لقاء السيسي مع «سي بي إس»: استياء مصري واتهامات بعدم المهنية

القاهرة – هبة ياسين |

بعد الضجة الكبيرة التي سبقت عرض حوار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع قناة «سي بي إس» الأميركية عبر برنامج» 60 دقيقة»، انتظر الشارع المصري اللقاء لمعرفة حقيقة ما أفادت به الشبكة التلفزيونية الأميركية حول أنها تلقت طلباً من الحكومة المصرية بعدم بثه، كما حاولت الترويج بأن السلطة المصرية تخشى اللقاء.


وأفادت تقارير صحافية أن سبب المطالبة بمنع عرض اللقاء هو تأخر بثه أربعة أشهر، ومن ثم فقد تجاوزه الزمن، إذ سجل في أيلول (سبتمبر) 2018. لكنّ القناة عرضت برومو ترويجياً للحلقة في 4 كانون الثاني (يناير) الجاري، يحتوي تصريحات ومقتطفات مجتزأة لتصريحات السيسي في محاولة لتسويق اللقاء وكنوع من الدعاية وهي التي تعاني من تراجع في نسبة مشاهدتها.

أجرى الحوار المذيع اﻷميركي سكوت بيلي، ويعد «60 دقيقة» واحداً من أشهر البرامج التلفزيونية الأميركية، إذ بدأ بثه في العام 1968، وعلى مدار خمسين عاماً أجرى حوارات مع كبار قادة وزعماء العالم بينهم الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والرئيس المصري الراحل أنور السادات عقب انتفاضة الخبز في العام 1977، والرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك في العام 2002، وأيضاً الرئيس السوري بشار الأسد وملك الأردن عبدالله الثاني، والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الذي انسحب من البرنامج عقب أسئلة استفزازية، إضافة إلى لقاء مع ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان قبل عامين.

وخرجت حوارات معظم القادة والشخصيات العربية في شكل جيد ولم يحدث اجتزاء مثلما جرى مع الرئيس المصري، إذ جرى تحويل اللقاء إلى «وثائقي» يستهدف إدانة الدولة المصرية ويخدم جماعة الإخوان المسلمين ويروّج مظلوميتهم المزعومة، ويظهر عبر جلسة أقرب إلى الاستجواب منه إلى الحوار.

ولم يحمل اللقاء أي أسئلة جديدة للرئيس المصري بل تطرق إلى موضوعات تجاوزها الوقت بسنوات، وتطرق إليها السيسي في أحاديث تلفزيونية وصحافية سابقة، ومنها فض اعتصام رابعة في العام 2013.

ومن النقاط المثيرة للجدل والتي اجتزئت من تصريحات الرئيس المصري، التنسيق بين مصر وإسرائيل أمنياً في سيناء، بما يوحي بأنها تتدخل في الحدود الشرقية وتنتهك السيادة المصرية. لكنّ المفاجأة أتت بعد عرض الحوار، فخرجت إجابات الرئيس عكس ما رُوج له، إذ قال: «تحتاج الطائرات المصرية أحياناً العبور إلى الأراضي الإسرائيلية لشن ضربات ضد عناصر إرهابية، ولهذا ثمة تنسيق أمني بين البلدين في هذا الصدد».

وكان الرئيس حاسماً وواضحاً وهادئاً في إجاباته خلاف ما تم الترويج له بأنه كان منفعلاً. وهو ما أوضحه سؤال فج للمذيع حول الإرهاب في سيناء وحدد سكوت بيللي عددهم بألف إرهابي فقط وسأل السيسي: لماذا لم تبد الإرهابيين في سيناء بينما تتسلم أكثر من بليون دولار من المساعدات العسكرية سنوياً؟ لكنّ الرئيس باغته بحسم وثقة قائلاً: «ولماذا لم تستطع الولايات المتحدة إبادة الإرهابيين في أفغانستان بعد 17 عاماً وإنفاق تريليون دولار؟».

الأبعاد السياسية

استعان البرنامج بمداخلات لشخصيات تنتمي إلى اتجاه واحد هو جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر عبر استضافة بعض عناصرها، وهم عبدالموجود الدرديري والناشط السياسي محمد سلطان وأحد مسؤولي إدارة أوباما آندرو ميلر، والمعروف بانحيازه للجماعة. وأورد البرنامج ضمن اللقاء تقريراً عن «الجماعة» يعكس معلومات مغلوطة عن الأوضاع الداخلية ومحاولة تقديم الإسلاميين بوصفهم أكبر كتلة معارضة للسلطة للإيحاء بقوتهم وتأثيرهم في الداخل المصري، رغم أنهم لا يمثلون أي معارضة ولا يمتلكون أرضية شعبية في الشارع المصري، وفي محاولة للتأثير على سياق الحلقة بما يخدم أهداف جماعة الإخوان والمزاعم أن 30 حزيران (يونيو) هي محض انقلاب عسكري وليس ثورة شعبية ضد الإسلاميين، فيما وصف أندرو ميللر خلال مداخلته الإرهابيين في سيناء بـ «المتمردين».

