الثقافة في مجتمعات الخليج العربي... من العزلة إلى الانفتاح

حسن مدن |

الاختراق الكبير الذي حدث في مسار السير الرتيب البطيء لمجتمعات هذه المنطقة جاء مع اكتشاف النفط وتصديره، والطفرة الاجتماعية الاقتصادية التي ترتبت على ذلك، مما أحدث هزةً عميقة هددت معالم الثقافة الشفاهية السائدة بالاندثار قبل أن توثق أو تجمع مادتها، الأمر الذي بات يهدد المجتمع بأن يصبح مجتمعاً بلا ذاكرة.


ذلك أن فجاءة التحولات الاقتصادية الاجتماعية وسرعة وتيرتها أحدثت من الآثار على هذا الصعيد ما لم يحدث سابقاً، فخلال عقود قليلة جرى ما يشبه الانقلاب الذي نجم عنه تصدع في منظومة القيم، واندثرت الكثير من الحرف لصالح شيوع نمط إنتاج جديد جلب معه ثقافةً فيها الكثير من مظاهر التشوه، بوصفها في الغالب الأعم ثقافة استهلاكية تتوسل السهولة والاسترخاء والاتكالية، ومع الوقت صُدرت صورة سلبية عن المجتمعات الخليجية بوصفها مجتمعات نشأت مع اكتشاف النفط، فيما الدراسة التاريخية تشير إلى وجود نماذج تعبيرية ثرية ومتعددة في حقول الثقافة والحرف والأشعار والأمثال الشعبية التي تلخص الخبرة الشعبية المديدة في الفترة السابقة لاكتشاف وتسويق النفط، وإن جزءاً كبيراً من هذه النماذج قد اندثر فيما يهدد الاندثار ما تبقى منها.

في وقت لاحق، أفرز الانفتاح على التجارب الإبداعية العربية في العراق ولبنان ومصر وسورية وغيرها من بلدان المشرق خاصة بسبب سهولة الاتصال بهذه البلدان، بسبب السفر المتبادل بين أبناء منطقتنا وأبناء هذه البلدان عبر السياحة والبعثات الدراسية والتعليمية وما إليها، وسهولة وصول المطبوعات والكتب، وكذلك بسبب تلقي الكثير من أبناء المنطقة تعليمهم في الجامعات الأوروبية والأميركية وتمكنهم من لغات أجنبية، في مقدمتها اللغة الإنكليزية بطبيعة الحال، ودينامية التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وما نجم عنها من أشكال وعي كانت جديرة بأن تحفر جدران العزلة والتقليد على صلابتها، أن نشأت مظاهر ثقافة وإبداع حداثية في مجالات القصة القصيرة والقصيدة وحتى الرواية، إضافة إلى بزوغ أشكال تعبير في الفنون الحديثة، كالتشكيل والمسرح وحتى السينما.

وفي الإجمال فإن المدن الحديثة التي قامت في أبوظبي ودبي والكويت ومسقط والمنامة وسواها، في انكشافها على العالم الذي وحّدته قسراً آليات العولمة، زجت بهذه المنطقة وأبنائها الذين باتوا أشبه بالجزر الصغيرة وسط طوفان من أنماط الثقافة والسلوك والتفكير في لجة العولمة، التي تفكك بدأب ماهر الثقافة التقليدية، ويمكن القول، إلى حد ما، الثقافة الوطنية.

في مواجهة ذلك، في ما يشبه ردة الفعل التي تنطلق فيما أرى من الوعي الباطن رغبة في التمسك بما يعد رموزاً للهوية الوطنية والثقافة المحلية المهددة بالزوال أو الاندثار، نشهد جهوداً في إحياء بعض مظاهر الثقافة التقليدية كالشعر النبطي والرقصات والألعاب والسباقات التقليدية، ولكن باستخدام وسائل الاتصال الحديثة وفي مقدمتها التلفزيون، فنصبح إزاء ظاهرة جديدة من نوعها، فوسائل الاتصال الحديثة جداً والمتطورة جداً، والتي تعتمد على تقنيات غاية في الجدة، والتي تتوسل أساليب الإعلام الجماهيري تستخدم لإحياء مظاهر من الثقافة التقليدية، وينال ذلك بطبيعة الحال اهتماماً أوسع وأكبر بكثير مما تناله مظاهر الثقافة الجديدة، التي يتعيّن عليها في حالات كثيرة النضال في سبيل تثبيت مشروعيتها، كتعبير عن تحولات حديثة راهنة ومستقبلية.

