«الشجرة المعطاء»... مقاربات الذات والآخر

عبدالله السفياني |

عن دار أروى العربية صدرت ترجمة قصة الأطفال الشهيرة «الشجرة المعطاء» للكاتب ورسام الرسوم المتحركة الأميركي سيلفرستين، والتي نشرت أول مرة في عام 1964. الذين قرأوا هذه القصة في لغتها الأصلية أو في ترجماتها المختلفة يدركون أنها ليست من القصص المباشرة، وإن كانت في بنائها الظاهري كذلك، لذا فقد حظيت بقراءات نقدية كثيرة إبان صدورها في محاولة لمقارباتها الدلالية والرمزية.


وفي اعتقادي أن سبب تلقي القصة بقراءات تأويلية راجع إلى سببين: الأول: هو تركيب القصة وفلسفتها التي تقبل وجوهاً متعددة من التأويل الثقافي، فهي نص مفتوح، وهو سبب موضوعي تقره الدراسات النقدية والبلاغية كذلك. والسبب الآخر راجع إلى شخصية المؤلف نفسه، الذي كان رساماً يكتب القصة والشعر للأطفال لكن بطريقة كأنها موجهة للكبار، ويقول عن نفسه إنه لم يخطط أبداً للكتابة للأطفال وإنه دفع إليها دفعاً، وكانت بعض أشعاره تحمل دلالات وألفاظاً نابية لا تصلح للأطفال. وعلى أية حال فإن قصة الشجرة المعطاء لاقت نجاحاً كبيراً، وتصدرت قوائم الكتب الأكثر مبيعاً والأكثر تأثيراً في أدب الطفل، بيع منها في عام 2001 أكثر من 5 ملايين نسخة، وفي عام 2011 بيع منها قرابة 9 ملايين نسخة، وفي استطلاع للرأي أجرته رابطة التربية للطفل على الإنترنت عام 2000 جاءت في المرتبة 24 من بين أفضل 100 كتاب للطفل.

ونحن هنا نحاول أن نسبر المقاربات القرائية التي يمكن أن تتماهى مع القصة القصيرة، والتي تحكي علاقة بين شجرة تفاح وصبي صغير كان يلعب تحتها ويتأرجح على أغصانها ويأكل من تفاحها، ليدخل معها في علاقة حب وسعادة في طفولته ثم في مرحلة شبابه، كانت الشجرة تأنس وتفرح بقدومه إليها، وفي مرحلة الشباب جاء يشكو لها حاجته إلى المال فأعطته بكل سعادة ثمارها ليبيعها ويحصل على المال، ثم ينقطع عنها مرة أخرى ويطول غيابه ليأتيها لاحقاً طالباً معونتها له في بناء بيته، فتأمره بقطع أغصانها ليبني بها بيتاً، ودون تردد أو شكر قام «الولد» بقطع أغصان شجرته التي كانت لا تخفي سعادتها لسعادته، وبعد غياب طويل جاءها يشكو إليها تعبه من الحياة ورغبته بالهجرة وركوب البحر لكنه لا مركب له، أمرته حينها بقطع جذعها الكبير ليصنع مركباً يبحر به حيث شاء، وحين فعل ذلك تركها مجرد قطعة صغيرة ملتصقة بالأرض ورحل عنها!

بعد فترة طويلة من الزمن عاد إليها وهو كهل يشكو وجع الحياة وآلام السنين، يشكو ويبحث عن مكان يستند إليه ليرتاح؛ فتقول له لم يعد عندي شيء أيها الولد فلا ثمر ولا أغصان ولا جذع، ولكن تعال اجلس هنا على بقايا الجذع المقطوع وتنتهي القصة بجلوس الصبي/العجوز على بقايا الشجرة المعطاء. تلقت الكنيسة هذه القصة بالقبول باعتبارها تمثل القيم المسيحية الكنسية في العطاء غير المشروط، ومن المقاربات التي يمكن أن نسلط الضوء عليها هنا ما يلي:

صراع القيم (العطاء/الأنانية)

