ظافر الجبيري: المؤسسة التعليمية تنفتح أخيراً على الأدب السعودي الجديد

عبدالله الجفري
الرياض - «الحياة» |

أكد القاص والأديب ظافر الجبيري أهمية الخطوة التي خطتها المؤسسة التعليمية بضم عدد من النصوص الأدبية الجديدة لكتاب سعوديين شباب في المناهج الدراسية، مشيرا إلى انفتاح تعيشه هذه المؤسسات على الآداب الجديدة التي تقدم رؤية جديدة بدورها للمجتمع والعالم في شكل عام.


وقال الجبير الذي ضمت قصة له بعنوان «نداء الفراشة» إلى مقرر المرحلة الثانوية لـ«الحياة»: مع الالتفات إلى أدب كُتّاب الثمانينيات والتسعينيات في السعودية، بدأت البشائر تهلّ والمطالب تتحقّق، فأصبحنا نرى نصوصًا ومقالاتٍ لأدباء ليسوا أحياءَ فقط، بل نعدهم أقرب إلى جيلنا، وربما تماهيًا مع الحالة، عددناهم الناطقين باسمنا والأقرب لتجربتنا!

ومنذ عامين أو أكثر، تبدّت استجابةٌ موفقة من وزارة التعليم للمطالب القديمة من قِبل الكتّاب المعاصرين الأحياء تحديدًا والأقرب إلى ما يعرف بكتّاب الثمانينيات والتسعينيات بأن تلتفت إليهم المقرراتُ الجديدة، وقد كان، على اعتبار أن أقلام وفكر الرواد من أمثال محمد حسن عواد وحمزة شحاته ومحمد حسن زيدان وحمزة أبو الفرج وعبدالله الجفري وإبراهيم الحميدان، على سبيل المثال لا الحصر، لم تعدْ كافية في التعريف بأدب سعودي حديث يزيد عمره عن قرنين من الزمان، ويضرب براياته في مطالع الألفية الثالثة».

ومضى الجبير قائلا: «شخصيا، كنت أقول، وأردد: إنّ اللغةَ والأدبَ الذي يكتب بها مادةٌ متجددة وعطاء لا يتوقف.. لقد أصبحنا اليوم في زمن يمكن أن نقرأ في تغريدةٍ رائجةٍ عبارةً أدبية لحمزة شحاتة، كما نجد مثيلتَها في الانتشار لأحمد أبو دهمان، أو أحمد الدويحي، أو يوسف المحيميد، أوهيفاء الفريح، أو فيصل خرمي سواء بسواء! فلا غرو أن تكون النصوص والنماذج الأدبية قريبة من طالب اليوم، لتفتح له فرصة الاطلاع على الكثير من الإنتاج الأدبي السعودي، وسِيَر الكتّاب وقصائدهم وقصصهم، فضلاً عن ارتباط الطالب بأدباء وطنه قديمهم وجديدهم! أمضيت ما يربو على ربع قرن في ساحة اللغة العربية، تعليماً وإشرافًا، وقبلها على مقاعد الدراسة، ولا زلت قادرا على القول هذه ساحتي الكبرى. منذ ربع قرن، وأنا أردد: قال زيدٌ قصيدة، وكتب فلان نصًّا؛ منذ امرئ القيس إلى آخر نص يمثل العصر الحديث، وقبل سنة من اليوم، لم يدر بخلدي، وأنا الدارس والخريج في قسم اللغة العربية وآدابها، والمدرّس للنصوص الأدبية في التعليم، والمشرف على خطط التعليم في هذا التخصص... لم يدرْ بخلدي، أن يحدثَ أمرٌ لافت، وأنْ يستجدّ هذا المحفّز الجديد، إلى أنْ أطلّت إحدى قصصي القصيرة من بين ثنايا المقرر».

