ماذا تبقى من «باحثة البادية» ملك حفني ناصف؟

هند عبد الحليم محفوظ |

تنتمي ملك حفني ناصف (1886- 1918) إلى جيل مصري مستنير، رأى في التعليم وسيلة للنهوض بالوطن والتحرر من ربقة الاستعمار. و»باحثة البادية»، وهذا لقبها، لم تكن تريد إنصاف المرأة على حساب الرجل وإنما هي تريد إنصافها من أجله ومن أجلها، ومن أجل الأمة كلها. ويتضح ذلك في كتاب «آثار باحثة البادية... ملك حفني ناصف» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. جمع مادة الكتاب مجد الدين ناصف وقدمت له سهير القلماوي، في طبعته الأولى، وقدمت للطبعة الجديدة هدى أباظة التي ترى أن إعادة نشر أعمال ملك حفني ناصف تتيح إعادة اكتشاف تاريخنا واستلهام دروسه، والتعرف من قرب على الشخصية والأثر. وأدركت ملك خطورة محاربة الإصلاح باسم الدين، فأعربت عن تعصبها للدين والإصلاح معاً «إن الأديان لم تخلق لجلب البؤس، وإنما خلقت لإسعاد البشر». وهناك قيمة مهمة نتعلمها منها اليوم وهي قيمة قبول الآخر، وعندما تتحدث ملك عن هذه القيمة تقول: «التربية الحسنة هي التي تعود الإنسان من صغره احترام الغير إذا استحق الاحترام حتى لو كان عدواً». وقد حملت لقب «باحثة البادية» عقب زواجها وانتقالها للإقامة في مدينة الفيوم التي تعد واحة فيحاء في قلب الصحراء الغربية. واتهم عتاة «النسائيات» باحثة البادية بالرجعية رغم أن أحوال المرأة المصرية ظلت قضيتها الملحة، عندما نادت بوجوب اختصاص المرأة بالبيت، ولكنها حرصت على توضيح أن مسألة اختصاص كل فريق بشغل مسألة اصطلاحية لا إجبار فيها. كما تبدو ملك رجعية أيضاً عندما تعترض على مناهج التعليم السائدة في مدارس البنات والصبيان التي لا تراعي اختلاف طباع البنات والذكور، فتظل تلح في المطالبة بأن يكون للبنات مقررات تتناسب وتأهيلهن لمهماتهن في الحياة، والتي في مقدمها يأتي دورهن كزوجة وكأم حتى تمَّ تعديل المقررات، ولا يغيب عنها أن هذا المطلب مغاير للطريقة الحديثة في أوروبا من الجمع بين الصنفين في مدرسة واحدة. ترى ملك أن تعليم الفتيات يجب أن تكون غايته إعدادهن لأن يصبحن زوجات فضليات، وأمهات مجدات، متعلمات، «فالأمهات الجاهلات أكبر عثرة في سبيل نجاح المدارس». كما تؤمن بأن الأخلاق جزء لا يتجزأ من التعليم وهي مكون مهم من مكونات الهوية الوطنية.


وبخصوص مسألة الحجاب ترى أن المسؤولية تقع على عاتق الرجل والمرأة على حد سواء، فهي تطالب الرجل بغض البصر، والتزام آداب الطريق. ولكن – في نهاية المطاف – فإن العبرة في السلوك والأخلاق أكثر منها في الملبس.

وكتبت باحثة البادية خطاباً للكاتبة اللبنانية مي زيادة تقول فيه: «ليدعنا الرجل نمحص آراءه ونختار أرشدها، ولا يستبد في «تحريرنا» كما استبد في «استعبادنا». إننا سئمنا استعباده». فهي ليست بالمرأة الخانعة، أو المستسلمة: «ولا يغيظني أكثر من أن يزعم الرجال أنهم يشفقون علينا، إننا لسنا محلاً لإشفاقهم، وإنما نحن أهل لاحترامهم».