القصة هنا ليست إلا تصويراً لصراع القيم في صورة العطاء والأنانية، ويمكن توسيعها لتكون صورة الخير والشر، لكن فكرة الصراع لا تظهر بشكل جلي في القصة، بل القصة تعتمد على الحوارية والطلب والأخذ والعطاء دون مقابل. وتلعب الشجرة هنا دور المانح من غير اشتراط مقابل، ولكن القصة جعلت النهاية بين العطاء والأخذ الأناني متقاربة إلى حد كبير، لقد انتهت بالآخِذ والمعطي على حد سواء إلى صورة واحدة من الشيخوخة وانتظار النهاية على لا شيء! لكن القصة كانت تصر في أكثر من مرحلة على رسم السعادة على محيا الشجرة وصورة التذمر وعدم الرضا على وجه الصبي الأناني، لقد كانت تبدو الشجر سعيدة أو تحاول أن تكون كذلك، وكأنها تشير إلى أن العطاء هو سر السعادة وإن بدا المعطي ساذجاً مستجيباً، بينما الذاتية والأنانية مهما حصل أصحابها على المراد ستنتهي بهم الحال إلى صورة من الألم وعدم الرضا.

مقاربة الأمومة (الأم/الولد)

ينظر إلى القصة على أنها تصوير رمزي متعمد لصورة الوالدة (الشجرة) التي تعطي صبيها دون اشتراط بل وبسعادة غامرة، وتتابعه في جميع مراحل حياته، ورغم قسوة الطفل وأنانيته وعدم توقفه عن الأخذ البشع واستهلاك طاقات الأم، تظل الأم تناديه بكل حب وسعادة بالولد حتى في سن شيخوخته، وهي ذاتها الصورة الإنسانية التي تظل فيها الأم ترى أبناءها أطفالاً مهما كبروا، وتكريساً للمقولة الشهيرة: «يظل الرجل طفلاً حتى تموت أمه فإذا ماتت شاخ».

المقاربة البيئية: القصة قد تبدو للوهلة الأولى تصويراً لعلاقة الإنسان بالبيئة في جميع مراحله ومراحلها، العلاقة القائمة على الاستهلاك غير المنضبط، وتظل البيئة/الشجرة تعطي وتمنح، لكنها ستصل في مرحلة إلى العجز عن العطاء، ويصل معها الإنسان إلى العجز عن الحركة، وهي لحظة الأفول للحضارة ونهايتها المحتومة! ولذلك تصلح أن تكون القصة مدخلاً «تربوياً» للأطفال في التعامل مع البيئة بكل معطياتها المادية.

المقاربة النسوية

هل المرأة شجرة؟ هل الشجرة امرأة؟ في البدء كان الإنسان والشجرة! وكثيراً ما تستخدم الشجرة رمزاً شعرياً للمرأة، بسبب أوجه الشبه الكثيرة التي تجمع بينهما في ثقافات كثيرة، وتقتنص الشاعرة العراقية هذه المفارقة بين الرجل والمرأة الشجرة لتقول تخاطب الرجل: «قلتُ ادخلْ يا آدمُ/دونَكَ أشجارُ الجنّـةِ/ جردها غصناً غصناً/ إلاّ شجـرَ الحزن../ فأنا أفـزَعُ أفـزَعُ من أشجار الحزن/ أعرضْتَ عن الأغصانِ المسموحِ بها/ وعصيت/ اسودّتْ أشجارُ الحزن غيوماً/ في عيني/ وبكيت/ مطروداً تخرجُ يا آدمُ/ فارجِـعْ من حيثُ أتيت». إنها الشجرة في هذه المقاربة الآمرة الطاردة من جنتها..!

في أسطورة أبولو ودافني تدعو دافني الآلهة لتخلصها من مطاردة أبولو فتحولها الآلهة إلى شجر غار! ويشير اللفظ المؤنث (شجرة) إلى الأنثى وفي المقابل تتخذ القصة ولداً/ رجلاً لبناء العلاقة مع الشجرة/المرأة. وفي الثقافة الغربية كما يقول دريدا هناك ثنائيات من قبيل (الرجل/المرأة، الذات/الآخر، الكلام/الكتابة) تكون المركزية فيها للطرف الأول على حساب الثاني، وتجيء هذه القصة الرمزية في محاولة لهدم هذه الثنائية الموجودة كذلك في العديد من الثقافات، بل وفي اللغة ذاتها كما تقوله دراسات النسوية الثقافية. وفي الثقافة العربية تحضر المرأة كشجرة في ذاكرتها الشعرية، فقد تشبه بالشجرة على وجه العموم أو بأشجار مخصوصة كالنخيل والبان والسرو، وتتحول تفاصيل الجسد الأنثوي إلى تفاصيل مقابلة في الشجرة (العناب/الرمان/الورد/التوت)، إنها في العرف الثقافي ثمرة مشتهاة، والثمرة بنت الشجرة، وحين تقترب الشجرة من الغروب والنهاية توصف كالمرأة بالذبول!

