الأمثال الأندلسية... بصمة حضارية إسلامية

محمد حسين ابو العلا |

لا شك أن الاحتكام للتجربة التاريخية للأمم والشعوب يعد محكاً موضوعياً في الحكم على غيرها من التجارب على اختلاف الخصوصيات والظرفيات الحضارية وعمق الهويات وحداثتها ودرجة ثراء العقل الجمعي واجدابه من ثم تتجلى طبيعة الوعى سواء كانت رخوة أم حادة، أحادية أم تعددية. ولعل تلك التجارب قد مثَّلت نقلة نوعية لدى بعض الشعوب نحو تشكيل أسس النهضة الحضارية كما ارتدت بغيرها عقود وقرون حالت دون الوجود الفعلي في طوفان الحركة التاريخية فتشعبت المصائر بين التقدم والتخلف والرجعية والانطلاق والحضارة والبربرية وبين القيمة والعدم. ولعل العديد من الكتابات والبحوث قد سجلت ورصدت مخاضات كل ذلك لكن كان أحدثها دراسة أمثال عربية من الأندلس للدكتور خالد عبد الكريم تلك التي أفاض فيها عن امتياز التجربة الأندلسية بالخصوبة والثراء والتفاعل الثقافي والاندماج والاحتواء لبدائع وإشراقات الحضارة الإسلامية، مشيدا بالأندلسيين الذين سجلوا كل أثر ذهني أو حياتي بل كل شاردة ووارده قد اختزنتها الذاكرة الجمعية وصاغتها على مهل في إطار محاور معبد الأمثال والحكم والمأثورات التي جرى رصدها من فترات زمنية مختلفة من تاريخ الإسلام في الأندلس وكانت بدايتها من القرن الثاني الهجري إلى القرن الثامن الهجري.


وكان التحدي في هذا الكتاب بالنسبة إلى مؤلفه هو استقصاء الأمثال التي صاغها الأندلسيون بلسان عربي مبين على خلاف الدراسات التي سبقت هذا الكتاب والتي اقتصرت على جمع أمثال العامة في لهجة دارجة وهو ما يدحض فكرة وجود صعوبات في معرفة ما إذا كانت العربية الفصحى هي لغة الحوار والتواصل بين شرائح المجتمع الأندلسي كافة. ولعل أطروحة خالد عبد الكريم قد أسهمت في تكوين صورة مغايرة لما حاولوا تأكيده عن ثنائية اللغة في الأندلس إذ قدم نحو أكثر من أربعين مثلاً تكلم بها أهل الأندلس على اختلاف فئاتهم وشرائحهم في طبقات المجتمع، لكن كانت هناك معيارية موضوعية في اختيار تلك الأمثال جاءت خلال محددات أربعة هي: أن يكون المثل بفصيح العربية وأن يعد إفرازاً فعلياً لحوادث تاريخ الأندلس وأن تشكل كلماته ومضموناته ومضات من أثر البيئة الأندلسية، أما آخرها فلا بد أن يكون مما تمثل به الأندلسيون في مواقف مختلفة وكثر ترديده واستحضاره والوقوف على جوهره ومكنوناته. ويقدم المؤلف باقة ثرية من هذه الأمثال؛ نذكر منها: (مخالفة العامة حرب)، وهو ما يشير إلى حجم المشقة التي يلقاها من يتجرد لتغيير قناعات الناس وتوجهاتهم ورؤاهم إذا كانوا مخطئين، فيتصدى له الحمقى الذين يجحدون الأشياء والأحداث وعموميات المنطق رغم أن أنفسهم استيقنت الصواب. ومثل آخر يقول: (الرأي للرأي مصقلة) وهو ما يحض على المشورة والاستعانة بضرورة التماس الرأي الآخر عند أهل الذكر والعقل ومن تكتظ حياتهم بالتجارب والممارسات. ويختتم عبد الكريم أطروحته بنتائج واستدلالات فكرية صائبة يتصدرها أن النصيب الوافر للأندلس في إثراء الفكر العربي الإسلامي متعدد ومتشعب وغزير. وينتقل إلى الفكرة الأخطر وهى أن العقل الأندلسي تفاعل وانهمك مع محيطه العربي الإسلامي فأخذ عنه عناصر التكوين ثم أعطاه ملامح إبداعية كثيرة. إن الكتاب في جملته إنما يقص أصداء الفكر العربي الإسلامي في منطقة إشعاعه التاريخي في الأندلس والتي كانت آخر نقطة في انطلاقات الفتح العربي، لكنها لا بد أن تظل بؤرة إلهام ومصدر وحي للعبور نحو مستقبل فكرى رائد.

ولعل هذا إنما يمثل حواراً حضارياً ودرساً تاريخياً لعالمنا الإسلامي المعاصر، فهو حين أنتج علماً وفكراً وأدباً وفناً استطاع أن يؤثر في الآخر ويعلن عن ذاته للعالم بكونه وجوداً فاعلاً وليس مسخاً جغرافياً أو تاريخياً أو حضارياً. ذلك لأنه حين كان يمتلك أسس النهضة أنهض الآخر، لكن القانون المعاصر أصبح قائماً على تعويق الآخر، فما بالنا وأن الآخر الذي هو العالم الإسلامي يعوق ذاته ويعجز عن فك القيود التي تطوقه.

* كاتب مصري