العاصفة "نورما" مع دفق خيرات السماء... حملها كان ثقيلا على لبنان

العاصفة "نورما" تبلغ ذروتها (رويترز)
بيروت - "الحياة" |

بلغت العاصفة "نورما" التي تضرب لبنان على مدى ثلاثة ايام ذروتها بعد ظهر اليوم، وتصدرت اهتمامات اللبنانيين، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لتنظيم حياتهم على إيقاع تداعياتها امطارا ورياحا وثلوجا وصقيعا. وعلى رغم ان العاصفة حملت معها دفق خيرات السماء مطرا وثلوجا، إلا أن هذا الخير انقلب من نعمة الى نقمة والحق ضررا كبيرا في كثير من المناطق، بدءا من انقطاع الكهرباء الى الاضرار المادية الجسيمة في الممتلكات والمزروعات وفيضان للانهر والغدران،

وخصوصا نهر الغدير في حي السلم الذي الحق بفيضانه اضرارا في المنازل والممتلكات في محيطه. وتحولت الطرق، مع غزارة تساقط الامطار الى سيول وبحيرات وتجمعات للمياه تغرق فيها السيارات ويعوم المارة بفعل التقصير المزمن في الصيانة، على رغم الدعوات المتكررة لتنظيف المجاري قبل حلول الشتاء. وغمرت المياه والوحول عشرات مخيمات النازحين السوريين في مناطق عدة. فيما تسببت الامطار الغزيرة بانزلاقات اودت بشخص والعديد من الجرحى. واحتجز مواطنون كثر وسط الثلوج في مناطق جبلية.

واستنادا إلى مصلحة الأرصاد الجوية في مديرية الطيران المدني في مطار رفيق الحريري الدولي، فإن لبنان دخل في المرحلة الثانية من العاصفة التي تعتبر الابرد، وقد تجاوزت الرياح فيها ابتداء من ظهر اليوم الـ 100 كلم في الساعة، وهي من المرات النادرة التي تحصل في لبنان. وقد لامست الثلوج الـ500 متر.


وتوقعت دائرة التقديراتان يكون الطقس غدا غائما مع امطار متفرقة تكون غزيرة أحيانا خلال الفترة الصباحية مصحوبة بعواصف رعدية ورياح ناشطة، مع بقاء درجات الحرارة متدنية، كما تتساقط الثلوج على ارتفاع 600 متر في أقصى الشمال وما فوق ذلك في باقي المناطق، تنحسر الأمطار والثلوج تدريجيا خلال النهار ليحل مكانها موجات من الصقيع تؤدي الى تشكل الجليد على الطرقات الجبلية فوق 700 متر.

وتحوّل المسلك الشرقي لاوتوستراد ضبيه الى مستنقع اثر اشتداد العاصفة، وعدم التمكن من تصريف مياه الامطار اثر غزارتها ففاضت ودخلت الى المحال التجارية والمؤسسات. وعلق المواطنون داخل سياراتهم، ما ادى الى زحمة سير كثيفة في المحلة. أما في جسر نهر الكلب فغرق في المياه بسبب فيضان النهر ما ادى الى تعطل عدد من السيارات عملت فرق الدفاع المدني على مساعدة السائقين والركاب. وعمل عناصر من الدفاع المدني في الكورة، على سحب مياه السيول التي اجتاحت عددا من المتاجر والمطاعم على اوتوستراد اميون الذي تبركت فيه المياه جراء العاصفة . أما في بيروت فان لوحا من الزجاج تطاير من إحدى الشرفات في مبنى في محلة كركول الدروز، نتيجة شدة العواصف، واستقر على سيارة "مرسيدس 200 - كحلية"، وتناثر الزجاج واقتصرت الاضرار على الماديات.

وفي البقاع الغربي افيد عن اشتداد سرعة الرياح وتساقط الثلوج بكثافة بلغت سماكتها في بلدات دير العشاير وحلوى وينطا حوالى المتر. وغمرت الميا مخيمات النازحين في جب جنين وغزة والمرج والقرعون، وساهم الصليب الاحمر والهيئات الاغاثية بنقل عشرات الاطفال للمعالجة في مستشفيات المنطقة.

كما ادت العاصفة إلى اضرار فادحة في مخيمات النازحين في عرسال ومشاريع القاع، حيث غرقت المخيمات بمياه السيول وتحطمت الخيم جراء العواصف. وسارعت فرق الكوارث التابعة للصليب الأحمر اغلى تقديم المساعدات اللازمة للنازحين في المخيمات المتضررة، في ظل ألاوضاع المناخية الصعبة.

