تشكيليون: منيرة موصلي «حالة خاصة».. أضاءت بألوانها عتمة الحياة

منيرة موصلي.
الجبيل – علي اللغبي - الدمام – حسين الجفال |

وصف تشكيليون رحيل الفنانة التشكيلية منيرة موصلي بالمفجع للوسط التشكيلي والثقافي السعودي والخليجي والعربي، واصفين الراحلة بـ «الحالة الخاصة»، التي أثرت الحركة التشكيلية السعودية، وحملت هموم الإنسان، وعكست حداثة ورقي المرأة السعودية في فنها وثقافتها. وأكد هؤلاء في حديث لـ «الحياة» أن منيرة موصلي نادت إلى دعم ورعاية الفنان التشكيلي. وغداة رحيل الفنانة التي تعد رائدة في مجالها، أصدر وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، قرارا بإطلاق اسم الفنانة التشكيلية منيرة موصلي ـ رحمها الله ـ على إحدى دور العرض الفنية في المملكة، عرفاناً وتقديراً لإسهاماتها ومنجزاتها في دعم الحركة التشكيلية في السعودية.


يذكر أن الفنانة منيرة موصلي التي وافتها المنية الجمعة الماضي، إحدى رائدات الحركة التشكيلية السعودية، ونالت خلال مسيرتها الفنية جوائز محلية ودولية، إضافة إلى إقامة معارض فنية عديدة، استطاعت من خلالها تقديم إضافة قيمة فنية إلى الفن السعودي منذ أول معرض فني لها في مدينة جدة عام 1972. ولدت الفنانة موصلي في العاصمة المقدسة مكة المكرمة عام 1954، ودرست في كلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 1974، ونالت الدبلوم في فن التصميم من الولايات المتحدة الأميركية عام 1979، وعملت في العام نفسه في شركة أرامكو السعودية كمسؤولة عن المطبوعات في إدارة العلاقات العامة آنذاك.

وقالت رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية الدكتورة منال الرويشد: «آلمنا رحيل رائدة الفن التشكيلي السعودي صاحبة الخبرة والتجربة والتاريخ الثرى، المليء بالمحاولات والمشاركات الفردية والجماعية داخل وخارج المملكة، اذ كانت بداياتها مع الفنانة التشكيلية صفية بن زقر، ونحتت منيرة موصلي إبداعها وتنوعت معالجاتها التشكيلية وتطور مستوى الأداء لديها، ومن يتتبع تاريخ تجربتها يجد أنه يمتد عبر سنوات طويلة».

وتضيف الرويشد: «منيرة امرأة من المملكة تشغل من يناقشها وتجذب بفكرها وثقافتها العالية وإحساسها الصادق في تعابيرها، وتميزت بداياتها كرائدة مميزة في مجالها وثقافتها فلديها وعي وفكر وثقافة واهتمام كبير بالقضايا الإنسانية وممن ساهمت بأعمالها لصالح قضية فلسطين، وأقيم معرض جماعي ٢٠٠٩ في الرياض، التقيت بها كثيراً في «آرت دبي» وكانت تتحدث بعمق وثقافة نوعية كما كان لها بصمة واضحة بالرأي والمناقشة حول انطلاق الجمعية السعودية للفنون التشكيلية، وإقرارها كجمعية تعنى بالفن التشكيلي فقط، ونادت بعمل صندوق دعم لصالح الفنان التشكيلي تراعى فيه ظروف من عانى صعوبات في الحياة صحية أو اقتصادية أو نفسية أو اجتماعية».

فنانة توجهت إلى الانسان

واعتبر الفنان التشكيلي عبدالرحمن السليمان أن الفنانة الراحلة منيرة موصلي «تجاوزت موضوع الريادة إلى ريادة التجديد أيضا، فهي منذ معرضها الأول والمشترك مع رفيقة دربها وبداياتها صفية بن زقر قدمت أعمالا تتجاوز ما تعلمته في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة إلى سعي مبكر لحداثة اللوحة وتقديمها وفق رؤية معاصرة، توجهت إلى الانسان وهو المسار الذي اختطته الفنانة في مجمل أعمالها الفنية، فكانت ترسم معارضها بحالة إنسانية كتحيتها إلى افريقيا أو الى أطفال العراق أو الى فلسطين أو غيرها. وظفت الخامة في تنوع وثراء عندما جلبتها من أكثر من موقع داخل المملكة وخارجه، جدّت منيرة موصلي في سعيها إلى نشر الثقافة الفنية من خلال طالبات تلقين معارف ودراسات فنية على يديها وبدءاً بالعام 1979 عندما عملت في أرامكو السعودية وقيامها بتأسيس مرسم الدمام، وانضمام مجموعة من الفنانات كانت منيرة واجهة للمجموعة، قدمتهن في بعض المعارض وشجعتهن على النهل من المعرفة الفنية بجانب اللوحة».

