أحمد شوقي... قرن ونصف قرن من «الشعر الجديد»

أحمد شوقي (ويكيبيديا)
صلاح حسن رشيد |

إذا كثر أعداء الرجل؛ وكانوا من العقلاء؛ فاعلم أنه إنسان عظيم! ومَنْ غيرُ شوقي؛ الذي تمالأ عليه الخصوم؛ وشنَّع عليه المتزيِّدون؛ وولغ في لحمه الآكلون والشاربون؛ ووصمه بما ليس فيه الكارهون، والكاشحون؟!

فما تأثَّر شوقي؛ بحملات التشويه، والتشهير، والبهتان المبين! ومَنْ غيرُ شوقي؛ الذي تغنّى بأشعاره الوالهون، والصادقون، والناقدون، والفاهمون، والفنانون؟! فلا جرم؛ أنه أعجوبة القرون؛ فقد اختصر الزمن والتاريخ؛ فطاول عمالقة الشعر العربي في عصوره الزاهية؛ فوضع نفسه- بجدارةٍ- بينهم؛ فعارضهم، ونافسهم؛ فكان ثالث الثلاثة: امرأ القيس، والمتنبي!

فبعد قرنٍ ونصفٍ من الزمان؛ على ميلاد أمير الشعر والنثر/ أحمد بك شوقي؛ تُرى؛ أين هي الكتابات التي أفرغتْ قيحها، وصديدها دفعةً واحدةً للنيل منه وتحطيمه؟! وهل بقي منها شيء أمام محكمة الأدب والنقد والتاريخ؟! وهل مازالت حيةً؛ يقرأها الناقد الحصيف؛ أم ماتت في رحم أصحابها وصويحباتها؟! فأين؛ إذاً؛ «الديوان» للثالوث: العقاد، والمازني، وشكري؟! لقد أصبح نسياً منسياً؛ حتى في حياة أصحابه! وبقي شوقي وحده؛ تزهو البشرية بشعره؛ وتترنم به؛ وتفخر، وتُفاخِر؛ أنْ رأت في القرن العشرين شاعراً؛ يُطاوِل؛ بل؛ يصاول أمراء الشعر العربي في عز مجده الغابر! فهامة شوقي؛ تُماثِل هامات: امرئ القيس، وبشار، وأبي نواس، وأبي تمام، والبحتري، وابن الرومي، والمتنبي، والمعري! وشعره يضاهي أشعارهم؛ برغم الفارق الزمني الطويل بينهم وبينه. فوفقاً لأحد النقاد المنصفين: «شوقي؛ كان تعويضاً عادلاً عن عشرة قرونٍ خلت بعد المتنبي؛ لم يظهر فيها شاعر موهوب يصل ما انقطع من وحي الشعر ويجدد ما اندرس من نهج الأدب».


إذاً؛ فشوقي يزن عشرة قرون؛ بشعرائها، ومبدعيها، وعباقرتها، ونوابغها! فهو رجلٌ يزن أمةً، وهو رجلٌ يزن وحده شِعر أمةٍ، وهو رجلٌ؛ مُكَلَّلٌ بالمجد، والحسد معاً؛ من أنصاره، وخصومه.

ويكفي دليلاً على عظمة شوقي الشعرية؛ أن العملاق عباس محمود العقاد؛ الذي شنَّ على شوقي أشنع معركة شخصية؛ رجع إلى صوابه، ولكن بعد رحيل شوقي بربع قرنٍ؛ فاعترف به أميراً للبيان، والفن؛ فقال في كلمة ألقاها في مهرجان أقيم في القاهرة، في العام 1958م؛ احتفاءً بأمير الشعراء: «كان أحمد شوقي علماً في جيله، كان علماً للمدرسة التي انتقلت بالشعر من دور الجمود والمحاكاة الآلية إلى دور التصرّف والابتكار». وكذلك؛ اعترف إبراهيم عبد القادر المازني لشوقي بمكانته وعبقريته؛ فقال: «جئنا؛ وشوقي يملأ الأفق؛ فأردنا الظهور على أكتاف شوقي بشتى السبل».

وقال الدكتور الطاهر أحمد مكي: «شوقي؛ اختصر الزمان، والمكان، والثقافات؛ فعاش في العصر الحديث؛ وهو سيد الشعر، والتجديد؛ بلا منازع». وهنا تحضرني مقولة الناقد الدكتور مصطفى الشكعة: «لو اخترنا مئة شاعرٍ على مستوى البشرية؛ لكان منهم شوقي. ولو اخترنا ألفاً؛ لَما كان منهم العقاد».