«صناعة» النقل الجوي تتألم بصمت

جمال بنون |

الأسبوع الماضي استقبل مطار نيوم أول رحلة مستأجرة للخطوط الجوية السعودية، إذ نقل 130 موظفاً في أول لقاء سنوي على أرض المشروع، وأيضا إعلان مبدئي لبدء حركة الطيران في هذه المدينة السياحية والصناعية، ما يعني أن الانتقال إلى هذه المدينة الحالمة سيكون سهلاً ومفتوحاً طالما أن المطار بدأ في استقبال محدود للطائرات.


وفي كل دول العالم، فإن انتعاش أي مدينة تنموياً واقتصادياً يبدأ من إنشاء المطارات، لأنها تجلب لك شركات النقل الجوي والسياح والزائرين، وبالتالي تأتي معها الشركات العالمية وتفتح معها فرص العمل وتشكّل انتعاشاً اقتصادياً.

وفي كل البلدان يقود «اتحاد الطيران» أو «مجلس المطارات» وغيرهما من المسميات التي تطلقها الحكومات من أجل تنظيم القطاع وتحويله إلى قطاع منتج ويحقق عوائد جيدة وحراكا اقتصاديا، وفي السعودية تعد رئاسة الطيران المدني هي الجهة المنظمة لدخول شركات الطيران وأيضا الترخيص لشركات جديدة، وعلى عاتقها مسؤولية التعامل مع كل الشركات، خاصة السعودية، بعدالة ومن دون تمييز، ومعاملتها كناقل وطني، وحينما أعلنت السعودية رؤيتها لـ2030، وضعت على عاتقها مسؤوليات كبيرة من أهمها تطوير النقل الجوي وفق أحدث المعايير العالمية، وتعزيز مكانة المملكة عالمياً كجهة مؤثرة في صناعة الطيران المدني الدولي، وتحقيق النمو والاستدامة الاقتصادية، وأيضا تنظيم وتطوير قطاع النقل الجوي وفق أحدث الممارسات العالمية، إضافة إلى تشجيع فرص الاستثمار، خاصة وأنها تسعى لأن ترفع حجم إسهام قطاع الطيران المدني في الناتج المحلي الإجمالي للسعودية أكثر من 50 بليون ريال، أي ما يعادل 3.2 في المئة من الناتج القومي، وهذا يعني دخول شركات جديدة وتأسيس ومنح تراخيص ليقام شركات سعودية جديدة وطرح المزيد من الخدمات والخيارات أمام المسافرين بما فيها ذات التكلفة الأقل والطائرات الفخمة لأصحاب الأعمال، إلى جانب شركات طيران أخرى تقدم خدمات متنوعة، وكلما دخلت شركات جديدة فهي تخلق فرص عمل للسعوديين.

وإذا ما نظرنا إلى صناعة النقل الجوي في السعودية فهي حتى الآن لم تحقق من أهدافها التي قطعتها على نفسها سوى الجزء اليسير من ناحية استقطاب شركات نقل جوي خارجي أو تأسيس شركات جديدة، وبذلك فإن عدد الفرص الوظيفية الموجودة اليوم في قطاع النقل الجوي والمتاحة للسعوديين محدود، نتيجة عدم الاهتمام بهذه الشركات.

جمعني قبل أسابيع لقاء مع بعض القيادات في إحدى شركات الطيران المحلية، المسؤول كان يتحدث بألم أنهم يواجهون الكثير من المتاعب من قبل الجهة المشرعة والمنظمة لسوق الطيران في السعودية، إضافة إلى الرسوم العالية التي تفرضها مقابل الهبوط أو الاقلاع من المطارات والتي تصل أحيانا إلى ستة آلاف ريال، فضلاً عن الكثير من الضوابط والقيود، بينما لا تطبق هذه القيود على ناقل محلي آخر، بزعم أنه ناقل قديم وكبير، ويقول هذا المسؤول ان الكثير من شركات النقل تتخوف من الإقدام على الدخول إلى السوق المحلي، بينما هناك شركات أجنبية يسمح لها بحمل ركاب من محطات محلية فيما يمنع ناقل محلي من بعض المحطات، هذا المسؤول وهو في منصب قيادي وصاحب خبرة طويلة في مجال العمل في النقل الجوي، تحدث كثيراً عن المعاناة وعدم المساواة والمحاباة لبعض الشركات لأنها الأقدم والأكبر.

