كتاب للفنان الفلسطيني نبيل عناني وعنه... العمل الفني في صلب الانتماء إلى الوطن

من أعمال نبيل العناني.
سوزانا طربوش |

الفنان الفلسطيني نبيل عناني، المولود في مدينة اللطرون عام 1943، عمل في مهن منتجة كرسام، وخزّاف، ونحّات ومدرّس فنون. وقد شارك في معارض جماعية وفردية في أنحاء من العالم، وحفظت أعماله في متاحف ومجموعات خاصة

مع ذلك، ووفقاً لاثنين من أكبر المعجبين به، وهما سليمان مليحات ومارتن مولوي، فإن عناني لم يتلقّ بعد كل الاعتراف الذي يستحقه. وقد أدى تصميمهما على لفت اهتمام الرأي العام الأوسع لعناني إلى نشر كتابه: «فلسطين: أرض وشعب» الذي صدر عن دار الساقي في لندن. شارك في تحرير الكتاب مليحات ومولوي، اللذان كانا صديقين منذ الأيام التي عاش فيها مليحات في لندن وعرفهما ببعض صديق مشترك.

الكتاب المؤلف من 176 صفحة يحتوي على نسخ عالية الجودة لأكثر من 150 عملاً من أعمال عناني. رسم الغلاف التوضيحي هو «القرية الفلسطينية» التي رسمها عناني عام 2013.


لوحات الكتاب جُمعت في ثلاثة أقسام: الأرض، والناس، ووسائل الإعلام المختلطة، وأُكملت بست مقالات لبارزين من مؤرخي الفن في الشرق الأوسط: رنا عناني، لارا خالدي، بشير مخول، ندى شبوط، الدكتور حسني الخطيب شحادة والدكتورة تينا شيرويل.

تُظهر اللوحات مدى تنوع عمل عناني، وموهبته في التكوين، استخدام الألوان والرمزية. العديد منها بألوان نقيّة زاهية في حين أن البعض الآخر بألوان قاتمة أكثر. البعض هي صدى الهوية والتقليد الفلسطيني المستمر، والبعض الآخر سياسي مباشر مثل الصور المأسوية للفلسطينيين الذين يصطفون عند نقطة التفتيش في قلنديا، أو الذين يقفون في طابور ينتظرون رؤية أقربائهم في السجن، كما هي الحال في لوحة «ساعة الزيارة» التي رسمها في العام 2015.

عمل عناني أيضاً في الرسم عبر التطريز، والجص، والجلود، والخشب، والنحاس، والأصباغ، والخرسانة. الأعمال تختلف اختلافاً كبيراً في الحجم. بعضها صغير نسبياً، البعض الآخر كبير ويمتد على صفحات مزدوجة من الكتاب، مثل «تذكارية جدارية رام الله شهداء» التي رسمها في العام 2013 ساهم الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، الحائز جائزة نجيب محفوظ في مقدمة بليغة للكتاب. يقول: «في مجتمع الكارثة لا يملك الفنان ترف الانشغال بمشهد واحد أو همٍّ مفرد». ويضيف: «ربما تفسر لنا هذه الحقيقة لغز نبيل عناني، الرسام والنحات الذي فتح عينيه على النكبة الفلسطينية التي لا تزال تلد نكبات أخرى. لوحات نبيل عناني تقوم في وقت واحد بعمل الروائي والشاعر والمؤرخ والمعماريّ والمخرج السينمائي والحِرَفيّ المرمم للذاكرة. تلتقط لحظات من حياة الناس وتلالهم وحقول زيتونهم وبيوتهم وتطريز ثياب جداتهم وأعراسهم وجنازاتهم، وكأن مبدعها يخشى موت ذلك كله».

