المتاحف في عصر ما بعد العدمية

د. علي عفيفي علي غازي |

تتجاوز المتاحف في عصر العولمة معناها التقليدي، من كونها موضع التحف الفنية والأثرية، وتتطور لتشمل الماضي القريب والزمن المعاصر، ومختلف نواحي الحياة من الفنون إلى المشغولات اليدوية، ولم يعد مفهومها مقتصرًا على الإقليمية؛ بل تجاوزها إلى العالمية أو الكونية. فبينما كان المتحف فيما مضى يجمع آثار حضارة ما، أو فن من الفنون، أو لقى آثارية وفخارية وأدوات حياتية يومية لبقايا عصور سابقة، أصبح دوره أن تحوي صالاته وردهاته منجزات العلماء، ومقتنيات الأدباء ومخطوطاتهم، والطبعات الأولى من نتاجهم الفكري والأدبي، وانتهاءً بالتقنيات الحديثة، التي باتت جزءًا من واقع الحضارات المعاصرة والزمن الراهن؛ بل باتت المتاحف العالمية متاحة من خلال شبكة الإنترنت العنكبوتية، التي نقلت مفهوم المتحف من المكان الثابت إلى المتحرك في العالم الإفتراضي، إذ من الممكن زيارة متاحف بعيدة مكانيًا، ومشاهدة مقتنياتها بالتقنية الثلاثية الأبعاد، إلى جانب التقنيات التي تعتمد على المرئي والمسموع. وتوسع دور المتحف ليشمل العديد من الأنشطة الثقافية والفنية والعلمية والاجتماعية.


تطور مفهوم المتاحف في عصر العدمية ليشمل المتاحف في الهواء الطلق، أو المتاحف المفتوحة، ويرجع تاريخ أول متحف أنشئ من هذا النوع إلى عام 1881، وهو متحف أوسكار الثاني، ملك النرويج (1829-1907) بالقرب من أوسلو. وبرزت أنواع من المتاحف شكلّت عوامل جذب جديدة ، كمتاحف الشمع، ومتاحف السيارات، ومتاحف الأقمشة والأزياء، ومتاحف الزجاج، وأخرى لكل ما هو عجيب وغريب، وباتت من مهام المتحف الضرورية وضع خطة لتكوين مجموعاته، وإثرائها حسب اختصاصه العلمي، والمحافظة على المقتنيات المتحفية، والسهر على سلامتها، وجمع وجرد وتصنيف وتوثيق مختلف التحف، وخزنها في مجموعات، وعرض ما يتيسر منها للزائرين اعتمادًا على محاور ومواضيع يتم اختيارها مسبقًا، ويتم العرض وفق تقنيات تحقق الأهداف الموسومة في ميادين المعرفة والتربية والمتعة والترفيه، فالعرض المتحفي بات يُمثل قناة من قنوات الاتصال، ووسيطًا بين المتحف بما يحفظه من المجموعات وجمهور الزائرين، الذين يُدركون الرسالة العلمية والتربوية التي تنبثق من العرض؛ بالاستعانة بالوسائط الحديثة التي تُساعد على التعرّف على الأشياء.

تولد في عصر ما بعد العدمية الدراسات المرتبطة بالمتحف، والعرض المتحفي في مسار الزمان والمكان، وتُصبح المتاحف علمًا قائمًا بذاته، وتُخصص له الجامعات حول العالم، مساق دراسي، تبدأ الدراسة فيه بأرشفة مقتنيات المتحف، وعلوم الحفاظ عليها من عوامل الزمن، ودراسة تاريخها وتطورها. وبات للمتخصصين والمستشارين في علم المتاحف دور كبير في تحديد احتياجات ومعايير نجاح المتحف وديمومته. وتوسعت أنشطة المتاحف لتشمل إقامة الندوات العامة والمتخصصة، والمعارض الفنية الفردية والجماعية، إلى جانب تعاون المتاحف فيما بينها لتنظيم معارض دورية، وجولات لطلبة المدارس والجامعات. وتأسست في المتاحف أقسامًا للدراسات والبحوث، إما لدراسة مقتنياتها وتنظيم رحلات استكشافية لزيادة رصيد نتاجها بالتنقيب أو بالاقتناء. وبرزت مؤخرًا المتاحف الجوالة، وهي متاحف تقام في عربات نقل ضخمة تنتقل بمقتنياتها؛ بهدف نشر المعرفة والثقافة المتحفية والتوعية بأهميتها.

يعود تأسيس أول متحف إلى الملك الكلداني نبوخذ نصر الأول (604-562 ق. م.) الذي خصص بقصره قاعة لعرض التحف الفنية. وأسس الملك بطليموس الأول (323-285ق. م.) ضمن مكتبة الإسكندرية جناحًا عرض فيه عدد من التماثيل والأدوات العلمية . أما في التاريخ الحديث فيعود إنشاء أول متحف إلى القرن الرابع عشر الميلادي، حيث برزت أهمية مجموعات الأمراء، كمجموعة دوق بيري، أما أول مجموعة مقتنيات فردية تخصص للعامة فكانت من قبل البابا سيكستوس الرابع، الذي تبرع بها عام 1471 لشعب روما، وكانت عبارة عن مجموعة من المنحوتات المهمة، وحملت اسم "متاحف كابيتولين"، ومن بعده خصص البابا يوليوس الثاني في عام 1506 مجموعة من المنحوتات تحولت فيما بعد إلى متحف الفاتيكان، ثم متحف الأسلحة في برج لندن عام 1692، والذي يعتبر أقدم متحف في بريطانيا، وافتتح المتحف البريطاني عام 1759 في احتفال مهيب قام به البرلمان؛ تنفيذًا لوصية السير "هانز سلون" الطبيب الملكي، الذي أعطى مجموعات من التحف والقطع الفنية هدية لبلاده. أما متحف اللوفر في باريس فقد افتتح عام 1793 إبان الثورة الفرنسية، والذي يعتبر أول متحف وطني في أوروبا يفتح أبوابه للعامة.