أدباء ملأوا القرن العشرين صخباً

ويلفت الجبيري إلى أننا نعيش في عصر حديث، «نتفيأ ظلاله الوارفة، نقرأ ونعجب بأدباء معاصرين ملأوا القرن العشرين صخبًا وعطاء، وهاهم أمامنا، تملأ نصوصهم كتب الدرس، وصفحات المقررات، نظير عطاء وكفاح وتجديد كبير، رأينا جهودهم في انفتاح الأدب العربي على فنون الغرب ومعارفه، حينما أحيتْ التجاربُ الحديثة رؤى التجديدِ وحتميةَ التأثّر في الأدبِ المكتوبِ بلغة الضاد، فانبرى المجددون ينهلون من آداب الدنيا شرقًا وغربًا، وآبَ البعض منهم إلى الغوص في آداب العربية ليؤكدوا أن لامارتين موجود في كليلة ودمنة، وأن الحريري والهمداني لم يقولا كل شيء، ما شجّع محمد المويلحي أنْ يكتب «حديث عيسى بن هشام» تجديدا لفن المقامات، وليقول أكثر من قائل إن جذور القصة غائرة في اشتغال الجاحظ على نبض الحياة اليومية لأهل عصره ومن ذلك «قصة أحمد بن عبد الوهاب» فيما جرى له مع ذُبابة أطاحت بزانته، وهدّمت هيبته أمام مجلسه العلمي. وعندها، يتقدم تيمور، وهو المتأثر بالأدب الفرنسي، ليكتب أول قصة في الأدب العربي الحديث عام 1917، مع أقوال وآراء تتحفظ على ريادته في القصة، وريادة هيكل في الرواية، ويأتي المجدّدون شعريًّا بعد نازك الملائكة، ليطرحوا أن جذور قصيدة النثر ناصعة في مواقف ومخاطبات النفّري وأنّ ... وأنّ.. لنعيش حال فيها الكثير من الجدل الخلاق، وفي هذا ما يجعلني أؤكد على أمرين ،الأول: أن العلوم الإنسانية لا مطلق فيها ولا قولًا نهائيًّا يحسم تواريخها وانبعاثها، والثاني: أن حلقات التاريخ الأدبي المتصلة تخلِق الكثيرَ من المتعة، خصوصًا عندما تدفع إلى البحث وتجعل القارئ والباحث يعيشان أجواء التخصص على الدوام! أوردت هذ الجانب التاريخي، لأقول إن الكتاب المدرسي وأهدافه ومحتواه ظل ملهمًا ودافعًا لي للتطلع إلى الإبداع وكتابة القصص من وحي الحياة ونبض الواقع وملامسة كل إبداع عربي وعالمي، عسى أن أكون بين الخالدين».

وأوضح القاص الجبيري أن قصته «نداء الفراشة»: «لبّت نداء الواجب الأدبي والجمالي، وانسربت إلى كتاب اللغة العربية للصف الأول الثانوي. وفي هذه اللحظة الفاصلة أقول وأراني أجدّد القول عن اللغة العربية فأزعمُ أن لي نصيبًا في محبتها، وصِلة قربى تصلني بأنساغها، باذلًا الجهد لإيصالها، في قول سريع، أو نص أدبي، أو جهد تربوي، أو مهمة عمل يومية في زيارة مدرسية، أو في نقلِ خبرةٍ لمعلم، أو دعم طالب وحثه على القراءة، أو تنفيذ دورة في كتابة القصة أوفي مهارات وأساسيات القراءة أو الأخذ بيدِ طالبٍ في أية مرحلة كانت في تعليمنا الأثير المتفق عليه والمختلف عليه في آن. باختصار، كنتُ أدرّس نصوص الآخرين الذين هم أنا بصورة أو بأخرى، في انتماءٍ للُغة راقية أو نص باذخ أو بيت شعر يهزّ الوجدان أو قصة تنعش الأفهام.. كنتُ كلَّ هذا، فصار لي نص( يُدرّس)، فمرحبا بهذا النجاح، والأهم ألّا (يُضرّس!).