ولفت السليمان إلى أنه شارك مع منيرة في تنظيم معرض من أجل أطفال غزة أواخر العقد الماضي، «وكان الحماس منقطعا في توجيه الأعمال وقيمتها إلى الفكرة التي انطلق بها المعرض وقبل ذلك قدمت عددا من المشاركات التي سعت منيرة أن تتوجه إلى الانسان بالتضامن والتعاطف معه، والتخفيف من معاناته وأحزانه بتخصيص ريع أعمالها أو جزء منها لذلك. عرفت منيرة منذ تواجدها في المنطقة الشرقية وترافقنا في معرض أصدقاء الفن التشكيلي الخليجي منذ 1985 وكانت منيرة عنصرا وركيزة مهمة مثلت المملكة بصورة المرأة الفنانة المثقفة والواعية والجادة، كانت ملفتة بثقافتها وثقتها ومستوى أعمالها، فكتب عنها كثيرون من العرب والأجانب إضافة الى السعوديين، وكانت دقيقة وحريصة في مشاركاتها على أدق التفاصيل: كانت فنانة كبيرة كما هي إنسانة عظيمة، ريادتها الفنية حقيقية واسمها يعني المرأة السعودية في حداثتها ورقيها وأصالتها كما في مستواها الفني المثقف، رحم الله منيرة موصلي اذ كانت حالة خاصة ومختلفة، وفقدها خسارة كبيرة لساحتنا التشكيلية والثقافية عامة».

في حين ذكر الفنان التشكيلي الدكتور عبدالعزيز الدقيل أن المجتمع الفني التشكيلي «فجع برحيل الفنانة منيرة موصلي. كانت فنانة تشكيلية طليعية، ممن امتلكن روحاً وطنية وفكراً نيراً وقدمت عطاء كبيراً في سبيل تنمية الحركة الفنية التشكيلية. رحلت بعد أن تركت أثراً لا ينسى وارثا تشكيليا كبيرا وحصيلة من الدراسات الفنية»، موضحاً أن رحيلها «سيطوي صفحة من صفحات مؤسسات ورائدات الفن التشكيلي في المملكة، لكنه سيظل نبراساً للجيل القادم».

أما مديرة التخطيط في الجمعية السعودية للفنون التشكيلية الدكتورة هناء الشبلي فأوضحت أن منيرة موصلي «من رائدات الفن التشكيلي السعودي ولها إنتاج فني وفكري مميز، قدمت تجارب فنية بناء على خبرات متراكمة حصلت عليها من نشاطها وإنجازاتها المتنوعة، وهذا ما جعل برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الاغاثية يختارها كأخصائية فنية عام ١٩٩٤ للمساهمة في برامجه الفنية والإعلامية.

ومن خلال لقاءاتي معها رحمها الله عرفت أنها دقيقة في عملها مميزة في فنها وتدافع بقوة عن آرائها ومبادئها. ولا أنسى أنها من الفنانات المناصرات للقضية الفلسطينية ولها أعمال فنية مميزة في ذلك، وكانت ضمن لجنة تنظيم معرض «من أجل أطفال غزة.. وقفة فنية»، الذي أقيم في النادي الأدبي بالرياض عام ١٤٣٠ ولها عمل فني نسيجي مميز يعبر عن الطفل الشهيد (محمد الدرة)، كما أن لها أعمالا فنية عن التاريخ العراقي، ودائما تردد عبارة: «انها تنتمي لجميع الحضارات ولكل الأجناس وكل الفنون لكل الأزمان». وقد كانت تطالب بأن يدرس الفن في الكليات والمعاهد على أسس اكاديمية، وحلمت بأن يؤسس متحف للفن التشكيلي السعودي ومعارض دائمة في المدن الرئيسية، وأن ترى الحركة الفنية المحلية تلتحم بالحركة العالمية، ولكنها انتقلت الى رحمة الله قبل أن يتحقق حلمها باقامة هذا المتحف لاحتضان أعمال الفنانين الرواد في الفن التشكيلي السعودي، ومازال هذا الحلم ضمن لائحة أحلام الفنانين التشكيلين والفنانات في السعودية، ونتمنى أن يكون هذا الحدث المؤلم للوسط التشكيلي محركاً لوزارة الثقافة لتضع لبنة أساس مبنى المتحف للفن التشكيلي السعودي».

الفنان التشكيلي الدكتور نبيل نجدي أوضح أن منيرة الموصلي، «معلمة أجيال ورائدة من الرواد المكافحين في مجال الفن، وزاملتها ضمن مجموعة أصدقاء الفن التشكيلي لدول الخليج العربي، واحتككت بإنتاجها الجميل عن قرب، هي مدرسة وإن غيبها الموت المحتوم، فلا ينقطع ذكرها في تاريخ الفن السعودي المعاصر والخليج العربي، ولها أسلوب في الرسم باستخدام الخامات المختلفة وكانت تجاربها مميزة وناجحة».