الخلافات اللبنانية تقاطعت مع التباينات العربية حول سورية

بيان النازحين: وزراء عرب أصروا على التزام القانون الدولي بعد اقتراح باسيل عودتهم بدون انتظار الحل السياسي

جبران باسيل (ارشيفية)
بيروت - وليد شقير |

تطلب صوغ نص بيان القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية الخاص بالنازحين واللاجئين الكثير من الوقت والأخذ والرد خلال اليومين الماضيين قبل التوافق عليه من قبل الأمانة العامة للجامعة العربية ووزراء خارجية الدول التي تلعب دورا وازنا في مثل هذه الحالات.


وأوضحت مصادر ديبلوماسية عربية لـ"الحياة" أن الأمر احتاج للعديد من الاجتماعات والاتصالات، نتيجة الاختلاف بين مشروع النص الذي تم وضعه سابقا من دوائر الجامعة العربية بالتشاور مع الجانب اللبناني، وبين نص آخر اقترحه وزير الخارجية جبران باسيل على تضمين البيان الأساسي، الذي صدر عن القمة. وكان مشروع النص الأساسي يدعو المجتمع الدولي إلى السعي لعودة النازحين الآمنة والطوعية وفق ما تنص عليه القوانين الدولية.

وأفادت مصادر لبنانية رسمية "الحياة" أن النص المتوافق عليه بين المسؤولين اللبنانيين كان ينص على العودة الآمنة للنازحين وفقا للقرارات الدولية والقانون الدولي. ومع هذا النص جاء منذ زهاء سنتين كتسوية بين رئيس الحكومة سعد الحريري والوزير باسيل في حينها، بحيث يتم اعتماد كلمة "الآمنة" من دون ذكر "العودة الطوعية"، طالما أنه يذكر الانسجام مع القانون الدولي، فإن باسيل سعى لدى الجامعة العربية إلى شطب عبارة "طوعية"، بل طلب اعتماد العبارة التي يرددها ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون وهي القائلة بعودة النازحين من دون انتظار الحل السياسي، أو بغض النظر عن الحل السياسي في ما يتعلق بالنازحين السوريين.

وأكدت مصادر ديبلوماسية عربية أنه نتيجة التباين في وجهات النظر مع باسيل نظرا إلى حرص الدول العربية على التعامل مع هذا الموضوع الشائك وفقا للقانون الدولي، صرف النظر عن تضمين نص عودة النازحين في "إعلان بيروت" الصادر عن القمة، على أن يتم إصدار بيان خاص بالنازحين بمعزل عن إعلان بيروت الذي يتضمن قرارات القمة والتوجهات العربية المشتركة للسنوات المقبلة.

واكنفى إعلان بيروت بالإشارة إلى "ما ترتب على أزمة النزوح من أعباء اقتصادية واجتماعية على الدول العربية المستضيفة"، وبالدعوة إلى "التخفيف من معاناة هؤلاء اللاجئين والنازحين وتأمين تمويل تنفيذ مشاريع تنموية في الدول" التي تستضيفهم".

لكن سجالا حصل بين باسيل وبعض نظرائه العرب والأمانة العامة للجامعة حول النص مجددا، وتبلغ من عدد من وزراء الخارجية أن التزام القانون الدولي المتعلق باللاجئين، يحول دون قبول الدول العربية بالمطالبة بأن تتم العودة بغض النظر عن تحقيق الحل السياسي، خصوصا أن تأمين العودة الآمنة لللاجئ تتم بعد استقرار سياسي يزيل العوائق من أمام التهجير القسري بسبب الظروف الأمنية القاهرة.

وأشارت المصادر الديبلوماسية العربية ل"الحياة" إلى أن الأمانة العامة للجامعة والجانبين المصري والأردني خاضوا نقاشات مع باسيل انتهت إلى إقناعه بالبيان الذي تولى إذاعته في ختام القمة، وتخلى فيه عن مطلبه في شأن عدم انتظار الحل السياسي، وقبل بصيغة تضمن التزام الدول العربية بالقانون الدولي، فيما شكلت عبارة "احترام سيادة الدول المضيفة وقوانينها النافذة"، مخرجا له.