إن رمزية الشجرة على العطاء والخصب هو ذاته رمز المرأة على الخصوبة والحياة والحيوية؛ ولذلك قارب الشعراء بينهما كثيراً، ولذا تأتي القصة بهذا المعادل الموضوعي لتشير إلى العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة على السجال الواقعي بينهما، وفيه تكون المرأة رمز العطاء غير المشروط، والرجل رمز التطلب غير المنتهي، والذي جاء في صورة طفل في كل مراحل القصة، والطفل/الرجل متطلب لا يتوقف عن الطلب، والمرأة عطاء لا يتوقف عن العطاء، وتصر المرأة على موقفها من كونها تتعامل مع طفل حتى في شيخوخته حيث تناديه النداء الأخير وتقول: «أَقبل أيها الولد اجلس وارتاح... وكانت الشجرة سعيدة»

فالرجل لا يكف عن وصف نفسه بالطفولة أمام المرأة: أنـا طـفل الحياة يا ضلة الروح *** فـعفواً إن جـئت أمـراً فـرياً (عمر أبو ريشة) ونزار يقول: ومشيت مثل الطفل خلف دليلتي *** وورائيَ التاريخ كوم رماد.

الشجرة/المرأة في القصة تحضر في حالة عطاء مستمر واستغلال واضح من الرجل وانتهازية وتجريد لها من أسباب البقاء، واستسلام مليء بالسعادة مع كل استغلال ذكوري حتى في آخر اللحظات من الحياة، وكأنها حالة غباء أو قابلية استحواذ على غرار مصطلح مالك بن نبي قابلية الاستعمار!

ورغم هذا التأويل النسوي الثقافي، الذي يجعل المرأة في صورة قبول وإقبال بالحالة بل وسعادة تبدو في كل منعطف من منعطفات الطلب والعطاء، يضعنا أمام سؤال هل كانت القصة تدعو إلى الاستمرار في القبول (اجلس وارتاح) التي تختم بها المرأة/الشجرة سيرتها لتستمر الحكاية.. أم هي صورة كاشفة لحالة السذاجة التي تعطي دون اشتراط لتكون من وراء ذلك حالة انقلاب، وهذه إحدى مهمات النص الثقافي الذي يصور الواقع ليعالجه بالصدمة!

في كل حالات الاستغلال الذكوري للشجرة كانت الشجرة تبدي سعادتها بذلك، وهناك ما يمكن أن نسميه لازمة تتكرر بعد تنفيذ الشجرة كل طلب، حيث يعلق الراوي (وكانت الشجرة سعيدة)، إلا في حالة واحدة كانت اللازمة تقول بعد أن قطع الرجل الجذع كاملاً وقرر الرحيل في مركب عبر البحر (وكانت الشجرة سعيدة.. لكن ليس تماماً)، وهذا الانحراف الاستثنائي في تركيب الجملة المتكررة يشير إلى الدلالة التي تكرس النسوية المعاصرة لحربها، والتي تقول إن المرأة لا يمكن أن تعيش بسعادة بدون الرجل، ولا تستطيع الاستغناء عنه! الرجل في هذا المنعطف قرر الرحيل النهائي عنها .. انتبهت الآن أن السعادة غير متحققة تماماً! وسيلفرستين يصدم المرأة بهذه المقولة النسقية عبر الدلالة الرمزية حين أخذ منها كل شيء حتى السعادة التي كانت تشعر بها وهي تخدمه!

* عضو مجلس الشورى ومدير عام الموسوعة العالمية «أدب».