مكونات الطاقة المستقبلية

وليد خدوري |

تمر صناعة الطاقة خلال القرن الـ21 بفترة انتقالية، على عكس القرن الـ20، حين هيمن الوقود الاحفوري (الفحم الحجري والغاز الطبيعي والنفط الخام) من دون منازع على قطاع الطاقة العالمي.


أما ميزة القرن الحالي، فهي استخدام التقدم العلمي لإيجاد بدائل طاقة متعددة، المستدامة منها (الشمسية والرياح)، أو اختراع وسائل النقل التي تستخدم الطاقة الكهربائية أو طاقات هجينة متعددة (الهيدروجين والكهرباء والشمسية والبطاريات التي تستعمل الليثيوم والبنزين أو الديزل). وأصبح الوقود المفضل لتوليد الكهرباء الغاز الطبيعي بدلاً من الفحم الحجري أو المنتجات البترولية المتعددة.

وبدأت في الربع الأخير من القرن الـ20 البحوث العلمية لكثير من التجارب الحالية، إلا أن هناك اندفاعاً قوياً في القرن الحالي لتكثيف هذه البحوث والاستثمارات فيها، كما أصبح من المعتاد في بداية القرن الـ21 الاستعمال التجاري لبعض هذه المنتجات الحديثة التي تتفادى استعمال الطاقات الهيدروكربونية بسبب تزايد الشكاوى والاحتجاجات العالمية لظاهرة التغير المناخي.

وتنوعت الأسباب لتهميش استهلاك الوقود الهيدروكربوني، منها محاولة تحقيق الاستقلال الطاقوي الذاتي للدول الكبرى لتقليص الاعتماد على النفط المستورد، كما هو الأمر في الولايات المتحدة التي بدأت تنادي علناً منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي لتقليص الاستيراد والاعتماد الطاقوي على بترول الشرق الأوسط بعد الحصار الذي أعلنه وزراء النفط العرب عام 1973 إثر المساعدات الأميركية لإسرائيل في حرب تشرين الأول (أكتوبر) واندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 وتقلص الانتاج النفطي من 6 ملايين برميل يومياً إلى بليوني برميل، ورتفاع السريع لأسعار النفط اثر هذين الحدثين من نحو دولار أو دولارين للبرميل في أوائل السبعينيات الى ما ما بين 30 و40 دولاراً للبرميل خلال النصف الأول من الثمانينيات.

وهناك ظاهرة مكافحة التغير المناخي الناتجة عن انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، التي تلاقي تأييداً واسعاً من الرأي العام العالمي ومجموعات كبيرة من الحكومات. وبما أن الكثير من البحوث لا تزال في مرحلة التجارب أو محاولة تقليص التكاليف لتصبح منافسة اقتصادياً لمكونات الطاقة الحالية من الوقود الهيدروكربوني، أو محاولة اكتشاف كميات وافية من الليثيوم للاستعمال في وسائل الطاقة البديلة، فإن الاستبدال الواسع النطاق للوقود الهيدروكربوني سيستمر يشكل نسبة مهمة من الوقود العالمي حتى نهاية القرن الحالي على الاقل، وإلى حين تنافس البدائل الجديدة أسعار الطاقات الحالية.

ويبقى السؤال الأبرز، ما تأثير هذه التحولات على الطلب على النفط؟

استعرضت وكالة الطاقة الدولية أخيراً دراسة للباحث كيم تاي-يون عن النتائج المترتبة على التغيرات المتوقعة في استهلاك المنتجات البترولية. وركزت على التغيرات المتوقعة على أنواع محددة من المنتجات البترولية، بدلاً من النظر على مجمل الطلب النفطي المستقبلي عموماً، كما يجري عادة في البحوث. والاستنتاج المهم للباحث تاي-يون، يتمثل في أن النظر في التطورات المتوقعة لمنتجات بترولية محددة تعطي صورة مختلفة عن النظر في مستقبل النفط عموماً.