العلاقة مع التاريخ الثقافي

هناك حاجة ماسة لدراسة تاريخنا الثقافي، وتسليط الضوء على رموز هذا التاريخ ومعالمه، بيد أن مثل هذه الدراسة لن تكون ميسّرة ما لم يجرِ تأصيل منهج البحث نفسه، لأن كثيراً من الكتابات في هذا المجال ما زالت تفتقد المنهجية وتميل إلى الانطباعية وأحياناً الجمع العشوائي. وإذا كانت هذه الجهود تحقق فائدة في أنها تيسّر للباحث المادة الخام المطلوبة للدراسة، إلا أنها تظل بحاجة لأن تنتظم في نسق منهجي معرفي يدرس التاريخ من حيث هو فعالية إنسانية، ومن حيث هو حراك اجتماعي متصل، وللثقافة في هذا الحراك دور اللحمة التي تعبر عن الوجدان الشعبي العام عبر رموزها وتعابيرها المختلفة.

وإضافة إلى بعض مظاهر الاهتمام الرسمي بالموضوع الذي وجد تجلياته في المأسوف على شبابه مركز التراث الشعبي في دول الخليج العربية الذي اتخذ من قطر مركزاً له، فإن مبادرات فردية متعددة على أيدي مجموعة من المهتمين والباحثين الشباب وجامعي المواد التراثية قد أثمرت في السنوات الأخيرة جهداً محموداً، لكن يظل هذا الجهد محدوداً وغير كافٍ، وما زال من المتعين بذل المزيد من الجهود على شكل استراتيجيات واضحة، توفر لها الحكومات الدعم الضروري لكتابة التاريخ الثقافي بوصفه حقلاً مستقلاً، ولو في حدود نسبية عن التاريخ عامة، لأن مثل هذه الكتابة للتاريخ الثقافي ليست منفصلة عن التاريخ ككل من حيث هو ملابسات وأحداث اجتماعية وسياسية ألقت بآثارها في هذه الصورة أو تلك على حقل الثقافة.

فللخليج تاريخ ثقافي حافل وثري بالأعلام من رموز النهضة والتنوير والفكر الإصلاحي، وبمفردات الثقافة الوطنية التي طبعت المنطقة وشكلت وجدان شعبها، عبر مراحل تاريخية مختلفة، وهذه الرموز والمفردات هي ما شكّل صورة الخليج بوصفه مجتمعاً ديناميكياً حياً متفاعلاً ومتفتحاً على الثقافة والأفكار المختلفة التي سرعان ما اندمجت في بنيته المجتمعية، وكوّنت نسيجه الراهن الذي يتكون من عناصر متنوعة، ولكنها جميعاً تسهم في تكريس هوية المجتمع وروحه وتوقه الديموقراطي.

بيد أن التاريخ الثقافي في المنطقة لم يكتب بعد، رغم الجهود والمثابرة التي قام بها عدد من أبرز المهتمين بالثقافة وبتاريخها، وهي جهود غطت بعض صفحات هذا التاريخ، لكن يبقى أن المجهول أو غير المكتوب من تاريخنا الثقافي أكثر بكثير من المعلوم، وما زالت جهود كثير من المصلحين والتربويين والمناضلين الوطنيين ورجال الفكر والأدب وسواهم غير معروفة وغير ميسّرة للأجيال الجديدة، وما زالت تسود رؤية حذرة ومترددة عند التعرض لتاريخنا ورموزه مما انعكس على الجهد البحثي المبذول، أو الذي كان أن يجب أن يبذل في هذا السياق.

