جدل مصري حول عقد قمة ثقافية عربية

مكتبة الإسكندرية . (رويترز)
الإسكندرية- سحر الببلاوى |

وضعت مكتبة الاسكندرية على رأس أجندة اللقاء الختامي لأنشطتها خلال العام 2018 والذي عقد أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي في حضور عدد كبير من «أصدقاء المكتبة» بنداً يتعلق بأمل تمنت أن يتحقق خلال العام 2019 وهو عقد قمة ثقافية عربية. لكن الأحاديث التي دارت في جلسات هذا اللقاء السنوي، ابتعدت عن هذا المحور، إلا قليلاً؛ ربما لمثاليته وضعف الأمل في تحققه، وظهر هذا جلياً في أطروحات منصة الجلسة الافتتاحية التي أدارها مدير مكتبة الإسكندرية الدكتور مصطفى الفقي، وفي مداخلات القاعة أيضاً، إذ تركزت هذه وتلك إلى حد كبير على قضية تجديد الخطاب الديني، وخطورة ازدواج التعليم في مصر ما بين مدني وديني. وربما شجَّع على اتخاذ الحوار هذا المنحى إعلان الفقي عن إصدار مكتبة الإسكندرية طبعة جديدة من كتاب «مستقبل الثقافة في مصر»، لعميد الأدب العربي طه حسين، علماً أن طبعته الأولى صدرت في العام 1938، ومن ثم تجدّد الجدل بشأن الأزهر ومناهجه الدراسية؛ ما بين معارضٍ صوتُه كان الأعلى، ومؤيد ذي صوت خفيض، إذا جاز التعبير.


وقد يوضح ذلك خلو المنصة سوى من صوت «ديني» واحد هو الدكتور أسامة الأزهري، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية، بين أصوات «علمانية» تمثَّلت في وزير الثقافة الأسبق جابر عصفور، ووزيرة الإعلام السابقة درية شرف الدين، ووزير الشباب الأسبق علي الدين هلال، ووزير شؤن البرلمان الأسبق مفيد شهاب، والناقد الدكتور صلاح فضل وأستاذ العلوم السياسية أحمد يوسف أحمد، والفقي نفسه ومساعده في إدارة اللقاء والإعداد له الدكتور سامح فوزي.

ولهذا حرصت «الحياة» على استطلاع آراء عدد من المشاركين في اللقاء بشأن القمة الثقافية العربية المقترحة، على هامش اللقاء. وكان أستاذ العلوم السياسية المدير السابق لمعهد الدراسات والبحوث العربية (التابع لجامعة الدول العربية) الدكتور أحمد يوسف أحمد، قد قال في الجلسة الافتتاحية للقاء إن الدكتور مصطفى الفقي هو مِن أوائل الذين دعوا إلى عقد تلك القمة قبل نحو عشر سنوات، مشيراً إلى أن أروقة جامعة الدول العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم شهدت اجتماعات كثيرة لمناقشة الفكرة نفسها واتخذت خطوات من أجل عقدها؛ «ثم عرقلت ثورات الربيع العربي هذه الخطوات». ولفت يوسف إلى أنه يستشعر حالياً اهتماماً رسمياً بعقد تلك القمة، معرباً عن أمله في أن يكون لمكتبة الإسكندرية والمؤسسات الفكرية العربية عموما دور في الدفع نحو قرار رسمي في هذا الشأن، بخاصة أن الأوضاع الثقافية العربية باتت في منتهى السوء. وقال إنه يخشى أن يهيمن الطابع الرسمي على تلك القمة المرتقبة، ومن هنا لا بد أن يكون للمثقفين دورهم، في بلورة رؤاهم لتكون على رأس جدول أعمالها، وفي حال تعذر ذلك فإن عليهم السعي لعقد لقاء عربي غير رسمي لمناقشة الأوضاع الثقافية العربية حتى وإن واجهت هذا السعي مشكلة التمويل مثلاً، «فنحن نستطيع؛ لأن الدول لها دورها في رعاية الثقافة ولكن مهمة انقاذ الثقافة العربية لا يجب أن تترك للأنظمة الرسمية وحدها».

