غاليري اليس مغبغب تفدم اعمال الرسامة ايتيل عدنان في بروكسل

فنانة "المنفى الطوعي" تتغذى من كثافة النور

بروكسل (بلجيكا) - "الحياة" |

افتتحت غاليري اليس مغبغب اللبنانية فرعا ثانيا لها في بروكسيل يحمل الاسم نفسه وهو اصلا اسم السيدة اليس مغبغب صاحبة الغاليري والمتخصصة في الفن التشكيلي العالمي وتاريخ الفن. وشاءت ان تنطلق الغاليري في بروكسيل بمعرض للرسامة والشاعرة الكبيرة ايتيل عدنان المقيمة الان في باريس، وكان هذا الخيار صائبا ، نظرا الى الموقع المهم الذي تحتله الرسامة في حركة الفن التشكيلي والى فرادة تجربتها الطويلة في عالم اللون والخط والرسم الذي يجمع بين الغنائية والتجريد. ولقي المعرض الذي يستمر حتى الثاني من شهر اذار –مارس نجاحا كبيرا منذ افتتاحه وجذب جمهورا بلجيكيا وفرنسيا وعربيا وكتبت عنه ابرز الصحف الصادرة باللغتين الفرنسية والفلمندية. يضم المعرض مختارات من اعمال عدنان المتميزة ببحثها عن افاق جديدة للتشكيل التجريدي اللوني المشبع بالغنائية الطالعة من عمق التجربة التي تخوضها الرسامة والشاعرة التي جمعت بين جذورها الشرقية والعربية وانتمائها الى المدراس الفنية الحديثة في العالم. وفي المناسبة اصدرت غاليري اليس مغبغب كتيبا يرافق المعرض ويضم دراسة باربع لغات (الفرنسية والفلمندية والانكليزية والعربية) عنوانها "ايتيل عدنان: السعادة من الارادة" كتبها الناقد والاكاديمي ميشال بودسون ، المدير الفخري في الاكاديمية الملكية للفنون الجميلة في بروكسل والذي يحتل مناصب عدة. ومما قال الناقد في دراسته:" بلغ صيت أعمال إيتيل عدنان خلال السنوات الماضية بعدًا عالميًّا يصعب التغاضي عنه، عاكسًا مزاياها الفنيّة والأدبيّة بقدر مختلف أوجه شخصيّتها. فمجموعة أعمالها الفنّية التشكيلية، من اللوحات والرسوم والرسم بالحبر الهندي، إلى النسيج المطرّز والخزفيّات وفنّ الخطّ والكتب الأكورديون (Leporello)، فرضت وجودها بجمال وخفّة أشكالها وألوانها وبداهة عفويّتها المبدعة، تأكيدًا على فوريّة رغبتها التعبيريّة من جهة وحالة تكوّنها من جهة أخرى".


ويضيف قائلا:"ما يجذب العين قبل أيّ شيء آخر هو السرور، لا بل سعادة التأمّل. إلّا أنّ هذه البساطة المطبوعة بالفرح التي تتكشّف عن هذا الانطباع الأوّل لن يكتمل معناها ولن تترك بصمة فينا إلّا إذا وجّهنا انتباهنا بعدها إلى تنوّع شخصيّتها وعمقها وحيويّتها، وهي صفات تسلّط الضوء على قوّة فطنتها الإبداعية. فإيتيل عدنان تغذّت منذ نعومة أظافرها على تعدّد الإدراكات الحسّية، والأحداث الدامغة أو الخبرات التي واجهتها في منطقة الشرق الأوسط حيث ولدت وترعرعت، والتي تحمل وسمها طوال حياتها. اليوم، ومن ذروة اكتمال سنواتها الثلاث والتسعين من حياتها الغنيّة، لا تتوقّف عن توجيه هذه النظرة المنفتحة والعطوف، الناقدة والثاقبة، على مستقبل العالم وإيجابيته المرجوّة، متخطّية مآسي التاريخ".

ويتوقف الناقد عند التعددية التي تميز الرسامة قائلا:"ما انفكّت إيتيل عدنان تحمل في أعماقها هذه الوفرة، أو هذه التعدّدية كما أسمتها بنفسها، التي تميّز شخصيّتها الغنيّة بتنوّع تجاربها الحياتية ومكتسباتها، وباتّقاد فطنتها من جهة، كما باستيعابها للأمور اليومية ومقارباتها الحسّاسة لها من جهة أخرى. إنّ مجموعة أعمالها الأدبية تكشف فكرها الرحّال "كمنفيّة طوعيّة" تحاول باستمرار أن تحفظ حرّيتها بإعطاء الأولوية لامتداد هذه الهويّة، هذا الامتداد الذي أشاعته في شتّى محطّاتها الوجودية بين ثقافات الشرق الأوسط وكاليفورنيا وأوروبا، إذ جاءت كتاباتها حسب الأماكن والظروف بالإنكليزية والفرنسية والعربية أحيانًا، باعتبارها أنّ اللغات أدوات ووسائل".

اما عن المعرض فيقول:"المعرض الذي يُقام حاليًّا يُظهر في هذا السياق نموذجين، من بين نماذج أخرى كثيرة، مسلّطًا الضوء مرّة جديدة على ما تقوم به إيتيل عدنان من عمل على التكامليات والاختلافات.العنوان الرئيسي الأول في هذا المعرض عبارة عن سلسلة من الرسوم بالحبر مخصّصة للشجرة. فموضوع الشجرة القديمة قدم الزمن، أبعد من كونها ترمز إلى أرز لبنان، البلد الوحيد الذي يمكنه أن يجاهر بها على أنّها رايته، يستوقفنا اليوم أكثر من أيّ وقت مضى لمعرفتنا بأنّ فرضيّة انقراضه عن وجه الأرض، وهي احتمال مستقبليّ معقول، إشهارٌ بانقراض الجنس البشريّ. خطوط الحبر السوداء هذه، الملفتة والخاصّة بإيتيل عدنان، تذكّرنا بأنّ كلّ شجرة، وفي كلّ سنة من حياتها المديدة التي قد تبلغ أحيانًا قرونًا، تجدّد حيويّتها من ربيع إلى آخر، مؤكّدةً بذلك انتظام عودتها إلى الحياة، إذ تغذّت من التنوّع وتمدّد جذورها باطنيًّا بقدر ما تغذّت من كثافة النور".

اما سيرة الرسامة فيمكن اختصارها في هذا السياق : ولدت إيتيل عدنان في بيروت في العام 1925، وتشرّبت الثنائية اللغوية من والدتها اليونانية ووالدها السوريّ الذي يتقن التركية، ومسقط رأس كلّ منهما إزمير. أُلحقت بمدرسة فرنسية منذ سنّ الخمس سنوات وتعلّمت الإنكليزية كما العربية الفصحى، وهي اللغات الثلاث المكتوبة والمحكيّة بشكل أساسيّ في الحياة اللبنانية اليومية. تابعت إيتيل دراستها العليا في لبنان ثمّ في فرنسا حيث حازت عن عمر 24 سنة دبلومًا في الفلسفة التي تابعت دراستها فيما بعد في جامعتَي بيركلي وهارفرد بكاليفورنيا. من العام 1958 إلى العام 1972، علّمت فلسفة الفنّ في الجامعة الدومينيكية في سان رافايل، شمال سان فرانسيسكو، كما حاضرت في العديد من الجامعات الأميركية واستمرّت في التنقّل بين المدن الأوروبية الكبرى، عائدةً باستمرار إلى بيروت والشرق الأوسط، قبل أن ترجع إلى فرنسا وباريس حيث تعيش حاليًّا.