ونص بيان النازحين على أن قادة الدول العربية "وبعد استعراضنا لازمة النازحين واللاجئين الحالية بدول العالم العربي التي تعتبر أسوأ كارثة إنسانية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث تتحمل المنطقة العربية العبء الأكبر منها، سواء من خلال استضافة العدد الأكبر من النازحين واللاجئين أو المساهمة في تقديم تمويل المساعدات الإنسانية اللازمة لهم من خلال مؤتمرات المانحين المختلفة،

ونظراً لانعكاسات هذه الازمة الخطيرة على اقتصاد الدول المضيفة وانخفاض معدلات النمو فيها، وتأثيرها على المالية العامة عبر الخسارة التراكمية في الإيرادات الحكومية وزيادة النفقات العامة وازدياد العجز، وتداعياتها على مسار التنمية الإنسانية والاجتماعية من خلال ارتفاع معدلات الفقر وتصاعد حجم البطالة، خاصة في أوساط الشباب، وازدياد العبء على النظامين الصحي والتعليمي، والاستنزاف الناتج عنها للبنى التحتية من شبكات مياه وصرف صحي، وكهرباء، ونقل، ومعالجة نفايات كما ورد في تقارير واحصاءات المؤسسات والهيئات الدولية،

واستناداً إلى ما يشكله النزوح واللجوء من مخاطر حقيقية على النسيج الاجتماعي القائم في دول المنطقة،

وفي ضوء الحاجة إلى تضافر الجهود الإقليمية والدولية لمعالجة هذه الازمة الإنسانية الكبرى، والحد من مخاطرها على التوقعات الاقتصادية للمنطقة، والتخفيف من تداعياتها الانسانية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر بلا شك على مسيرة التنمية في الوطن العربي، وتهدد الاستقرار العالمي،

وإزاء استفحال ازمة النزوح واللجوء السوري علاوة على استمرار وتفاقم ازمـــة اللاجئين الفلسطينيين المزمنة، والمحاولات المستمرة لاسقاط حقهم المشروع بالعودة، والتضييق المالي الذي تتعرض له وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الاونروا)،

ندعو المجتمع الدولي الى تحمل مسؤولياته للحد من مأساة النزوح واللجوء، ووضع كل الإمكانيات المتاحة لايجاد الحلول الجذرية والناجعة، ومضاعفة الجهود الدولية الجماعية لتعزيز الظروف المؤاتية لعودة النازحين واللاجئين الى اوطانهم، بما ينسجم مع الشرعية الدولية ذات الصلة، ويكفل احترام سيادة الدول المضيفة وقوانينها النافذة،

نناشد الدول المانحة الاضطلاع بدورها في تحمل أعباء ازمـــة النزوح واللجوء والتحديات الإنمائية من خلال تنفيذ تعهداتها المالية، والعمل على تقديم التمويل المنشود للدول المضيفة لتلبية حاجات النازحين واللاجئين ودعم البنى التحتية، وكذلك تقديم المساعدات للنازحين واللاجئين في اوطانهم تحفيزا لهم على العودة،

نؤكد على كافة قرارات القمم العربية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمجالس الوزارية الخاصة بالاعباء الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على استضافة النازحين السوريين واثرها على الدول العربية المستضيفة،

ندعو المجتمع الدولي لدعم الدول العربية المستضيفة للنازحين واللاجئين السوريين، وإقامة المشاريع التنموية لديها للمساهمة في الحد من الاثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على هذه الاستضافة، ونكلف الأمانة العامة بالدعوة لعقد اجتماع يضم الجهات الدولية المانحة والمنظمات المتخصصة والصناديق العربية بمشاركة الدول العربية المستضيفة للنازحين واللاجئين السوريين للاتفاق على آلية واضحة ومحددة لتمويل هذه المشاريع،

نؤكد على التفويض الأممي الممنوح لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) وفق قرار انشائها الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لعام 1949، وعدم المساس بولايتها او مسؤولياتها وعدم تغيير او نقل مسؤولياتها الى جهة أخرى، والعمل على ان تبقى وكالة الاونروا ومرجعيتها القانونية الأمم المتحدة، كما ونؤكد على ضرورة الاستمرار بتأمين الموارد والمساهمات المالية اللازمة لموازنتها وكافة أنشطتها على نحو كاف مستدام يمكنها من مواصلة القيام بدورها في تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين داخل المخيمات وخارجها في كافة مناطق عملياتها، بما فيها القدس المحتلة، الى ان يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيين حلا عادلا وشاملا وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948، ومبادرة السلام العربية لعام 2002".

موقف الحريري من اقتراح باسيل

وكانت اقتراحات باسيل، وكلمته الجمعة الماضي في اجتماع وزراء الخارجية العرب والتي لمح فيها إلى أن الدول العربية تنتظر إذنا خارجيا لإعادة سورية إلى الجامعة العربية أثارت حفيظة بعض نظرائه العرب، الذي أبلغوه بامتعاضهم.