أنظمة لا تهمت بالثقافة

وشكَّك كثير من المثقفين المشاركين في اللقاء في إمكانية تحقق حلم عقد قمة ثقافية، وقال الكاتب المصري النوبي حجاج أدول لـ»الحياة»:»لا أظن أن ذلك ممكن. كيف تقبل الأنظمة بعقد قمة ثقافية، ومعظمها لا يهتم بالثقافة أصلاً؟». وأضاف: «إذا كنا نتحدث عن قمة ثقافية فيجب أن يقوم بها المثقفون أنفسهم ولا يسمح بمشاركة أي مسؤول فيها حتى وإن كان وزيراً للثقافة؛ لأنه موظف ينفذ التعليمات التي يتلقاها. هناك مثقفون على درجة عالية من الإبداع والفكر يمكنهم عقد لقاءات مع رجال أعمال من المهتمين بالشأن الثقافي لوضع آليات تضمن تمويلاً ذاتياً لعقد تلك القمة». ورأى الكاتب أحمد الجمال في تصريح لـ»الحياة» أن فكرة عقد قمة ثقافية عربية قابلة للتحقق ولكن غير القابل للتحقق هو أن يكون لها مضمون جاد وعملي ينفذ على أرض الواقع، فالعبرة بالتنفيذ». وأضاف: «أميل إلى الاعتقاد بأن تكون قمة مشتركة بين متخذي القرار من كبار المسؤولين؛ رؤساء أو غير الرؤساء، والمثقفين العرب، بحيث تتخذ قرارات يشرف على تنفيذها المثقفون أنفسهم».

وأوضح الجمال أن أهم موضوع تجب مناقشته خلال تلك القمة المرتقبة هو موضوع الحريات؛ لأنه لا يمكن لمشروع ثقافي متكامل أن يتم إلا بإطلاق الحريات على أساس من الدستور والقانون وليس على أساس أي مرجعية أخرى، بالإضافة إلى مناقشة أهمية التفاعل مع الحضارات والثقافات الأخرى؛ في الغرب والشرق».

وقال الأكاديمي السوري محمد مرعي: «إننا أحوج ما نكون لعقد قمة ثقافية عربية بخاصة لما يعانيه القسم الشرقي من الوطن العربي في سورية والعراق ولبنان من اختطاف للهوية الثقافية العربية من قبل دول الجوار والثقافات المجاورة». وأضاف: «نحن نحتاج من خلال هذه القمة إلى تحديد هويتنا العربية، فمنذ بداية القرن العشرين الذي يطلق عليه قرن اليقظة العربية وإلى الآن نسأل هل هويتنا عربية أم إسلامية أم شرق أوسطية. ويرتبط بذلك منتج ثقافي يُقرر تعليمياً منذ منذ المرحلة الابتدائية. وفي هذا السياق أنا لا أتفق مع الدعوة إلى تنحية الخطاب الديني أو التعليم الديني، لأن غيابه سيخلق لنا متطرفين، ولكن يجب أن نجدد في ذلك التعليم لجعله يتناسب مع التطور التكنولوجي».

ضرورة ملحة

ويرى الخبير الإعلامي المصري ياسر عبد العزيز ضرورة ملحة لعقد قمة ثقافية عربية؛ لأن الاخفاقات التي تُمني بها القمم السياسية العربية أحياناً؛ ربما تعود في بعض أسبابها إلى غياب توافق ثقافي عربي. يجب ألا تكون قمة تتخذ قرارات تستند إلى إجماع أو توافق ولكن قمة تناقش المستجدات أو التحديات التي تواجه الأوضاع الثقافية العربية وترتبها وتصنفها في أولويات وتطرح الحلول الممكنة لها وأتصور أن قمة ثقافية عربية هي مطلب حيوي وضروري للتنمية والإصلاح الثقافيين وأيضاً لإعادة ترتيب الأولويات». وجدد عبد العزيز تلك الأولويات في موضوع اللغة العربية «التي تواجه ضغوطاً يمكن أن تزعزع مكانتها وتزعزع دورها الحيوي، بالإضافة إلى تجديد الخطاب الديني بتعزيز قيم التسامح وقبول الآخر، وأيضاً الحوار مع العالم وأسس وقواعد هذا الحوار، والإرهاب والتطرف كمنتج ثقافي وليس كمنتج سياسي وأمني. كلها أولويات عليها إجماع ويمكن البناء عليها».

