تحولات المجتمع السعودي: «أحبُّ الصالحين ولست منهم» (٢ من ٣)

فارس بن حزام |

لعلّ عبارة «أحبُّ الصالحين ولست منهم» أهم جملة محلية تلاشت إلى حد الاختفاء من نقاشات السعوديين، لا شفوياً، بل حتى كتابياً في سجالات الإنترنت. لقد كانت سلاحاً فعّالاً في صراع التيارات الفكرية داخل المجتمع، تسند رأي صاحبها إذا دار النقاش حول حرية المجتمع وقبوله بعمل المرأة أو بالفنون مثلاً. هي عنوان للرياء الاجتماعي، وقناع العيش بشخصيتين في الداخل والخارج، في السر وفي العلن، وبعض مستخدميها يجيز لنفسه الاستمتاع بالفنون سراً ويرفضها علناً. يحضر حفلة فنان في دبي، ويُنكر على من يدعو لإقامتها في الرياض.


في السنوات الماضية، كان المتدينون أصحاب الصوت الأعلى في المجالس والمناسبات الاجتماعية، فأرهبوا الفئة الصامتة، وهي الغالبية في المجتمع، ومن هذه الفئة صدرت جملة «أحبُّ الصالحين ولست منهم»، درءاً للمتطرفين وتجنباً لغضبهم. إذ كان باستطاعتهم تنفيذ عملية عزل اجتماعي ضدّ من يُخالف صوتهم.

أما اليوم، وقد صار التغيير الاجتماعي واقعاً ملموساً في حياة السعوديين، انحسر صوت المتطرفين، وعبرت الفئة الصامتة عن رأيها؛ قولاً بالكلام، وفعلاً بالمشاركة والاستجابة للتغيير، فتلاشت جملة «أحبُّ الصالحين ولست منهم».

في محيطه، بدأ المجتمع السعودي يقترب تدريجياً إلى صورة مجتمع دول الخليج الخمسة؛ انفتاح ثقافي، ومحافظة على التقاليد، ومشاركة ميدانية في حقول العمل والإنتاج.

فالمجتمع الخليجي مشارك في سوق العمل بالجنسين، والمرأة فيه عمود المنزل بالتربية والرفد الاقتصادي، ومنفتح على استقبال السياح، ومتفاعل مع مباهج الحياة، ولم يكن النقاب عائقاً في المؤسسات، ولا في حضورها فعاليات الترفيه والموسيقى. وقد صاغ هذه الشخصية بقبول عام لدى البادية والحاضرة، ولدى المتدينين وغيرهم، وتجاوب أسري يلحظه أيّ

مقيم أو زائر.

إذاً، لم يكن الدين عائقاً أمام المرأة وانفتاح المجتمع في دول الخليج، فالسعودية تشبهها في معظم التفاصيل والأطباع والسلوك، ولهجة الشرقية خليجية بامتياز، ويبقى الفارق أننا مجتمع أكبر بكثير، وقد سيطرت علينا عادات اجتماعية طارئة، ونقلت عبثاً إلى مصاف الدين فقهاً وعقيدة.