وفي الضنية فإن الأمطار الغزيرة التي هطلت والسيول التي تشكلت نتيجتها، تسببت بانهيار جدران دعم وانزلاق للتربة في بلدة القمامين في جرود الضنية، ما أدى إلى تصدع منازل باتت مهددة بالإنهيار إذا لم يتم تدعيمهما بشكل عاجل.

ومع تساقط الامطار بغزارة تحولت منطقة سهل عكار، ولا سيما ما بين نهري الكبير والاسطوان الى بحيرة كبيرة مع ارتفاع منسوب النهرين وفيضانهما باتجاه الممتلكات والاراضي الزراعية وبيوت الاهالي في بلدات المسعودية وحكر الضاهري والسماقية والعريضة وتلبيرة والكنيسة وتلبيبة، ما تسبب بخراب كل المواسم التي غمرتها السيول وأتت على انتاج البيوت الزراعية المحمية. وأجبرت الفيضانات العائلات الى هجرة منازلها في الطوابق السفلية ولجوئها الى الطوابق العليا او الى منازل اقارب لها ابعد نسبيا عن مخاطر الفيضان. كما ادت العاصفة المتواصلة في عكار إلى انهيارات كبيرة للأتربة والصخور على الطريق العام الذي يربط بلدة مجدلا والعديد من البلدات ببعضها وبحلبا مركز المحافظة، وهو الطريق الذي كانت البلدية قد عملت على توسعته مؤخرا تسهيلا لحركة الناس.

شاروق بحري... وقتيل وجرحى

وفي صيدا اشتدت العاصفة، حيث تساقطت الأمطار بغزارة صحوبة بزخات من حبات البرد ما أدى الى طوفان في عدد من الشوارع، في وقت تسببت الرياح القوية باقتلاع خيمة في المدينة الصناعية الجديدة وتضرر سيارتين في المكان. وسجل قبالة شاطىء صيدا ظهور شاروق بحري هوائي في إشارة الى اشتداد العاصفة في وقت بقيت حركتا الملاحة والصيد البحري معطلتين.

وشهد نهر الزهراني فيضانا لا مثيل له نتيجة تدفق الامطار في مجراه من نبع الطاسة حتى حبوش ونزولا الى البحر عند الزهراني حيث تتدفق مياهه على جانبي الاراضي الزراعية المجاورة له. وتسبب ذلك بحادث سير تعرض له الشاب العشريني علي اسامة جمعة من بلدة حومين الفوقا إذ انقلبت به سيارة بيك اب في محيط نهر الزهراني ما أدى الى مقتله. كما شهد نهر الليطاني عند الخردلي وقرب الزرارية فيضانا لمياهه نتيجة الامطار الغزيرة التي تساقطت ليلا وصباح اليوم.

وفاضت البرك لري المزروعات في يحمر، ارنون وكفرتبنيت والنبطية الفوقا نحو الحقول الزراعية المجاورة حيث غمرت المياه المزروعات. وأدى حادث انزلاق فان على طريق عام دير ميماس - النبطية الى سقوط 3 جرحى، فيما ادت السيول الى حدوث انهيارات ومنها انهيار جزء من حائط بين بلدتي زفتا والمروانية، فيما تشكلت البرك والبحيرات على الطرق الرئيسة والفرعية وغاصت فيها السيارات حتى المحرك وانقلبت اشجار على سيارة على طريق عام دير الزهراني- حبوش ونجا سائقها باعجوبة.

وفي صور فاضت المجاري الطبيعية عن قدرتها الاستيعابية، بسبب كثرة تساقط المياه والتعديات الحاصلة على تلك المجاري ما يؤدي إلى ضيقها وفيضان المياه.

والحقت الرياح المصاحبة للشتاء الاضرار بالمزروعات والخيم البلاستيكية وتوقفت حركة الملاحة البحرية في ميناء المدينة. فيما وصلت مياه الليطاني الى معظم البساتين الواقعة على ضفتي النهر في القاسمية، وجرفت شتول الموز التي لا تزال ثمارها عليها.

كما أدت العاصفة إلى انهيار الأتربة والصخور على طريق الخردلي في قضاء مرجعيون والذي يربط العديد من البلدات ببعضها بعضا ما أدى الى زحمة سير.

وشهدت منطقة بعلبك رياحا عاصفة وانخفاضا ملحوظا في درجات الحرارة وتساقط مستمر للثلوج، وقد سجل المزيد من الاضرار في الأشجار الحرجية والمثمرة، وأدى تراكم الثلوج إلى قطع الطرق الجبلية. كما شهدت معظم القرى البقاعية وخاصة قرى شرق بعلبك انقطاعا للتيار الكهربائي لليوم الثالث على التوالي نتيجة الاضرار التي خلفتها العاصفة على الشبكة.