إن ملك تريد للمرأة المصرية حرية الحياة الحقيقية: حرية النفس من ربقة الاستعباد، حرية التصرف بالمال، حرية الإمساك بالمعروف، أو التسريح بالإحسان، حرية الرأي. إنها تريد لها أن تكون إنساناً بمعنى الكلمة، وليست «أنثى»، التي هي مجرد «ضد الذكر». وقبل أن نقرر وظيفة لها، يجب أولاً أن نقدمها من حيث هي إنسان لنيل درجة الإنسانية الكاملة، ومن حيث هي رفيقة الرجل نعدها لأن تكون شريكة بالمعنى الصحيح.

كما انتقدت العادات السيئة في المجتمع وبخاصة في المجتمع النسوي المدني «نسبة إلى المدينة»، وأهمها تفشي ثقافة الكسل والإسراف وانعدام الهدف والافتقار إلى الجدية، وهو ما يتجسد في ظاهرة البدانة وتقترح حلاً لها يتمثل في ممارسة رياضة المشي الذي لا يخل بوقار المرأة الشرقية، كما أن المتنزهات تمنح دروساً صامتة لجمال الكون وتسبيح الخالق والإيمان بما أنزله. كما طالبت بأن يكون للمجتمع المدني دور في تنمية المجتمع مثل إنشاء المدارس؛ «ولا يعيبنا أكثر من اتكالنا على الحكومة في كل أمورنا». كما انتقدت ملك بحدة «نساء المدن» بالمقارنة بالقرويات اللاتي تمتزن بالجد والنشاط، بينما نساء المدن لا عمل لهن سوى كنس الشوارع بذيول حبراتهن، وإثارة ترابها، وجراثيم الأمراض المنتشرة، ووقتهن ضائع بين استقبال الزائرات وزيارتهن».

وهاجمت ملك بشدة الإسراف في استخدام مساحيق التجميل، وتذهب إلى حد الشطط عندما تصف «طالية الوجه» بأنها «ساقطة»، وتضيف بحنق واضح: «فلتغضب من هذا القول من تغضب، فلا يهمني رضاء التماثيل». فهي كانت ترى أن طلاء الوجوه مناف للجدية التي تبغي تأصيلها في الفتيات والنساء في فترة من حياة الوطن تحتاج إلى تضافر جهود جميع أبنائه. كما أن باحثة البادية تعيش في عالم من «العلامات» حيث تكتسب جميع الأشياء حتى أكثرها تفاهة وسطحية معنى بردها إلى المركز الذي هو المصلحة العليا للوطن.

وكانت ملك تؤمن بضرورة مواكبة ركب المدنية والتقدم من دون تفريط وإفراط، مع الحفاظ على الهوية الوطنية؛ فهي تدعو الكتاب والباحثين إلى إيجاد مدنية خاصة بالشرق تلائم غرائزه وطبائع بلاده، ولا تعوقنا عن جني ثمار التمدين الحديث؛ «إن انصراف شبابنا لتلقي العلوم الحديثة في أوروبا يجب أن يكون لخير البلاد لا لشرها، فكما يتعلمون لأنفسهم يجب أن يقرنوا هذا النفع بنفع مواطنيهم، فواجبهم الوطني يقضي عليهم بأن يدخلوا كل ما يرونه صالحاً في بلادهم مع الاستغناء عن الأجنبي قدر الإمكان».

وترى سهير القلماوي أن ملك كانت أول كاتبة عربية في العصر الحديث، استطاعت أن تربط بين مفهوم شامل متعمق للتراث كتراث، ومفهوم واسع للجديد والمدنية الحديثة كمدنية. كما كونت ملك حزباً نسائياً للرقي بشؤون المرأة اسمه «الاتحاد النسائي التهذيبي» وشاركت في الحركات الوطنية فتطوعت لخياطة الثياب للهلال الأحمر إبان الحرب العالمية، وأعطت الأجانب صورة مشرقة عن المرأة المصرية وسط غبار التعصب السياسي واتصلت بسيدات أجنبيات كن يفدن إلى مصر أو يراسلنها مثل السيدة كاميرون صاحبة كتاب « مؤلفة في أفريقيا»، والسيدة إليزابث كوبر مؤلفة كتاب «المرأة المصرية». كانت باحثة البادية لها عين على الشرق وعين على الغرب، مع انحياز كامل للوطن.