تتنوع المتاحف ما بين المتاحف الشاملة، والمتاحف الشعبية، والمتاحف المتخصصة، والأخيرة تتخصص في مجال محدد، مثل الاحتفاء بحياة الموسيقيين، ومتحف الخرز الذي يعنى بتاريخ صناعته ومشغولاته، ومتحف الساعات كمتحف "أرض الكوكو" بانكلترا، والخاص بساعات الحائط "كوكو"، التي تطلق صوت العصافير بدلاً من الرنين، ومتاحف الأطفال، التي تجمع بين المتعة والمعرفة ، ومتاحف الزجاج، المخصصة لما أبدعته هذه الصناعة من تحف فنية قيمة ونادرة، ومتاحف الجريمة، مثل المتحف الوطني للجريمة والعقاب، الذي يضم الوسائل العلمية الخاصة بالكشف عن الجرائم. ومتحف بيت الدمية الأميركي، الذي يقدم تاريخ أميركا الاجتماعي من خلال عالم الدمى المصغر بتفاصيل بيوته وأزياء المجتمع وإيقاع الحياة.

متاحف الشمع

تحظى متاحف الشمع بشعبية واسعة، وفي مقدمتها متحف الفنانة السويسرية "مدام توسو" في لندن، والذي أنشئ عام ‬1835؛ وافتتح فروع في أمستردام، برلين، هونغ كونج، شنغهاي، لاس فيغاس، وواشنطن. وتضم تلك المتاحف منحوتات مصنعة من الشمع، وتمثل مشاهير الشخصيات في التاريخ والزمن المعاصر. ومن أشهر متاحف الشمع، متحف عالم السينما في هوليوود بكاليفورنيا، والذي تعرض فيه أشهر الشخصيات السينمائية.

يوجد أشهر متحف للسيارات في تينيسي بالولايات المتحدة، ويضم أسطولاً من السيارات يتجاوز عددها الأربعين سيارة، والتي ظهرت في أشهر أفلام هوليوود السينمائية، إضافة إلى سيارات المشاهير، مثل سيارة فيلم "الوطواط"، وهو من إنتاج عام ‬1989، وسيارة "بامبليبي" المتحولة عام ‬2001، وسيارة الفولكس فاجن الصغيرة "الخنفساء"، التي ظهرت في فيلم "بيتلي" من إنتاج والت ديزني عام ‬1969. وتضم أبو ظبي، متحف الإمارات الوطني للسيارات، الذي أسسه الشيخ حمد بن حمدان آل نهيان، ويشمل مجموعته الخاصة الفريدة.

أفتتح متحف بولاق؛ أول متحف للآثار في مصر والشرق، في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 1863، في حفل رسمي بهيج؛ ليُكلَّل جهد الفرنسي "مارييت"، الذي سعى للحفاظ على آثار مصر وحمايتها. وبعدما أوضح لمحمد سعيد باشا، والي مصر (1854-1863) كيف تنهب آثار مصر، أوكل الباشا إليه مهمة الحفاظ على الآثار المصرية، وعَيَّنه مديرًا لمصلحة الآثار المصرية. وكان لمصر السبق في أن تلحق بالسباق الدولي لتأسيس المتاحف بمفهومها الحديث. وفي عام 1877 غمر فيضان النيل مبنى المتحف، وأتلفت المياه الكثير من معروضاته. ثم افتتح من جديد عام 1881، وهو نفس العام الذي توفي فيه "مارييت" ، ونقل في عام 1891 إلى سراي الجيزة، وانتقل في عام 1902 إلى موقعه الحالي بميدان التحرير .

المتحف الافتراضي

يُعرف المتحف الافتراضي بأنه عبارة عن موقع على الشبكة العنكبوتية، يعرض مجموعة من الأغراض المتحفية المرقمنة، والمنظمة طبقًا لنسق منطقي، وتتكون من مواد مختلفة، تمكن من تجاوز الطرق التقليدية للتواصل المتحفي، والتفاعل مع الزائر، وترسي علاقات معه "أون لاين"، وتُمارس اليوم عددًا من المتاحف الافتراضية في العالم أنشطتها، وكأنها متاحف حقيقية مثل متاحف الواقع. ويستخدم المتحف الافتراضي الوسائل المتطورة في تكنولوجيا الاتصال التي تُعتبر من بين أدوات العولمة، بحيث تربط بين المتحف وزائريه، وكذلك بين متخصصي المتاحف، مما يتيح فرص للتعاون، وتبادل المعرفة، ونشرها عبر المعارض، وخاصة الافتراضية، والتي تمكن من نقل المعلومة نصًا أو صورة إلي أي مكان، وهكذا يُساعد المتحف الافتراضي في سياق معولم على نشر التراث الكوني بغض النظر عن الجغرافيا.

* صحافي وأكاديمي مصري