ومن المتعين مغادرة هذه الرؤية لصالح رؤية أخرى شجاعة تجاه مسألة الثقافة الوطنية، مشفوعة بموقف أكثر اتساعاً وانفتاحاً إزاء هذا التاريخ، تهيئ المناخ لمضاعفة الجهود في سبيل رؤية تاريخنا بنظرة جديدة، ففي هذه الرؤية مدخل حقيقي لمعرفة أنفسنا، وإدراك العناصر التي شكلت شخصية مجتمعنا، والإمساك بإرهاصات النهضة.

لذا يبدو منطقياً أن نطالب بأن نرى مقررات التاريخ في مناهجنا الدراسية وقد صيغت بروح أخرى وبرؤية أكثر شمولية وموضوعية، وأن يصار إلى تعريف الأجيال الجديدة بالتاريخ الوطني الذي صنعه أسلافهم والذي في نتاجه تشكلت صورة البحرين اليوم، وأمر مثل هذا يتطلب خطوة جريئة من الجهات المعنية في الدولة في مقاربة هذا الأمر.

التحدي المزدوج: الاستهلاك والمحافظة

يمكننا ملاحظة سطوة الثقافة الاستهلاكية في كل مفاصل الحياة في مجتمعات الخليج، واختراقها البنى الاجتماعية وحتى العوالم الروحية للإنسان، هناك نزوع متزايد نحو السهولة، ونحو أوهام الثراء السريع والنظر باستخفاف ودونية لكل ما هو جاد وعميق ونبيل، وتصوير هذه المنطقة كما لو كانت «سوبرماركت» كبيراً خالياً من الروح،

هذا تحدٍّ.

وهناك تحدٍّ آخر يتمثل في تراجع وتقهقر فضاءات التنوير والحداثة لمصلحة نمو التيارات المحافظة، التي تعمق المأزق البنيوي القائم في هذه المنطقة أساساً بين حداثة في المظاهر في المعمار في المحال التجارية.. في مراكز التسوق.. إلخ، وبين بنية سياسية واجتماعية محافظة.

وحتى لو عقدنا مقارنة بين خطاب رواد التنوير والإصلاح عند مطالع القرن العشرين ومنتصفه، وبين بعض ما يكتبه ويفكر فيه بعض أكاديميينا ومثقفينا لأدركنا فداحة ما نحن فيه، فبدل الانشغال على أسئلة الإصلاح الحقيقية التي على هذه المجتمعات أن تجابهها، نجد انشغالاً بمسائل أبعد ما تكون عن روح العصر والتحديات الحضارية الراهنة. وهناك ظاهرة جرى الحديث عنها مراراً في معرض تشخيص سلوك بعض شرائح المثقفين تتصل بتلك الهوة الفاصلة بين الفكر والفعل، بين الإبداع الروحي والتجربة الاجتماعية، وهي هوة تفضي عادة إلى تأملات ونقاشات تجريدية بعيدة عن الحياة العملية، خاصة حين يكون حجم الإحباطات الاجتماعية المحيطة كبيراً. رغم ذلك لا يمكن المرء هنا إلا أن يقارن بين حماسة الرعيل الأول من المثقفين في بلدان المنطقة لمشروعهم الثقافي والاجتماعي، وبين حالة الخيبة التي تستحوذ على الجيل الراهن، بل إن المقارنة يمكن أن تقوم حتى بين الوضع الراهن وبين الوضع الذي كان في السبعينات وبداية الثمانينات، التي كانت فرصة ذهبية لتشكل مثقف خليجي عضوي ذي حساسية نقدية تجاه واقعه وصاحب رؤية عصرية، ولكن هذه التجربة لم تتواصل.

ويبدو أن أزمة العمل التطوعي الراهنة وانفضاض الأعضاء من حول جمعيات النفع العام تكمن تحديداً في أن الجيل الذي أسس هذه الجمعيات قد تراخى ودبت في أوصاله علامات الوهن، فيما لم يتأسس جيل جديد بمواصفات الجيل الأسبق يواصل ضخ هذه الجمعيات بالدماء. (الجزء الثاني من الورقة التي ألقاها الكاتب أخيراً في ملتقى الثلثاء الثقافي في القطيف).

* كاتب بحريني