إنّ كتب اللغة العربية ملآى من قبلُ بالنصوص الجميلة، والمقالات الرائعة والخواطر الجياشة، والمذكرات الأدبية، ففي الابتدائية مثلًا قصص من (إيسوب) و(لامارتين) و(شعر أحمد شوقي) وفي ما بعدها من مراحل تعريف بعناصر القصة وطريقة كتابتها... فهل من مبادر لجعل هذه الخيالات الرائعة وسيلة لفتح ذهنية الطالب على العالم في رؤاه وقصصه، وتبصير النشء عن أهداف الإنسان من تأليف القصص على ألسنة الحيوانات، بعدما ضعُفت لغات البشر وقدراتهم عن توصيل الحكمة وانتقاء الوسيلة الأمثل لخلق التعايش فيما بينهم، واكتسابهم قيم التعاون، فضلًا عن الفكرة الرئيسة الإنسان حياته قصة..! مرة أخرى، أُبحر بعيدًا عن القصة القصيرة بعض الشيء، وهي الحالةُ التي أنا بصددها، الداخلُ من بوابتها، أتناسى ذلك متماهيًا مع المقرر المدرسي الذي وَضعت فيه، مع شغفي العظيم، جهديَ القليل، وخبراتي المتواضعة في سبيل أن تبقى راية اللغة خفاقة، وجَنابها مُصانًا وقواعدُها راسخة، وسط فشوّ الشعبي من القول، وصراعها غير المتكافئ أحيانًا مع قصائد عامية وترهات شعبية أُعدّت لها اللواقط وأُفسحت لها ساحاتُ ومسارح النشاط المدرسي».

أسلوب تعليمي يقوم على التحليل

وفي ما يخص المقررات المدرسية، قال الجبيري: «لستُ بريئًا من تهمة كبرى تتلبّسني من أخمص القدمين حتى شغاف القلب ومجاري الدم ومسارب الوعي والتفكير، هذه التهمة تجعلني أعرّف بها أكثر فأقول: إن هذه الكتب، ومنذ سنوات، تقدّم ذاتها وتفصح عن محتواها مادةً للتفكير، وأسلوبًا تعليميًّا قائمًا على المعارف والمهارات والخبرات الحياتية والممارسة والتعلم الذاتي... في إطار جهود يقودها معلّمٌ ميسّر يقود العمليات ويوجّه نواتج التعلّم، كما إن هذه المقررات تُعلي من شأن التفكير والتحليل والقراءة الناقدة. ولهذا ارتأى القائمون على المناهج في الوزارة (التقويم المستمر) طريقة لتحديد المستوى والانتقال للصف الدراسي التالي.

وهذا، لعمري شأن مهم في عالم اليوم، متى ما وجد المعلم نفسه في السياق ذاته من الوعي بها، وتمهير طلابه على مهاراتها، ونشر روح القراءة العميقة والتأمّل في نصوصها. أقول في الختام «نداء الفراشة» نداء قادم من أعماق الوحدة، يعبّر عن كائن بشري تكاد الوحدةُ أن تأخذه في دينها، وتأتي الفراشة رسولًا شفيفًا من عالم الموتى، ليشعر بحنين جارف إلى الرحيل هربًا من دنيا باردة، وبشعور غامض، يلازمُه وفاءٌ لأمٍّ راحلةٍ حفظَ وصيتها، ثمّ تأمّل الفراشة، وحملها برفق، حتى أوصلها إلى مأمنها!».

وتمنى الجبيري رؤية المزيد من النصوص الحديثة «أدباء سعوديين وسعوديات في كتب الدرس، وعلى ألسنة النشء وفي قلوبهم وعقولهم، وأختم بما قاله كاتبٌ عربيّ في برنامج متلفز: إنه لا يودّ لنصوصه أو كتاباته أنْ تقرّر على الطلاب، لكي لا يملّوا منه، وكأنّه يلمّح إلى أنّ عادة القراءة يجب أنْ تكون اختيارًا لا إجبارًا.. وأنا مثله، لا أريد أن يملّ الطلابُ والطالبات «نداء الفراشة»، لكنّ القراءة مبدأٌ يوشك أن يصبحَ خَيارًا إجباريًّا في عالم اليوم، فالقراءةُ سلاح وانفتاح وهي الجِدّ والمستراح».