روائي يحكي قصة مجموعة من البشر

هو في رسومه روائي لأنه يحكي قصة مجموعة من البشر حرمها ضَعفُها من أن تحكي روايتها القوية. وهو شاعر حين يلتقط تفصيلاً هنا أو هناك، نظرةَ عينٍ، أو مَيْلَةَ عنقٍ، أو أميالاً من الشجر المهدد، أو وَهَناً في جسدٍ حيناً وقوة مذهلة في الجسد ذاته حيناً آخر. وهو مخرج سينمائي حين ينتقي مشهده وحين يحذف منه أو يضيف إليه وحين يختار الزاوية التي ينصب فيها الكاميرا أو يحدد حصص الضوء والظل في المشهد. وهو مؤرخ حين يسجل بالفن وقائع الحياة الفلسطينية ببهجتها وحزنها وألوان غيابها رغم الفرح وحضورها رغم الموت.

ويعتبر البرغوتي أن عناني «يريد أن يكون واضحاً في الاحتفاء بالحياة الفلسطينية والطبيعة الفلسطينية. كأنه يقيم احتفالاً، ضيف الشرف فيه هو الحياة ذاتها».

مؤلف الكتاب المشارك الفلسطيني سليمان مليحات عاش في المملكة المتحدة 28 عاماً بعد فوزه بمنحة دراسية ليلتحق بـ Pestalozzi International Village الشهيرة، وهي للشباب في شرق ساسكس، في جنوب إنكلترا.

أنهى مليحات جامعته ودراساته العليا في التنمية الدولية في المملكة المتحدة، ثم عاد للعيش في رام الله منذ ثماني سنوات، لأنه أراد العمل مع اللاجئين الفلسطينيين. وهو اختصاصي في التعليم، يعمل مع منظمة الشرق الأدنى الأميركية لمساعدة النازحين في فلسطين (NERA)- أنيرا)، غير الحكومية (NGO) لتأسيس رياض الأطفال وتدريب المدرسين. في نفس الوقت، يدعم مليحات فنانين فلسطينيين في عرض أعمالهم، وقام بتنظيم العديد من المعارض في رام الله، وشارك في العديد من المعارض الفنية في الشرق الأوسط.

وكان مارتن مولوي يعمل في مجال النشر، وعمل لمدة عشر سنوات مديراً في هيئة الإذاعة البريطانية BBC. وقد عاش وعمل في الكويت والمملكة العربية السعودية ومصر، وسافر على نطاق واسع في جميع أنحاء المنطقة. وهو يعمل الآن بشكل مستقل في المشاريع التعليمية والإعلامية في الصين وأماكن أخرى.

يصف المحرران المشاركان تنفيذ مشروع كتاب عناني «كعمل حب لنا». تكمن بذور المشروع في معرض الخط، لعناني «Art Into Script» الذي أقيم عام 2007 في مكتبة Foyles الأسطورية في وسط لندن. بعد ذلك سافر الاثنان إلى رام الله لمقابلة عناني في منزله وفي الاستوديو الخاص به. كانت لين غاسبار، ناشرة كتب الساقي، متحمسة لمقترح مليحات ومولوي لكتاب عن عناني. وقد أمكن إصدار المطبوعة في رعاية مؤسسة عبدالمحسن قطان A M Qattan، الصندوق العربي للثقافة والفنون (AFAC)، وزارة الثقافة الفلسطينية، المتحف الفلسطيني، وبالتل Paltel.

وتستكشف مقالات الكتاب الست العديد من جوانب عمل وحياة عناني. مقالة بشير مخول بعنوان «عدم القدرة على النسيان ووعد الذاكرة»، ويكتب أن عناني «قد أسهم إسهاماً بارزاً في تطوير الفن الفلسطيني، وقد لعب دوراً واضحاً في بناء الهوية الوطنية الحديثة، خاصة في ما يتعلق بالذاكرة الوطنية». وعناني «يبني سرداً بصرياً من ذاكرة تعيش في ظلال تهدّدها صدمة النكبة واستمرارها في الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي المستمر لفلسطين».

