الحكمة ضالتنا

ساعد الثبيتي |

تجذبنا الأحاديث المنسوبة للحكماء الذين لم نرهم قط، وربما في كثير من الأحيان لا تُعرف أسماؤهم، وإنما يتداول الناس بعض الأقوال المنسوبة لهم، والتي تحمل في ثناياها مضامين مختلفة نقتبس منها كثيراً من دون أن نكلف أنفسنا البحث في تاريخ هؤلاء الحكماء، وكيف أصبحوا مشاهير عبر الزمان وهم رفات في قبورهم؟!

إن الحكماء أشخاص صنعتهم الحياة بكل أحداثها ومنعطفاتها، تميزهم القدرة على تقدير الأمور ووضعها في نصابها الصحيح، نتيجة ما يمتلكونه من معارف وخبرات تراكمية وفراسة في توظيف هذه المعارف والخبرات، والحكمة لا يمكن أن تغيب عن حياة المجتمعات على رغم اختلاف الأزمنة، فهي خلاصة معارف وتجارب ذلك الزمن، وهي أعلى المراتب التي يمكن أن يتوصل إليها الإنسان بعد أن تكتمل لديه المعارف وتصقله خبرات السنين.

ولكل زمان حكماؤه الذين يشكلون معطياته، وغالباً ما ترتبط الحكمة بالعمر وهذا من البدهيات، لأن العمر وعاء الخبرات، ومع ذلك لا يعني أن الشباب ليس لهم حظ وافر منها، فالنماذج الحية في مجتمعاتنا اليوم تُظهر لنا أن الحكمة إذا كانت في الشباب فهي أكثر تأثيراً في المجتمع، خاصة المجتمعات التي يشكل الشباب نسبة كبيرة فيها.


والحكمة في الأقوال عبارات ذات مدلول معيّن، يتم تداولها في المجتمعات لترسيخ أو نبذ مفاهيم وسلوكيات معينة، أما كسلوك شخصي فهي القدرة على اتخاذ القرارات الرشيدة في الوقت المناسب من خلال الترجيح بين المتناظرات، وتوظيف ما اكتسبه الشخص من خبرات وتجارب في تقديره للأمور، وتنطلق الحكمة غالباً من الفراسة التي هي القدرة على الاستدلال والاستنباط، وصقل المهارات وتكوين استراتيجيات شخصية لمواجهة المواقف، والاستخدام الماهر للتوقيت والمكان والكيفية في معالجة الأمور، فإذا كانت الحكمة تعني القدرة على الموازنة بين الأمور، فالفراسة هي مهارة كامنة في الشخصية تدعم قرار الموازنة بينها.

ومن أهم متطلبات الحكمة، التخلي عن القرارات العاطفية في الحياة، والنظر إلى الأمور من زوايا مختلفة، وتقديم تفسيرات وحلول عدة ومن ثم الترجيح بينها، ومن هنا يمكن التفريق بين الحكمة والذكاء؛ فالذكاء هو استخدام العقل في التفكير، بينما الحكمة توظيف الخبرة والمعرفة والوصول إلى التقدير الصحيح ووضع الأمور في نصابها، وهي سمة نسبية وليست مطلقة، فمن يمتلك الحكمة في مجال ما ليس بالضرورة أن يكون حكيماً في كل المجالات.

من عهدة الراوي:

سئل أحد الحكماء عن الحكمة فقال: «أن تميز بين ما تعرفه وتجهله»، ومن هنا يمكن القول أن الحكمة باتت تقتضي أن يتقن الشخص التعامل مع ذاته أولاً، ويتحكم في كثير من سلوكياته في الحياة وطريقة تعامله مع الآخرين وفق معطيات المواقف والأحداث، ويعتمد منهج المرونة التوكيدية في علاقاته؛ بحيث تكون لديه القدرة على تغيير سلوكه في ضوء المستجدات والأحداث المحيطة به، والإنسان المرن توكيدياً يُتوقع أن ينظر إلى الأمور من زوايا مختلفة، ويطرح تفسيرات متعددة للموقف الواحد وحلولاً عديدة للمشكلة، ويتصرف بطريقة مختلفة حين يواجه الموقف أكثر من مرة، ويعدل استجابته بما يتناسب معه، فالشجرة تنحني حين تهب العاصفة وسرعان ما تعود لوضعها المعتاد.

* كاتب ومستشار.

@saedaltabaiti