كما أن موقفه من النازحين دفع وزير شؤون النازحين معين المرعبي إلى القول أن موقف باسيل لا يمثل الدولة اللبنانية. وقالت مصادر موثوقة ل"الحياة" إن باسيل اتصل برئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري يشكو من تصريح المرعبي، فكان جواب الأخير أنه لم يحصل اتصال من المرعبي به، وأنه لا يريد أن تظهر خلافات لبنانية خلال القمة، لكنه قال لباسيل إنه ما زال على موقفه التزام النص الذي سبق الاتفاق عليه والذي يؤكد على العودة الآمنة للنازحين ووفق القوانين والأنظمة الدولية. وقالت المصادر إياها المطلعة على موقف الحريري أن باسيل سرب لوسائل الإعلام بأن الحريري أبلغه أنه لا يقبل ما صرح به الوزير المرعبي، في وقت كان مضمون المحادثة الهاتفية مخالفا لما جرى تسريبه. وأيد موقف المرعبي وزير الداخلية نهاد المشنوق، القيادي في تيار "المستقبل" الدكتور مصطفى علوش" والنائب في كتلة "المستقبل"، سمير الجسر.

أبو الغيط وعودة سورية

وفي وقت تولى الأمين العام المساعد للجامعة العربية السفير حسام زكي تلاوة "إعلان بيروت"، فإن باسيل قال في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط، أن "البيان المتعلق بالنازحين انتصار للبنان وللدول المضيفة وهو لفتة تضامن من الدول العربية الباقية تجاه الدول المضيفة واعتراف بتضحياتها...

وشكر الرئيس الموريتاني "الذي أمضى سبع ساعات ليصل الى لبنان وايضا مير قطر الذي كسر الحصار على قطر وبخمس ساعات ليصل الى لبنان وأيضا ببادرة سياسية لكسر الحصار على القمة".

وتابع: "تميز المؤتمر بمبادرة الرئيس عون بانشاء مصرف عربي للاعمار ووضع اليات منها انشاء المصرف العربي ودعوة الصناديق المعنية للاجتماع في بيروت خلال ثلاثة اشهر لبحث هذه المواضيع، وكذلك مبادرة أمير الكويت بانشاء صندوق للاقتصاد الرقمي بمبلغ 200 مليون دولار، والشكر للكويت على مساهمتها الاولى بمبلغ 50 مليون دولار ولقطر لمساهمتها بمبلغ 50 مليون دولار".

وقال باسيل إنه لمس تجاوبا من الوزراء الذين التقاهم مع فكرة عودة سورية الى الحضن العربي، لكنه عاد وأوضح "أنه لا تواصل مع الدولة السورية بما يعنينا بموضوع عودتها الى الجامعة العربية من قبل لبنان... فنحن نعبر عن رأي لبناني واعتبارنا ان عودة سورية الى الحضن العربي جزء منها هو عودتها الى الجامعة العربية لأن هناك فرقا كبيرا بين الامرين".

وأجاب أبو الغيط عن سؤال في شأن ضغوط مورست على بعض الدول العربية لخفض مستوى الحضور بالقول: "ليس لدي اطلاقا ولم اعلم على الاطلاق عن ضغوط مورست على دولة عربية هنا او هناك للحضور او عدم الحضور، ومن لديه هذا الشك عليه ان يقول من مورس عليه ضغوط. لم يصلني اطلاقا اي اشارة الى ضغوط او رغبة اميركية في عدم حضور القادة الى هذه القمة". أضاف: "فيما يتعلق بالبيان عن النازحين واللاجئين صدر بتراض كامل وتوافق كامل من اعضاء الجامعة العربية". وعن عودة سورية قال أبو الغيط: "الموضوع سوري لا يت تناوله حاليا في الجامعة العربية وبالتالي الأمر لم يتم تناوله في الإجتماعات الوزارية الأخيرة وحتى تتم القمة المقبلة في تونس في شهر آذار المقبل، سنتابع ونرى من يطرح مبادرة او موقف او بند وبالتأكيد سوف يتم تناوله واذا لقي تجاوبا وتوافقا لأن الدول العربية تعمل من خلال التوافق، وستصدر عن هذه القمة قرارات".

ولكن باسيل أقر بأن "هناك خلافا ولولا وجوده لما كانت اعداد النازحين بهذا الحجم، وتخطينا التوافق الى ما هو ابعد. فهذا البيان يتضمن لأول مرة تحفيزا لعودة النازح وهذا امر جديد على مستوى التخاطب، والجهد الذي بذل في هذين اليومين".

وعمن كان يحاول افشال القمة قال باسيل: "في الخارج هذا الأمر غير منظور وخاضع لتصورات وتحليلات اما في الداخل اللبناني ان يكون هناك جزء من اللبنانيين يريد هذه القمة ان تنجح وجزء يريدها ان تفشل".