ومن استنتاجات الدراسة المذكورة، ازدياد الطلب على النفط عموماً لعقود عديدة من دون انقطاع ليصل إلى نحو 99 مليون برميل يومياً ويعبر حاجز الـ100 مليون برميل يومياً نهاية العام الحالي. وتزامن هذا الارتفاع في الطلب النفطي المستمر بظاهرة مختلفة كلياً عن الطلب على بعض المنتجات النفطية، فالطلب على الفيول اويل الثقيل في انخفاض مستمر منذ الثمانينيات، بينما الطلب يتزايد على المنتجات الخفيفة، مثل الايثان و بترول الغاز المسال والنافثا . وارتفع الطلب على هذه المنتجات الخفيفة ثلاث مرات أكثر مقارنة بالطلب على النفط الخام عموماً. وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب على «البنكر فيول»، أي الوقود المُستخدم في البواخر والذي يحتوي على نسبة عالية من الكبريت، سينخفض بشكل كبير نتيجة قرار منظمة النقل البحري الدولية بمنع استعماله ابتداءً من عام 2020 بسبب مضاره البيئية. ويتوقع ان يصل الطلب على البنزين ذروته بحلول العقد المقبل نظراً إلى سرعة تطوير السيارات، وللمنافسة التدريجية التي تشكلها السيارة الكهربائية او الهجينة على الطلب على النفط. ولكن يُتوقع في الوقت ذاته، الا تؤثر التحسينات على توليد الكهرباء في الطلب على النفط. ففي قطاع الكهرباء، التغيير هو من استعمال الفحم الى الغاز أو الطاقة الشمسية، وانحسر استعمال المنتجات البترولية لتوليد الكهرباء منذ الثمانينيات.

وسيزداد الطلب على الايثان، أي غاز البترول المسال والنافثا (او ما يعرف بالوقود في أعلى البرميل)، بسرعة أكبر من زيادة الطلب على النفط الخام. فهذه المنتجات تشكل اللقيم للصناعة البتروكيماوية التي تشهد توسعا كبيراً، فنسبة هذه المنتجات الخفيفة من إجمالي الاستهلاك النفطي البالغ اليوم 19 في المئة، يتوقع بحسب وكالة الطاقة الدولية، يتوقع أن يرتفع الى 23 في المئة بحلول عام 2040، بينما يتوقع أن تنخفض نسبة البنزين والفيول اويل الثقيل من 33 إلى 28 في المئة من إجمالي استهلاك النفط الخام.

وفي حال ارتفاع استعمال الطاقات المستدامة من شمسية ورياح، لأجل تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على استيراد الوقود البترولي، وبهدف تنفيذ اتفاق باريس لتحسين المناخ، فإن الطلب على وقود المواصلات (البرية والبحرية والجوية) سينخفض بنسبة عالية، بينما ستزداد نسبة المنتجات الخفيفة من إجمالي الاستهلاك النفطي، نظراً إلى توقعات بزيادة الطلب على المنتجات البتروكيماوية في الدول الناشئة.

ويستنتج الباحث أن القوانين والأنظمة المتوقعة خلال العقود المقبلة سينتج عنها تغيرات أساسية في أنماط استهلاك المنتجات البترولية، اذ يتوقع انخفاض استهلاك وقود البنزين نحو 50 في المئة والديزل نحو 35 في المئة بحلول عام 2040، واستهلاك الكيروسين والفيول اويل. ولكن في الوقت ذاته، من المتوقع ازدياد استهلاك الايثان والنافثا وغاز البترول المسال نحو 25 في المئة. ويتوقع أن تزداد نسبة المنجات البترولية الخفيفة نحو 30 في المئة من إجمالي الاستهلاك البترولي بحلول عام 2040، أي في الفترة التي يبدأ فيها شيوع الطاقات المستدامة. ومن الواضح أن هذه المتغيرات في صناعة الطاقة سينتج عنها تحديات مهمة للمصافي النفطية، إذ سيتوجب التركيز على انتاج المنتجات البترولية الخفيفة للاستجابة الى أنماط الطلب المستقبلية.

* كاتب عراقي متخصص في شؤون الطاقة.