أمام رئاسة الطيران المدني مهام عدة وبحث المشكلات التي وقعت في فترات ماضية وضرورة إيجاد حل لها، لقد غادرت شركتان محليتان بعد سنوات قليلة من العمل لمضايقات تعرضتا لها، ونحن بحاجة إلى الطيران الاقتصادي الأقل كلفة على الراكب، وهي من الشركات الأسرع نموا في السنوات الأخيرة لحاجة الناس لها. تشير المعلومات إلى أن شركات الطيران منخفضة التكلفة نقلت أكثر من 1.2 بليون راكب، أي ما يمثل نحو 30 في المئة من الركاب عالمياً العام الماضي، وهي تنمو بسرعة أكبر مقارنة بمتوسط النمو العالمي، فيما تواصل زيادة حصتها من السوق خصوصاً في الاقتصادات الناشئة، وعلى رغم أن صناعة النقل الجوي تواجه العديد من المعوقات عالمياً، منها وجود أنظمة متضاربة في حماية المستهلك، وتناقض قواعد المنافسة العادلة والممارسات على أرض الواقع، واللبس بين مفهومي الضرائب والرسوم والقيود على البنية التحتية وتحديث الحركة الجوية، وهذا يعني أن تشرع رئاسة الطيران المدني إلى تهيئة المناخ الاستثماري وبيئة المنافسة، بحيث تجعلها عادلة وتقضي على كل ما يعيق دخول شركات جديدة واستثمارات.

لا قيمة للمطارات إذ لم توجد شركات ناقلة وخدمات سهلة وميسرة للركاب، وكما هو معلوم فإن 40 في المئة من إجمالي دخل المطارات لا يأتي من مصادر مرتبطة بعملية الطيران بصورة مباشرة، بل بأشياء عدة أخرى محيطة على اتصال بها، من مواقف سيارات وإيجارات الأراضي وامتيازات مباني المسافرين، إضافة إلى الإعلانات التي تسهم بشكل كبير في إيرادات المطارات العالمية.

هذا يعني أننا أمام صناعة تتطلب منا العمل باحترافية وفريق يمتلك خبرة بعقلية تجارية، يستطيع جذب شركات وأيضا يفتح الباب أمام شركات أخرى وبمنافسة عادلة، ولن يتحقق هذا طالما أننا نتعامل مع الشركات الأخرى بالمفاضلة وتدليل شركة على حساب شركات أخرى، وحينما تغادر شركة السوق وتغلق مكاتبها، يجب ألّا يمرّ هذا الموضوع من دون معرفة السبب، لأن مهمة رئاسة الطيران المدني ليس فقط منحها الترخيص أو العمل، بل أيضا الحفاظ عليها وإنجاحها، لأن هذا يعطي سمعة جيدة للإدارة لدى شركات الطيران الأجنبية ورغبتها في التعامل، فيصبح السوق السعودي محفزاً ومشجعاً لقيام شركات محلية، لأننا بصراحة مقبلون على سوق الحج والعمرة الذي سيعمل بشكل لافت خلال السنوات المقبلة والتي تصل إلى 30 مليون معتمر، وأيضا لدينا السياحة التي شرعت أبوابها والفعاليات الترفيهية، وأيضا نريد أن تسهم هذه الشركات في خلق فرص عمل لشبابنا وبناتنا وتحرك مجالات اقتصادية عدة، أما إذا بقي المسؤولون في الطيران المدني يتعاملون بنظرية «اللي يبينا يجينا» فلن نستقطب رؤوس أموال ولن تقوم شركات جديدة. نفتح الأبواب والنوافذ ونجدد الهواء داخل الغرفة، ونغير طريقتنا في التعامل مع سوق يعد مهما في المرحلة المقبلة في ظل المنافسة الكبيرة.

* كاتب وصحافي اقتصادي.

@jbanoon