاحق مروجو الوهم وسذج وسائل التواصل ويُساءلون عن الهدف والمراد، ولعل للمؤسسات الاجتماعية حديثا شجاعا وعملا منتظرا وتعرية أكثر وأكثر للأسباب وحكاية الطلاق التي باتت الأسهل في مشوار صعب.

@alialqassmi