هناك حاجة مستمرة في العمل «للبحث عن آثار الماضي، والسعي إلى إحيائه، واستخلاص النتائج، ونقل رسائل ورموز ما فُقد، على أمل أن يجد الفلسطينيون ذلك في يوم من الأيام». هذا التخيّل الشاعري للماضي المشبع بالحنين يصبح صورة مشروع للمستقبل- طموح لما هو آتٍ بدلاً من نصب تذكاري للماضي.

كلما تحدث عن حلحول تألقت عيناه

وفي مقالتها «كيف أسرت الطفولة فناناً» كتبت رنا عناني ابنة الفنان عن طفولة نبيل في حلحول، حيث انتقل والداه عام 1942. تشتهر حلحول بوجه خاص بإنتاج العنب. «كلما تحدث عناني عن طفولته في حلحول، تتألق عيناه ويضيء وجهه بشغف كبير»، تكتب رنا. «لا يمكننا التقليل من شأن تأثير طفولته في تلك القرية على الفن الذي كان سينتجه لاحقاً». في عام 1965 أرسله والده إلى الجامعة في القاهرة، لكنه كان غاضباً عندما اكتشف أن نبيل كان قد أصر على التسجُّل في كلية الفنون، فقطع عنه تمويله. شقيقة نبيل «عدلا» التي كانت تعمل في الكويت، دعمته مالياً. تخرّج عناني في الفنون الجميلة من جامعة الإسكندرية عام 1969 وعاد إلى فلسطين للانضمام إلى الأونروا كمدرّس للفن. الدكتورة تينا شيرويل تفحّصت عمل عناني في السبعينات والثمانينات في ظل القيود الصارمة للاحتلال الإسرائيلي، والتي فرضت رقابة على الفنانين. في هذا الجو، أقام عناني أول معرض له في جمعية الشبان المسيحيين YMCA في القدس عام 1972، وفي ذلك الوقت التقى الفنان سليمان منصور، الذي سيصبح صديقاً وزميلاً مدى الحياة. كان عناني نشيطاً جداً في تشكيل رابطة الفنانين الفلسطينيين.

خلال الانتفاضة الأولى التي بدأت في كانون الأول (ديسمبر) 1987، انطلقتThe New Visions Group المعروفة بـ «مجموعة الإبداع والتجريب» والتي أسسها عناني وتيسير بركات وسليمان منصور وفيرا تماري. مع تجاهل فلسطيني للمنتجات الإسرائيلية المستوردة، بما في ذلك الدهانات الزيتية والقماش، بدأ هؤلاء الفنانون في العمل بالمواد المحلية الطبيعية مثل الخشب والطين والجلد. «لارا خالدي تلاحظ كيف ابتعدت مجموعة «نيو فيجنز» عن «الفن الملتزم» لمزيد من العمل التجريبي.

كتبت نادية شبوت في مقالتها «الحداثة، فلسطين والعالم العربي»: «من المثير للاهتمام بشكل خاص فهم تقاطع الخيال بين فنان فلسطيني مثل عناني، وعلى سبيل المثال، العراقي ضياء العزاوي، الذي ينغمس عمله مع فلسطين بشكل متكرر».

مقالة حسني الخطيب شحادة «التاريخ، الخط والمنظر الطبيعي في أعمال نبيل عناني (2000 - 2017) تتفحّص الأعمال الفنية لعناني في سياقها السياسي. يكتب: «دون شك. انخراط نبيل عناني الوثيق مع الوضع السياسي المرهق ظلّ ينعكس لسنوات في أعماله». يدرس حبّ عناني، للخط والمظهر المتكرر لمناظر الطبيعة ولأشجار الزيتون في عمله. «ربما كانت شجرة الزيتون أهم رمز استخدمه عناني في أعمال مختلفة من الرسم والنحت وغيرها من الأنواع».

في الوقت الذي يتزايد الاهتمام بالفنون والثقافة الفلسطينية، في فلسطين نفسها وما بعدها، فإن نشر نبيل عناني: «فلسطين أرض وشعب» مرحب به للغاية. إنه حقاً واحد من أكثر الكتب المؤثرة التي ظهرت في عام 2018.