ولا يجد عبد العزيز ما يمنع عقد قمة ثقافية عربية قريباً، «فمثلاً هذا العام؛ الرياض هي عاصمة الثقافة العربية، فلماذا لا تتوج تلك المناسبة بعقد تلك القمة في العاصمة السعودية؟. ويصف أستاذ الأدب واللغة العربية في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو الدكتور وائل فاروق فكرة إقامة قمة ثقافية عربية بأنها فكرة لامعة ولكنه يعتقد أن هذه القمة لن تؤدي الدور المرجو منها ما لم تسبقها فاعليات كثيرة، حيث تنعقد القمم عندما يتشكل على مستوى القاعدة ما يدعو إلى عقدها. وأضاف: «إذا كانت القمة ستنعقد ليجتمع أشخاص ذوو نفوذ لفرض قرارات من أعلى لتضع الثقافة العربية في مسارها الصحيح فأنا أعتقد أن هذا لن يكون شيئاً جيداً». وقال فاروق: «لا نريد قرارات مثل تلك التي تتخذها مجامع اللغة العربية وتظل على أخيتها مهملة وخارج إطار الاستخدام العام». ويعتقد فاروق أن «الفكرة في حد ذاتها رائعة لأنها ستكون قاطرة لتنشيط الكثير من الفاعليات على مستوى القاعدة ولا تكون مجرد اجتماع لاتخاذ قرارات منفردة لأنها ستكون غير قابلة للتنفيذ».

ويرى أن أهم الموضوعات التي ينبغي أن يتضمنها جدول أعمال تلك القمة المرتقبة هي ضرورة التحرر من الثنائيات التي حكمت الثقافة العربية لوقت طويل مثل الأنا والآخر، التراث والحداثة، الأصولية والاعتدال. ويقول: «هذه الثنائيات التي استهلكت العقل العربي والجهد الثقافي العربي لعقود طويلة؛ علينا أن نتحرر منها ونطرح أسئلة جديدة. ما لم نبدأ في طرح أسئلة جديدة فلن نصل أبداً إلى إجابات عن أسئلة الواقع الذي نعيش فيه والذي يطرح تحديات كبرى». ويضيف: «نحن نعيش ثورة رقمية أحدثت خلخلة عظمى في ثقافات العالم. يكفي أن نقول اليوم إن آباء العلمانية الأوروبية يدعون الآن إلى عودة الدين إلى الفضاء العام، بينما نحن نحاول أن نحمي الفضاء العام من تغول الجماعات الدينية والايديولوجيات الدينية الأصولية. إذا وضعنا قضايانا العربية في سياقها العالمي؛ ستُفتَح نافذة جديدة للرؤية بشأن القضايا التي نواجهها. أما إذا ظللنا أسرى الثنائيات إياها، فليس هناك داع لعقد هذه القمة، حتى لا تكون مجرد اجترار لما حدث من قبل».

ويقول فاروق: «السوال الأول يتعلق باللغة العربية والتي إذا لم نهتم بها ستصبح لغة خارج التاريخ وسنصبح نحن أيضاً خارج التاريخ. اللغة العربية بشكل علمي حديث ومعاصر متروكة لغير العرب. علاقة اللغة العربية بالتكنولوجيا متروكة لغير العرب. واليوم اللغة هي السلاح الأساسي في أي قوة ناعمة. أنا أعتقد أن أي قمة ثقافية عربية يجب تنطلق من سؤال كيف تتفاعل اللغة العربية مع الثورة الرقمية وتنفصل عن الثنائية العقيمة (الفصحى والعامية). هذه ثنائية موجودة في كل لغات العالم وليس في اللغة العربية فقط. اللغات بعامة تواجه الانقراض في ظل التحدي التكنولوجي المعاصر. ربما الإجابة عن هذا السؤال توفر علينا أن نمشي في المسار نفسه الذي سارت فيه أمم وثقافات أخرى. ربما الإجابة عن أسئلة الواقع تجعلنا نقفز فوق الكثير من المراحل التاريخية التي ما زلنا أسرى الصراع حولها. أنا أعتقد أن سؤال اللغة يجب أن يكون سؤالاً رئيسياً، واقترحتُ في الجلسة الخاصة بمحنة اللغة العربية أن كل جائزة أدبية أو فنية في العالم العربي لديوان أو قصة أو فيلم تخصص قيمتها لدعم دراسات اللغة العربية في المجالات التي تؤهلها لمواجهة تحدي الحاضر والسياق المعرفي العالمي الذي نعيش فيه».