ولا يمكن إغفال البعد السياسي للموضوع والصراع بين الإخوان والدولة المصرية حول الأمن القومي المصري، ورغم النظرة إلى الإعلام الأميركي بكونه رمزاً للحيادية والمهنية فإن الحقيقة أنه أيضاً يخضع لرأس المال والاستعداد لتقديم خدمات بناء الصورة مقابل الدعم المالي، وثمة شركات دعاية تقدم خدمات في هذا الصدد.

وأكد اللقاء أنه لا يوجد إعلام محايد بل كلُ له توجهاته، وبدت «سي بي اس « أنها تحاول رسم صورة معينة للرئيس المصري بين دوائر السلطة الأميركية باحترافية بالغة عبر مداخلات لشخصيات إخوانية وأخرى منحازة لجماعة الإخوان المسلمين، وعدم إتاحة الفرصة كاملة لعرض وجهات نظر مؤيدة.

ولا شك في أن ثمة خطأ يقع على الجانب المصري، إذ كان ينبغي تنسيق اللقاء والإعداد له بشكل جيد، ومعرفة محاور اللقاء ومناقشة الأسئلة المتوقعة مع الرئيس، والاتفاق على توقيت وشكل العرض، ونوعية ومحتوى التقارير التي تتخلل اللقاء، ومن ثم يتعين مستقبلاً أن يكون هناك مخرج وكاميرا مصرية تسجل الحوار لتفادي الاجتزاء.

علامات استفهام

وقال رئيس تحرير «الأهرام ويكلي» عزت إبراهيم لـ»الحياة» إن «الشبكة الأميركية الكبيرة جانبها التوفيق في إعداد شكل الحوار واستغلال شعبية البرنامج في تقديمه بطريقة منحازة يبدو معها كما لو كانت محاكمة للأوضاع في مصر من دون وجود طرف آخر محايد أو مؤيد للسلطة المصرية. وثمة علامة استفهام كبيرة حيال الأشخاص الذين جرى استضافتهم بخاصة القيادي الإخواني عبدالموجود الدرديري، فهذا الرجل تواجد في واشنطن بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 ويتم تقديمه في الإعلام الدولي باعتباره متحدثاً باسم جماعة الإخوان المسلمين، بينما تاريخه يحمل كثيراً من علامات الاستفهام، بينها رفع الحظر عن دخوله الولايات المتحدة العام 2011 بسبب اتهامه في قضية أخلاقية أثناء إعداده لشهادة الدكتوراة في جامعة بنسلفانيا».

ولا يخلو الحوار من استخدام سياسي في ظل حالة صراع محمومة بين الرئيس الأميركي وخصومه وهو ما يوضحه عزت بقوله: «يستخدم الإعلام الليبرالي في الولايات المتحدة مثل هذه الحوارات للنيل من الرئيس الأميركي في إطار المعركة الداخلية التي تدور رحاها في أميركا، فكل من لهم علاقة توافق مع الإدارة الأميركية، يجنح بعض الصحف والقنوات في نزع الصدقية عنهم في بلادهم، وكان ينبغي توقع توجهات الإعلام الأميركي ليس فقط في إطار الحوارات السائدة بشأن استهداف مصر، ولكن في إطار معركة داخلية بين الليبراليين والمحافظين متمثلة في المعركة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وخصومه، ووجودنا في منتصف دائرة الاشتباك يجعل كثيراً من الشخصيات غير منصفة».

ويرى رئيس تحرير «الأهرام ويكلي» أن ثمة قصوراً في إعداد اللقاء وكان ينبغي أن يتم الاتفاق على الشكل الذي يخرج به البرنامج مسبقاً، وتلك مسألة مفروغ منها في حوارات الرؤساء تحديداً، إضافة إلى التعتيم الكامل على مراجعة الحوار والمشكلة الأكبر التي شابته هو الاجتزاء لجمل الرئيس، ثم يعرض بعدها بعض المشاهد التصويرية والفيلمية التي تخدم أغراضاً سلبية». ونوّه بأن «الدولة المصرية بحاجة إلى تواجد إعلامي في واشنطن كي يقترب من دوائر صنع القرار لتقديم صورة منصفة وحقيقية للوضع عن مصر، ولابد من وجود مستشارين إعلاميين وأطراف تدرك كيفية التعامل مع الإعلام الأميركي في هذه المرحلة».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير عزمي خليفة أن حديث الرئيس المصري مع «سي بي اس» جاء «واحداً من أقوى وأفضل اللقاءات الإعلامية للرئيس من حيث المحتوى، إذ تحلى الرئيس بالثبات رغم الأسئلة الاستفزازية، إضافة إلى مداخلات تخللت الحديث من شخصيات إخوانية استهدفت إحراجه».

واعتبر خليفة أن «المقابلات الصحافية والتلفزيونية لرئيس الدولة تتطلب إعداداً أفضل من جانب المستشار الإعلامي في السفارة، أو رئيس هيئة الاستعلامات مع الاهتمام بالشكل والمضمون، فثمة ضرورة للاتفاق المسبق على أن تعكس المداخلات التي تتخلل الحوار اتجاهات سياسية متعددة وليس اتجاهاً بعينه، وهذا حق للرئيس، وكذلك الاتفاق على الأسئلة الموجهة ومراجعة الحديث قبل تسليمه للقناة». واقترح ضرورة وجود فريق تلفزيوني مصري أثناء إجراء أحاديث الرئيس مستقبلاً أسوة بسوابق إعلامية مع مبارك والسادات».