وبسبب اشتداد العاصفةت رأس محافظ جبل لبنان القاضي محمد المكاوي اجتماعا في سراي بعبدا وتقرر اقفال طريق ضهر البيدر وطريق زحلة ترشيش بدءا من بعد الظهر حفاظا على سلامة المواطنين. وتم استعراض تداعيات العاصفة وما خلفته من اضرار على الاملاك العامة والخاصة والبنى التحتية. وتوافق المجتمعون على "أهمية متابعة الاحداث وتقييم الاضرار.

خدمات الصليب الأحمر

اعلن الصليب الاحمر اللبناني في بيان اليوم انه "وضع قطاعاته العملانية في جاهزية كاملة للتدخل في عمليات الإنقاذ والإغاثة، وان فرق الإسعاف والطوارىء قامت حتى صباح اليوم الثلاثاء بتلبية 581 مهمة اسعاف ، منها 49 إصابة من حوادث سير، و6 حالات ولادة ونقل مرضى قلب وغسيل كلى وحالات طارئة مختلفة إلى المستشفيات".

وتابع البيان: "نتيجة للسيول، غمرت المياه 5 مخيمات في منطقة السماقية في عكار فتوجه فريق من قطاع إدارة الكوارث إلى المنطقة وقام بإخلاء 703 أشخاص إلى أماكن آمنة، كما تم إخلاء 27 شخصا إلى مأوى تابع للمجلس النروجي للاجئين في المنية وجرى توزيع بطانيات وفرشات على النازحين في المدرستين مقدمة من الوكالة السامية لغوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة".

وأعلن وزير الدولة لشؤون النازحين في بيان، "عن تلقيه اتصالا هاتفيا من وزير الشؤون الاجتماعية بيار بو عاصي أبلغه فيه بأنه أعطى التعليمات الحاسمة لفريق عمله بالنقل الفوري لكل من يريد من الأخوة النازحين من المخيمات المتضررة الى مخيمات أخرى بشكل موقت، وأن سكان مخيم حوش الحريمة 034 و040 يمكنهم الانتقال فورا الى مخيم URDA في بر الياس، حفاظا على صحتهم وحياتهم".

لا مدارس الأربعاء

وقرر وزير التربية ​مروان حمادة​ إقفال ​المدارس​ والثانويات والمهنيات كافة وحتى تلك التي تعتمد الدوام المسائي للنازحين، ابتداء من ظهر اليوم الثلاثاء إلى صباح الخميس المقبل، وذلك بعد الإطلاع على التقارير المتعلقة ب​الأحوال الجوية​. كما أعلنت الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، في بيان، "التزام القرار الصادر عن وزير التربية والقاضي بالتوقف عن التدريس يوم غد الاربعاء".

العاصفة ومخيمات النازحين

وأشارت التقارير الأولية لهيئات إغاثية إلى أن حوالى 150 من المخيمات العشوائية المنتشرة في لبنان، تضررت من العاصفة، قرابة 70 منها اجتاحتها المياه التي فاضت عن جوانب الطرق أو الأنهر، وأكثر من 15 مخيما دمرتها الأمطار والرياح، وجرى نقل المئات من النازحين في هذه المخيمات إلى أماكن أخرى لإيوائهم، بعدما انهارت الخيم التي يعيشون فيها لا سيما في البقاع وفي الشمال. إلا أن من نقلوا من قبل بعض البلديات والصليب الأحمر وأهالي البلدات المحيطة يحتاجون وسائل وثياب تدفئة خصوصا أن المأوى الذي نقلوا إليه (مدارس أو مراكز تابعة للبلدية) ليس مجهزا بما يكفي، للعيش فيه، هذا فضلا عن نقص الطعام.

وأفادت هذه التقارير أن التقديرات منذ أول من أمس الإثنين تفيد بأن زهاء 10 آلاف نازح تضرروا بشدة من العاصفة ما اضطرهم إلى الخروج من المخيمات، وأن 50 ألفا بقوا في خيمهم في ظل خطر أن تؤدي الرياح وطوفان المياه إلى غرق الخيم أو اقتلاعها، ما اضطر بعضهم إلى الخروج من المخيمات للمبيت عند نازحين أقارب في مناطق قريبة، أو في بعض الجوامع، أو لدى الجهات القروية التي سعت إلى إنقاذهم من آثار العاصفة. وقدر عدد المخيمات التي دمرت كليا في الشمال اللبناني وحده بحوالى 8 مخيمات فيما بقي زهاء 90 مخيما تحتاج إلى مساعدة فورية لضخ المياه التي اجتاحتها إلى خارجها. وتحتاج خيم كثيرة في بعض المخيمات إلى إعادة تغطية الفتحات التي أحدثتها الرياح والأمطار في خيمهم البلاستيكية.